; القدر بين القرآن والتراجيديا | مجلة المجتمع

العنوان القدر بين القرآن والتراجيديا

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1675

نشر في الصفحة 66

السبت 29-أكتوبر-2005

ما أكثر التأكيدات التي يطرحها القرآن الكريم أن الله عز وجل ما كان ليعذب جماعة ما أو أحدا من عباده، قبل أن يبعث إليهم بالنذير ويد لهم على الطريق ويعطيهم الفرصة لكي يختاروا بملء إرادتهم أن ينتموا للحق، أو تسوقهم الشهوات إلى التشبث بمواقع الباطل حيث يحق العقاب كجزء من خطة العدل الإلهي الشاملة في سياسة الكون كله.. إن الصورة القرآنية هنا تبدو مغايرة في جوهرها للصيغ التي طرحها الغربيون منذ عهد اليونان وحتى القرن الحادي والعشرين عن العلاقة بين الله وعباده.

 إن (القدر)، في تصورهم، ضربة مفاجئة تجيء على حين غفلة لكي تقصم ظهر الإنسان، ودعابة درامية ثقيلة ومحزنة تصور الآلهة وهم يرسمون الخطط الخبيثة لإيقاع العباد في الشباك التي نصبت بمهارة... إن الصورة القرآنية تكتسح في طريقها هذا الغناء لكي تعيد صيغة العلاقة بين الناس وأقدارهم إلى موقعها الإنساني، المنطقي، العادل ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ  بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 17- 18).

 أكثر من هذا، أن القرآن الكريم يبين لنا بوضوح أن الله سبحانه وضع الحجة والبرهان في قلب كل واحد منا وركز الدلالة إليه في فطرة كل إنسان لحظة بعثه إلى الحياة، ومن ثم حمله المسؤولية، وفق هذا الامتداد الباطني في أن يختار بإرادته الطريق الذي يقوده إلى الله، انسجامًا مع تكوينه الذاتي ومعطياته الفطرية الأساسية.. وبهذا يؤكد الإسلام موقفه الإنساني المفتوح، ورفضه الكلي للقدرية التراجيدية القائمة على الغشم والمفاجأة.. هذا التأكيد الذي يجيء وفق تحذيرات وإشارات تنبثق من داخل كل إنسان كشهاد حرة. ابتداء، ثم تصدر إليه مرة أخري من الخارج عن طريق رسل الله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ* أو تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف:172- 173)  ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30] .

وتتوالى الآيات على نفس الوتر وتطرح علينا ذات القيم والمعاني ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رسولا (الإسراء:15). ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (النجم: 39-41). ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3).﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20). ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: 70). 

هو أعلم بما يفعلون وذلك مفتاح القضية كلها. 

إن معظم الآيات التي تتناول الموضوع تؤكد على الموقف التالي: أن الله سبحانه لا يطبع على قلب إنسان ويختم على مصيره بالكفر أو الإيمان إلا بعد علم مسبق بتكوين هذا القلب وطبيعة نبضه كمًّا ونوعًا.. وهذا التكوين المسبق ليس أمرًا (مجبرًا) عليه الإنسان، بل هو ثمرة اختياره الحر المتأثر بظروفه البيئية والوراثية التي هي بدورها حصيلة البيئة على مر الزمان.. ومن ثم فإن إصرار القرآن على أن يكون المجتمع المسلم خاصة، أو أي مجتمع مؤمن عامة ملتزمًا إيجابيته العقيدية وموقفه الإيماني الحركي الصحيح، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وإقامة لحكم الله في الأرض، معناه السعي الجاد لإيجاد البيئة و(الأرضية) والمناخ الذي يتيح لأكبر عدد ممكن من الناس والجماعات أن تتفتح قلوبهم للحب والإيمان والخير، وأن تمتلك أفئدتهم القدرة على التعامل الفعال مع شريعة الله، لكي يصوغوا وجودهم ومصيرهم بما يطمح إليه، ويتمناه كل إنسان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 118

105

الثلاثاء 19-سبتمبر-1972

تلميذتي

نشر في العدد 1331

98

الثلاثاء 22-ديسمبر-1998

الممارسة والمتابعة