; القابضون على الجمر (الحلقة السابعة) | مجلة المجتمع

العنوان القابضون على الجمر (الحلقة السابعة)

الكاتب محمد أنور رياض

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

مشاهدات 118

نشر في العدد 222

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

بقلم المهندس/ محمد أنور رياض كان لا بد أن تـــدور الحوادث بسرعة مخيفة؛ فقد كان سباقًا مع الزمن.. والضرب المتوالي.. المتلاحق.. يُفقد الإنسان القدرة على التفكير.. والتركيز أيضًا.. وكان آخر لقاء معك يا فؤاد.. كان ذلك عندما تصاعد خــــلاف «الرئيس» مع الإخوان.. ولجأ إلى الوقيعة بين شباب الإخوان والمرشد. قال عبد المنعم في هياج هائل (لم أشاهدك أبدًا في هذه الثورة يا عبد المنعم.. رحمة الله عليك یا شهيد): ـ لقد خدعك يا أخ فؤاد.. إنه يريد تمزيقنا من الداخل. قال فؤاد في تحدٍّ: ـ لقد حدثنا عن مصر قوية.. آماله لا تختلف عن آمالنا. ـ الكلام شيء.. والعمل شيء آخر.. ثم ماذا عن الإسلام؟ هل حدثك عنه أيضًا؟ ـ إنه لا يتحدث عن الإسلام.. لكن ليعمل كل منا بنيته. ـ نحن مؤمنون بأن الطريق الوحيد لخلق الإنسان من جديد هـــــو الإسلام.. والإسلام عقيدة أولًا.. والثمرة تأتي نتيجة للإيمان والعمل. قال فؤاد في إصرار: ـ نحن لسنا في قوة الجيش.. ولا نستطيع الوقوف ضده.. ولا بأس من أن نتعاون معهم في بناء البلد.. ولنعطهم الفرصــة التي يطلبونها. ـ قال عبد المنعم: ـ هنا الخطأ.. هنا الخطأ.. وهل سيعطينا هو الفرصة؟ تكلم يا عادل.. قل له ما عندك. قال عادل في صوت باهت: ـ أبي يشدد علىَّ في هذه الأيام.. يقول إن عندهم تعليمات سرية بجمع كل المعلومات عن أفراد الإخوان ووضعهم تحت المراقبة المستمرة. قال عبد المنعم: ـ ويدربون الحرس الوطنــــي.. ويثيرونه بالدعايـــة ضـــدنا.. والتعليمات عندهم أن يدخلوا البيوت.. ويستبيحوا كل شيء عنــــد صدور الأوامر.. والجانب الآخر من اللعبة هو استدراج شباب الإخوان واحدًا وراء الآخر.. ليوقع بيننا الخلاف والفرقة! قال فؤاد: ـ أرجو أن تفهمني يا أخ عبد المنعم.. نحن الخاسرون إذا حدث الصدام بيننا وبينهم.. وسيضيع الناس في الوسط.. لن تستطيع تعويض الخسارة لسنين طويلة.. وربما لأجيال. قال عبد المنعم: ـ أنت تظن أننا لم نحاول التفاهـم وتجنب الصدام.. لقد قال لهــم «الهضيبي»: نحن مستـــعدون لزرع الصحراء.. نحن علــــى استعداد للبناء في أي مكان.. وكل واحد ونيته.. لكن هدفهم هــــو تصفيتنا نهائيًّا.. والتفرقة ستزيد فرصتهم. قال فؤاد بأسف: ـ العاصفة قادمة ولا شك.. أنا آسف يا أخ عبد المنعم.. لا أستطيــــع المشاركة في شيء لست مقتنعًا به. إنه الفراق إذًا يا فؤاد.. أحس على بقلبه ينشطر نصفين.. الآن يا فؤاد تنسحب؟! رفقة الســــلاح.. وبيعة الموت.. وحنين الشهادة.. لا.. لا أظن أن ذلك ينتهي يا فؤاد.. لا يخرج الإيمان من قلب ذاق حلاوته.. لا أظن یا فؤاد. افترقوا.. فـــؤاد لــم يشهد العاصفة كما سماها.. أنقذتــــه البعثة والسفر إلى الخارج للدراسة.. سافر.. وظل ذكرى في قلب علي.. وما أكثر الذكريات يا علي! وأخيرًا التقيا.. الطالب والأستاذ.. اصطدم نظره فجأة بنظر علي.. شيء رهيب أن تغــرز مسمارًا محميًّا بالنار في عصب إنسان.. ارتبك فؤاد.. لكن كان يجب أن يسيطر علـــى نفسه ليواصل درســـه. بعد المحاضرة أشار إلى علي. في غرفة «الدكتور فؤاد» احتضنه بين ذراعيه.. أحــس على بصدر فؤاد يهتز بشدة. ـ حمدًا لله على سلامتك.. لـــم تتغير كثيرًا يا علي.. دعني أرَ عضلاتك. بماذا أناديك يا فؤاد.. لماذا تغير كل شيء حولي؟! توقف الزمن بي.. في وقت يندفع الناس فيه بســــرعة الصاروخ. ـ لقد تغيرت الدنيا.. ذهب زمن العضـــلات. ـ متى خرجت؟ ـ منذ شهر فقط. ـ لقد قاسيت كثيرًا يا علي.. لكن ثواب المجاهدين عند الله عظيم. سكت على ولم يرد.. شــرد فؤاد بذهنه لحظة.. ثم قال: لــم تكونوا وحدكم في المحنة.. لقد تعذبت مثلكم.. وربما أكثر.. كنت في بعض الأحيان أترك الفراش الدافئ لأنام على الأرض.. ربما لأشعر بشعوركم.. أو ربما لأن إحساسًا عميقًا بالإثم كان يطعنني من الداخل. نظر إليه علي في دهشة ـ ربنا أنقذك من السجن وما فيه من فتن. انتبه فؤاد فجأة ـ كيف حال عبد المنعم. عبد المنعم؟ تجمدت نظرته ـ ألم تسمع عن مذبحة ليمان طرة ؟ لقد أطلقوا النار على الإخوان داخل الزنازين.. فقتلوا واحـدًا وعشرين شهيدًا.. وتركوا الباقي بين الحياة والموت.. ونال عبد المنعم الشهادة التي تمناها. سحبوا الدم من عروقه فجأة.. فابيض وجهه.. ومع كل كلمة كان قلبه يغوص.. يغوص.. وجسمه يتضاءل.. كم أنه صغير أيها الدكتور! وضع رأسه عــلى كفه و.. لم يجد شيئًا يفعله.. سوى أن يفتح أبواب عينيه لسيل من الدموع.. رحمة الله عليــــك يا عبد المنعم! لم أرك تبكي أبدًا یا فؤاد.. كان الثلج يحيط عقلك دائمًا.. كل شىء له عندك أبعاد وزوايا.. وتحاليل ورؤی.. كان كلامك دائمًا له وزنه.. حتى ولو كان خطأ.. أما الآن.. فلماذا أراك مهزوزًا مهزومًا؟ تكلم فؤاد أخيرًا بعد أن هدأ جأشه قليلًا.. قال كمن يرثى شيئًا مـــات بداخله: ـ إننى ما زلت أذكر آخر لقاء بيننا.. لقد كان رحمه الله على حق.. كنت في إنجلترا أتابع أخباركم، وكان عندي الفرصة للاطلاع على تيارات كثيرة.. لقد رأيت كل شيء بوضوح لا شك فيه.. لقد كان كل همهم أن يسرقوا ثورة الشعب.. لقد كانت لعبتهم التي برعوا فيها دائمًا هي صنع الأبطال المزيفين. الناس اليوم يدفـــعون ثمن غيــــاب الإخـــوان.. إنهم يقودون البلد إلى فراغ رهيب.. هناك مؤامرة لا شك فيها.. لقد كان عبد المنعم على حق.. كانوا يخططون لتصفية الإخوان.. لم يكـــن الأمريكان والإنجليز والشيوعيون واليهود ليسمحوا بثورة مسلمة في مصر.. ولقد تكاتفوا جميعًا واليهود ليسمحوا بثورة مسلمة في مصر.. ولقد تكاتفوا جميعًا.. لقتل الحرب في القناة.. قتلوها.. وقتلوا عبد المنعم أيضًا. كان فؤاد يتكلم وكأنه يتقيأ دمًا.. كان ينزف من الداخل.. لقد عرفت الحقيقة أخيرًا يا فؤاد.. ولقـد عرفتها قبلك.. ولكن... ـ هون عليك يا أخ فؤاد.. البكاء على الماضي لا يجدي. نكأ جرح علي ثانية. - ولكن.. البلد.. الناس.. الناس يسيرون نحو هاوية سحيقة وهم مخدرون.. الإنسان المصري تتغير مواصفاته يومًا بعد يوم.. وأوشكت معالمه الأصيلة أن تنطمس! أصبحت يا علي بارد الأعصاب.. أما فؤاد؟.. لقد انقلبت الأوضاع!! ـ وما العمل يا دكتور؟ نظرة العاجز ـ إنني مطارد مثلك.. فهم يلاحقونني من وقت لآخر.. إنني أموت كل يوم عشرات المرات.. وأنا أشعر بالعجز والشلل.. ما أهمية أن يكون لدينا العلم ثم لا نستطيع أن نفعل شيئًا؟ قال علي في بساطة: ـ إنني ما زلت جديدًا في هذا العالم.. ولا بد لي من فترة حتى أستكشف كل ما فيه. قال فؤاد: ـ كان الله في عونك.. بل وعوني أنا أيضًا.. أحيانًا يراودني أمل ينير نفسي بأن الله لا يرضى بهــــذا الطغيان.. وأنه سبحانه لا بد أن يلهم الناس الطريق الصحيح. قال علي: - الأمل في الله باٍق.. ولم يبقَ لنا إلا الصبر.. ونعض علـــى أصـــل الشــــجرة يا أخ فؤاد.. «وكل شيء عنده بمقدار».
الرابط المختصر :