العنوان الفلسطينيون يعزفون عن العمل في الكازينو وغالبية العمال من غير المسلمين
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
مشاهدات 88
نشر في العدد 1319
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 29-سبتمبر-1998
فلسطين المحتلة
كازينو أريحا نموذج لطبيعة الدور الفلسطيني المطلوب
إسرائيل مسرورة للغاية لافتتاح كازينو للقمار في أريحا، الذي أطلق عليه اسم «الواحة» فيما أطلق على مدينة أريحا لقب «مدينة الخطايا».
والسعادة الإسرائيلية لها ما يبررها، فالحكومة الإسرائيلية تعتقد أن الحملة الإباحية في الشارع الفلسطيني- ومن ضمنها كازينو القمار الجديد- ستؤثر سلبًا على الأخلاق، وهو ما من شأنه إضعاف نفوذ حركة حماس، ومحاربة «التعصب والتطرف الإسلامي»، وبالتالي فهي تستحق الدعم والإسناد الممكنين.
سبب آخر للرضا الإسرائيلي عن السياسة اللاأخلاقية في فلسطين، وتحديدًا فتح كازينو القمار في أريحا، ويتعلق بالرغبة الإسرائيلية بلعب القمار، دون الحاجة للسفر بعيدًا إلى أوروبا أو أمريكا، وذلك لأن التعاليم الدينية اليهودية تمنع لعب القمار على الأراضي اليهودية، أحد الباحثين الإسرائيليين علق على ذلك قائلًا: «إنهم الفلسطينيون يتحملون مسؤولية الخطيئة، فيما ننعم نحن بارتكابها والحفاظ على ما نتباهى به من قيم العائلة والأخلاق».
أما السبب الثالث للرضا الإسرائيلي، فهو التوتر الذي ستتسبب به هذه الخطوة بين السلطة والمتدينين، وخصوصًا حركة حماس، وهو ما قد يزيد من تأزم العلاقات بين الطرفين، ويدفعها في اتجاهات مرغوبة إسرائيليًا، وهذا ما أشار إليه بوضوح ميرون بنيفستي -مستشار رئيس بلدية القدس السابق- في صحيفة «ها آرتس»، حيث قال: «السلطة الفلسطينية قلقة من المزاج العام الغاضب في أوساط شعبها، أما الإسرائيليون فليسوا قلقين فالكارثة للشعب الفلسطيني ليست بالضرورة أمرًا سينًا، على العكس فليتنازع ياسين مع عرفات وعندها سيتعاظم التعاون الأمني، فقد تباهينا دومًا بوصفنا جزيرة للثقافة الغربية في بحر من الإسلام الأصولي، والآن جاء الكازينو ووضع نقطة انعطاف أخرى بيننا وبين وحوش الصحراء حولنا».
حركة حماس التي استفزها بشدة-كما غالبية قطاعات الشعب الفلسطيني- افتتاح كازينو أريحا قبل أيام، اتهمت السلطة بإفساد الشعب الفلسطيني، ونقل قذارات الشتات إلى المجتمع الفلسطيني المحافظ.
وقالت حماس في بيان شديد اللهجة: «إن السلطة تصم آذانها عن احتجاجات الجماهير ضاربة عرض الحائط بكل قيم المجتمع العربي المسلم بإصرارها على المضي قدمًا بافتتاح كازينو القمار في مدينة أريحا، واتهمت حماس رجال السلطة بالانشغال بحماية المقامرين وخدمتهم في الوقت الذي يستشري فيه سرطان الاستيطان في الجسد الفلسطيني المثخن بجراح سهام الأعداء وخناجر الأبناء الضالين».
وانتقدت الأوساط الفلسطينية الدينية المختلفة إنشاء الكازينو، وقالت إن الفساد الأخلاقي تزايد كثيرًا في السنوات القليلة الماضية، بحيث أصبح الوضع الأخلاقي في الوقت الراهن أسوأ منه أيام الاحتلال.
رئيس رابطة علماء فلسطين حامد البيتاوي قال: إن القلق يساور الأوساط الدينية من انتشار الفساد الأخلاقي، مؤكدًا أنه لم يعد مستبعدًا أن تسمح السلطة رسميًا بفتح بيوت للدعارة.
ورأى العديد من الأوساط الدينية أن الذين أشرفوا على إقامة المشروع قصدوا المبالغة في الإساءة إلى الدين الإسلامي وإهانته بأقذع صورة ممكنة، وتجلى ذلك بوضوح بإقامة كازينو القمار على أرض وقف إسلامي يعود لعائلة الحسيني التي قامت بنقل ملكية الأرض للشركة النمساوية التي حصلت على تصريح من وزارة الحكم المحلي بإقامة الكازينو، ويذكر أن هذه الشركة النمساوية أقامت ۷۰ كازينو على امتداد العالم.
وقد كشف النقاب عن أن «مازن» ابن محمود عباس «أبو مازن» عراب اتفاق أوسلو، هو الذي أشرف على تنفيذ المشروع، وأنه استقدم لهذا الخصوص مهندسين من الأردن واستطاع أن يؤمن لهم إقامة دائمة في أراضي السلطة.
صحيفة «كول هعير» الإسرائيلية أشارت إلى مخاوف المسؤولين الفلسطينيين من انكشاف مساهمتهم في كازينو القمار، وقالت: «خالد سلام -مستشار عرفات الاقتصادي- الذي يقف خلف الاستثمارات الفلسطينية في كازينو الواحة مثل باقي الشركاء من السلطة الفلسطينية، ليس معنيًا بأن يرتبط اسمه بالأموال الكبيرة المرتبطة بالكازينو، فعندما لاحظ سلام المصور -أثناء افتتاح الكازينو- طالبه بإعطائه الفيلم وقام بعدها باستدعاء الحرس «الزعران» لم يترددوا للحظة وبدأ الأمر بلهجة سلمية بعض الشيء، وانتقل فورًا إلى مستوى الهجوم «سنحطم لك الكاميرا»، المصور رفض إعطاءهم الفيلم، فانتقل الحراس للتهديدات، أحد ضباط الأمن الإسرائيليين أمر بإبعاد المصور عن أعين الضيوف، أربعة حراس إسرائيليين وفلسطينيين لووا أصابعه وجرحوه في كفه منتزعين منه الفيلم بالقوة.
وتحت عنوان «السكان: لتصلهم نار جهنم» قالت صحيفة كول هعير: إن خطب الجمعة في المساجد خصصت منذ شهر قبل افتتاح الكازينو لمهاجمة المشروع الجديد «الذي جلب الكفرة للمدينة»، وأضافت: «الأئمة يحذرون من دمار المنطقة مرة أخرى مثلما حدث في عهد سدوم وعمورة»، وذلك في إشارة إلى المنطقة التي أقيم فيها الكازينو بين مدينة أريحا والبحر الميت أو بحيرة لوط التي خسف الله الأرض بالقوم الذين سكنوها وجعل عاليها سافلها.
«لقد أقامت الحركة الوطنية اليهودية مصنع الفوسفات في كاليا المجاورة، أما الحركة الوطنية الفلسطينية فقد نصبت ۲۲۰ ماكينة لعب، و ٣٥ طاولة حظ»، هكذا أشارت صحيفة «ها آرتس» باستهزاء إلى كازينو أريحا الذي ساهم بعض رموز السلطة فيه بنسبة ٣١٪.
إعلانات الدعاية للكازينو أشارت إلى «أطعمة لذيذة في وسط الصحراء، وروليتا مضيئة وراقصات شقراوات».
وفي الصور التي علقت على الكازينو ووزعت بسخاء من قبل إدارة الكازينو ظهر «رجال يرتدون ربطات عنق، ونساء سخيات في التعري بجانب طاولات الروليت على حد وصف صحيفة إسرائيلية أشارت إلى أن المكان لم يفتقد الشقراوات اللاتي جلبن معهن نسمات أوروبية باردة هؤلاء جئن من كازينوهات الشركة النمساوية، ووزعن على طاولات المراهنات في أريحا».
قذارات الصهاينة:
الكازينو في الواقع يعبر عن حقيقة الأدوار التي حددها الإسرائيليون للسلطة الفلسطينية في الاتفاقات الممسوخة، فالفلسطينيون من جهة يستوعبون قذارات الإسرائيليين التي لا يريدون التلوث بها، ومن جهة أخرى يتولون الجانب الخدمي في الكازينو، حيث يعملون كنادلين وعمال نظافة، أما الدور الثالث فهو توفير أمن الإسرائيليين، ويتولى هذا الجانب الأمن الوقائي في الضفة الغربية.
تقول إحدى الصحف الإسرائيلية: «جبريل الرجوب سيحبط معنويات من يزج أنفه أكثر من اللازم، أو يحاول معرفة ما يجري خلف الكواليس، الرجوب مسؤول عن تجنيد الحراس الفلسطينيين الذين ينتصبون أمام أبواب الكازينو، ولا يسمح لهم بدخوله، الرجوب مسؤول أيضًا عن الدوريات الفلسطينية التي تتجول بلا توقف حول الكازينو».
أما صحيفة «كول هعير» فقالت: «إن الكثير من رجال الشرطة الفلسطينيين يرفضون حراسة الكازينو، وأغلبية العمال داخل الكازينو قدموا من بيت لحم من أوساط الطائفة المسيحية الذين يسهل إقناعهم بالعمل إلى جانب الروليت».
ولإظهار امتعاض رجال الشرطة الفلسطينية من حراسة الكازينو قالت الصحيفة إن أحد الضباط ثار غضبًا عند محاولة تصويره وصرخ: لا تصورونا ونحن نحرس هذه القمامة في الكازينو، فما نحن إلا رجال شرطة يؤدون واجبهم في آخر المطاف.
ضابط آخر قال: «ليست عندي مشكلة مع الدين، وأنا علماني في آرائي، إلا أنني لست مستعدًا أبدًا للعمل في مثل هذا المكان».
كثير من المراقبين يرون أن السلطة الفلسطينية خسرت جزءًا من شعبيتها في أوساط الشارع الفلسطيني، ولا يستبعد هؤلاء أن يستهدف الكازينو بعمليات عسكرية لتدميره.