العنوان القاعدة الإسلامية في تقدير رواتب الموظفين في الدولة (الحلقة ٢)
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979
مشاهدات 577
نشر في العدد 445
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-مايو-1979
- تناسب الراتب مع الحاجة والكفاءة والغناء
- مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي
٣- أنواع العاملين:
العاملون اليوم على نوعين:
النوع الأول: الموظفون في الدولة، والعاملون في القطاعات العامة كالشركات التي تنشئها الدولة.
النوع الثاني: العاملون في القطاعات الخاصة، كمن يعمل بائعًا في متجر، أو عاملًا في معمل يملكه فلان من الناس.
4 – كيفية تقدير رواتب الموظفين في الدولة:
عند تقدير رواتب الموظفين في الدولة، لابد من النظر في ثلاثة أمور هي الركائز الأساسية في التقدير:
الأول: كفاءة الموظف. فمن كان ذا كفاءة عالية جدًا يجب أن يعطى راتبًا أكثر ممن هو دونه في الكفاءة. وتعتبر الشهادة وعدد سنوات الخدمة في عمل ما قرينة قوية على تعيين درجة الكفاءة، فمن يحمل الشهادة الجامعية هو ذو كفاءة أعلى ممن يحمل الشهادة الثانوية فقط، ومن عمل في حرفة التجارة عشر سنوات أكثر كفاءة ممن عمل فيها ثلاث سنوات وهكذا.
وراتب الموظف يجب أن يتناسب مع خبرته، وهو أمر بديهي.
الثاني: غناء الموظف «بفتح الغين»، وأعني بالغناء ما يسده الموظف، فقد يسد موظف واحد مسد ثلاثة موظفين بغزارة إنتاجه وتفانيه في العمل، وقد يسد عامل فني مسد مهندس بما له من خبرة وما يتمتع به من ذكاء ودقة ملاحظة ومطالعة خاصة رفعت مستواه في مهنته.
وراتب الموظف يجب أن يتناسب مع هذا الغناء وفقًا لما يرى الإسلام.
فقد روى أبو عبيد في كتاب «الأموال» صفحة 442: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتهى مروط، فقسمها بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط صغير، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذه بنت رسول الله عندك -يريد بذلك: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال عمر: «أم سليط أحق به، فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد».
وذكر في «كنز العمال» برقم 11696 «أن عمر بن الخطاب فرض لعبد الله بن حنظلة ألفي درهم، فأتاه طلحة بابن أخ له، ففرض له دون ذلك». فقال: «يا أمير المؤمنين، فضلت هذا الأنصاري على ابن أخي!» فقال عمر: «نعم، لأني رأيت أباه يستتر بسيفه يوم أحد كما يستتر الجمل»
الثالث: الحاجة: وقد ذكرنا فيما تقدم الحاجات الضرورية للفرد، وعلى الدولة أن تكفي موظفيها هذه الحاجات «الطعام، والزواج، والمسكن، والتطبيب، والتعليم، والخادم لمن يحتاجه» باعتبارها الممثل الشرعي للمجتمع، والموظف في الدولة قد كرس كل وقته -حسب قانون الموظفين- لخدمة المجتمع، فعلى المجتمع -الذي تمثله الدولة- كفايته، ولذلك يجب أن يتناسب راتب الموظف مع كفايته في النظام الإسلامي، بالغًا ما بلغت هذه الحاجة.
فقد روى أبو داود في سننه في كتاب «الخراج والإمارة» بشأن أرزاق العمال، بإسناد صحيح عن المستورد بن شداد قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان لنا عاملًا -موظفًا- فليكسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكسب مسكنًا»، قال أبو بكر رضي الله عنه: «أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق».
فيُعطى ذو الحاجة الأكبر راتبًا أكثر من ذي الحاجة الأقل، وهذه الحاجة قد تكون ناتجة عن كثرة العيال، وكذلك كانت الدولة الإسلامية في عهودها الزاهرة تعين ذا العيال بقدر ما له من العيال، بفرض راتب معين لكل مولود، وقد تكون هذه الحاجة ناتجة عن وضع اجتماعي معين، لكون الموظف وجيهًا، كثير الضيوف مثلًا ولذلك وجدنا عمر بن الخطاب يفرض لعمار بن ياسر عندما أرسله أميرًا على العراق نصف شاة في كل يوم إضافة إلى راتبه الأصلي، بينما يفرض لعبد الله بن مسعود الذي أرسله قاضيًا إلى المنطقة نفسها ربع شاة في كل يوم، لأن الأمير أكثر ضيوفًا من القاضي .
وقد تكون ناتجة عن المكان الذي يقطن فيه الموظف، كإقامته في مكان تغلو فيه الأسعار مثلًا.[1]
وعلى الدولة أن تراعي هذه الأمور الثلاثة (الكفاءة والغناء والحاجة) عند دراستها أحوال الرواتب في البلاد لتكون نظمها متفقة مع نظام الإسلام، فقد روى أبو داود في سننه[2] والإمام أحمد في مسنده[3] «عن مالك بن أوس الحدثان قال: ذكر عمر يومًا الفيء فقال: ما أنا أحق بهذا الفيء منكم، وما أحد منا أحق به من أحد، ألا إنا على منازلنا من كتاب الله وقسمة رسوله، والرجل وقدمه- أي كفاءته- والرجل وبلاؤه- أي كفاءته غناؤه- والرجل وحاجته».
وذكر العلامة ابن عابدين[4] أن عمر كان يعطيهم العطاء- أي الرواتب- على قدر الحاجة والفقه- أي الكفاءة- والفضل- أي الغناء- ثم قال: والأخذ بهذا في زماننا أحسن.
وقد ذكر الفقهاء أن الموظف إذا اجتمعت له هذه الصفات الثلاثة (الكفاءة، والغناء، والحاجة) استحق الراتب الأعلى منها، مثلًا: لو كان راتب الحاجة للموظف ۳۰۰ دينار، وراتب الكفاءة ٢٠٠ دينار، وراتب الغناء ۲۰۰ دينار، أعطي الموظف الراتب الأعلى وهو هنا راتب الحاجة ٣٠٠ دينار.
أما النظر في أضرار المهنة، فإن كانت المهنة مما يضر بالصحة أثّر ذلك في تقدير الراتب، فإنها لا تعتبر من الراتب الأصلي، وإنما هو تعويض عن الضرر المفترض وقوعه بالعامل .
5- أجور العاملين في القطاعات الخاصة :
أما تقدير أجور العاملين في القطاعات الخاصة- عند غير الدولة- فإنه يختلف في قواعده عن القواعد التي تم تقدير رواتب الموظفين في الدولة بحسبها، إذ أن تقدير أجور العاملين في القطاعات الخاصة يقتضي النظر في أمرين فقط:
الأول : الكفاءة.
والثاني : الغناء.
ويعطى العامل الراتب الأعلى منهما .
أما الحاجة فإنها لا دخل لها هنا في تقدير الأجور لأن العامل هنا لا يعمل عند ممثل للمجتمع، وإنما هو يعمل عند فرد معين، وهذا الفرد لا يمثل المجتمع، ولذلك لا يكلف بسد حاجة المحتاج .
فإن لم يكفِ ذلك الراتب الذي يتقاضاه العامل في القطاع الخاص لسد حاجاته الأصلية كُلّف رحم المحرم للعامل بسد تلك الحاجات، فإن لم يكن بمقدورهم ذلك كلف الوارثون من رحمه غير المحرمين بسد تلك الحاجات، عملًا بقاعدة «الغنم بالغرم»، فإن لم يستطيعوا كلفت الدولة باعتبارها ممثلة المجتمع بسد تلك الحاجات، لأن من حق الجائع أن يطعم ومن حق العاري أن يكسى ومن حق المشرد أن يؤوى في دولة الإسلام .
============
- هوامش
[1] انظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٢٦ وللماوردي ص ۱۸۰ .
[2] كتاب الخراج برقم ٢٩٥.
[3] الجزء الأول صفحة ٤٢.
[4] في حاشيته الجزء الثالث صفحة ۲۸۲.