; القاضي العادل والمستشار الأمين | مجلة المجتمع

العنوان القاضي العادل والمستشار الأمين

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004

مشاهدات 85

نشر في العدد 1586

نشر في الصفحة 43

السبت 24-يناير-2004

جمعتني الأيام، بالأخ، والمعلم والمرشد الأستاذ المستشار المأمون الهضيبي في محنة ١٩٦٥، حيث قذف طاغية مصر آنذاك بعدد وافر من رجالات الإسلام من ألوان الطيف، ومن لم يجدوا له لونًا، أسموه نشاط معاد..

كان الأستاذ مأمون الهضيبي، عليه رحمة الله شخصية هادئة فيها حنان الأبوة ولمحات الصديق بالرغم من شخصيته المهيبة فهو قاض ومستشار تلزمه المهنة وطبيعتها ألا يخالط الناس، ولا يتباسط معهم، خوفًا من أن يطمع طامع في حكم منه جائر أو تحيز ضد شخص آخر.

ولما مرت الأيام، واطمأن كل منا لأخيه سألت - القاضي والمستشار كيف كان يحكم بغير ما أنزل الله، وهو في منصب القضاء مطالب بإنفاذ القوانين الوضعية قوانين نابليون بونابرت؟ ولقد احتلت على هذا السؤال بما أوتيت من خبرة ورقة، واعتذار توقعت منه، وجهًا غير ذلك الوجه الطيب وغضبة تغير تلك الابتسامة الرقيقة التي ترتسم على وجهه دائمًا.

قال وصدره يتسع لتطفلي وسؤالي، الذي يمكن أن يؤول إلى معنى التجريح لقد كنت أحكم بشرع الله تمامًا، واستثير في المتخاصمين الخوف من الله ومن عقابه، وافتح الباب أمام العفو والصلح كنت التجئ إلى كتب الفقه التمس الحكم الشرعي الصحيح وقد أفادني كثيرًا المحلى لابن حزم الظاهري الأندلسي، حيث يناقش المذاهب الأخرى ويطرح الأمور طرحًا عقلانيًا، يتيح للقاضي أن يصدر حكمه بما يراه مطابقًا لمراد الشرع، ومقتضى - العدل وقد أعانني، كذلك، وجودي في قطاع غزة حيث المجتمع قريب من البداوة.

وبالرغم من فيض الحنان والرقة التي اتسم به عليه رحمة الله، فقد كان صلب العود شديد المراس إذا كان الأمر يتعلق بالإسلام، أو الدعوة، أو الإخوان. وهذا أدب القادة والرواد، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

 وكداب الطغاة، أصدر الدجالون في عهد عبد الناصر بيان ۳۰ مارس عام ١٩٦٨، وعدًا بالتغيير والإصلاح كلام يتلهى فيه الثكلى والمصعوقون من هول هزيمة ١٩٦٧م.

وكان لا بد من فتنة يقتنصها عبد العال سلومة أحد جلادي السجن آنذاك، فأمر بأخذ التأييد لبيان ۲۰ مارس، وأن يكون التأييد بالدم، وليس بالحبر فقد رخصت دماء المعتقلين قتلًا، أو حبرًا تكتب به التأييدات والالتماسات.

التفت إلى الأستاذ المأمون، مشفقًا على حالته الصحية، خاصة أنه مريض بالقلب، وقد عذب في السلخانة، وهي سور داخلي في معتقل أبي زعبل السياسي، وهذا السور حائط من الأعمدة الحديدية مطل على فسحة وحوش داخلي، يعلق فيها المعتقل من يديه وقدميه مثل الذبيحة، حتى يقر ويعترف بما يراد منه حقًا أو غير حق، حدث أو لم يحدث، يجب أن يعترف وقد رفض الأستاذ المأمون ما طلب منه ولم تشفع له حصانة المستشارين، ولا حرمة القضاء ولا حتى مرض قلبه، وظل هكذا حتى توقفت علامات الحياة، وأبلغ المعذبون الذين يضربونه قادتهم بأن الرجل قد مات.

ولكن كان في العمر بقية، فتم إنقاذه بمعجزة كنت أعرف هذا، وأشفق عليه من جولة ثانية من العذاب.

كنت أعلم أنه لن يحتمل ذلك العذاب مرة أخرى. فهمست له أن يوافق على التأييد فهو يعلم أنه مكر لا طائلة وراءه، لا إفراج عاجلًا ولا رضا ظاهرًا. ولكنها فتنة لشق الصف فرد على بحزم جسور: إن دون ذلك خرق القتاد، فإنما هو رمز لوالده ولدعوته ولو انحنى هو لضاعت الجماعة، وكان قدوة للخنوع والانهزام بكيت شفقة عليه فاحتضنني بين ذراعيه برفق الأب الحنون، وقد فاضت عيناه، وقال: لا تحزن إن الله معنا.

هكذا عرفت أستاذنا عليه رحمة الله والله حسبه وهو نعم الوكيل..

الرابط المختصر :