العنوان الفكر والإعلام .. ومتغيرات العصر
الكاتب أحمد شرف الدين دفع الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 79
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-يوليو-1998
يُعد أمر تشكيل بناء جديد للرسالة الإعلامية المواكبة للمتغيرات العصرية أحد معضلات إعادة البناء الحضاري لامتنا، نظرًا لواقع الأمة الراهن، وقياسًا لهذا الواقع إلى معطيات ثقافة عالمية أخرى - في الغرب أو الشرق .. فنمط العقلية الغربية مثلًا يميل كثيرًا نحو الإثارة وافتعال الأحداث، وابتكار البرامج، وحرية الممارسة في الاعتقاد والسلوك والأخلاق، بغير رقيب ولا ضامن ولا حتى معيار أخلاقي محدد، هذا اللون من الممارسة «الحضارية»، يستدعي بالضرورة تصميم برامج خاصة، وإعداد «سيناريوهات» تتوافق إيجابًا مع هذا الاتجاه من الحياة في الغرب، وليس من المناسب طبعًا القول: إن مثل هذا «الانفتاح»، في الرسالة الإعلامية هو الأسلوب الأنسب في الخطاب الإعلامي الإسلامي لفارق الفهم المعرفي للثقافة والحضارة في الغرب والشرق الإسلامي.
إننا في الواقع نحتاج إلى استحداث برامج «تركيز» للفهم الذي يفضي إلى بناء الفرد المسلم، الذي يعتز بدينه، ويتمسك بأصول عقيدته. ويبني كل مواقفه وتصوراته وسلوكه على أساس الإسلام، وتتشكل بذلك حضارة المجتمع الإسلامي الشامل، وهذه مرحلة لابد منها لبناء كيان إسلامي صحيح، ومن الخطأ أن نظن أن التخطيط لأية نهضة تتجاوز «المحلية» إلى «العالمية»، يبدأ من فراغ، ولأن مجرد هجمة حضارة وثقافة الآخرين علينا لا تجعلنا في كثير من الأحيان في موقع مناسب للرد المناسب، حتى لو امتلكنا وسائل إعلامية مماثلة أو تقنية بث فضائي أكبر، وربما أشار كثيرون إلى خطورة تأثير وسائل الإعلام على فهم الإنسان، وهذا وحده مؤشر لجملة من الحقائق ما زالت تترسب في واقع مجتمعنا المسلم اليوم منها:
١ - التأثير الكبير بطروحات الإعلام الغربي الذي يحمل مضامين خطاب إعلامي موجه أساسًا لتغييب النهضة والفهم لدى الفرد المسلم
٢- افتقار المجتمع إلى حصانة ثقافية «إسلامية»، في معظم الحالات. ومرد كل ذلك بطبيعة الحال: إما لعجز آلية بث الثقافة الإسلامية في المجتمع، أو لافتقار القائمين على أمر «المعلومة»، إلى مكونات الثقافة الإسلامية الشاملة، وبالتالي فمن غير الممكن تصميم أي برامج هادفة تحمل مدلولًا رساليًّا مناسبًا.
هذا الهدف المعرفي المهم غير متوافر في واقعنا الآن، ومن جرّاء هذا الفراغ - المعرفي - حدث انفصام كبير بين انتماء الفرد واعتصامه بثقافته، و وجود فكر وافد، ونتيجة لضعف المقاومة «الفردية»، وانكسار بعض جدار الحصانة الهش، انخفض مستوى «الضغط» الثقافي عند غالبية المجتمعات الإسلامية، فتعرضت من ثم منطقة «الوجود» الإسلامي عامة إلى اجتياح «تيارات» الغزو الفكري الثقافي الغربي، ويكاد لا يسلم من ذلك إلا النذر اليسير من بلاد المسلمين الواسعة.
والصحيح أننا في مسيس الحاجة إلى إعادة صياغة الفرد المسلم عبر تنفيذ برامج ذات خطاب إعلامي «خاص» يستهدف إحياء القيم وتأصيل المعارف، وباستقراء واسع لواقعنا اليوم، تتحدد مواقع الخلل، فليس المشكل هو اتخاذ غاية الحذر من غزو فكري وشيك، بقدر ما هو« تحقيق» واقع إسلامي صحيح في مجتمعاتنا «أولًا»، ثم الانتقال تدريجيًّا بخطابنا الإعلامي إلى آفاق الدنيا كلها .
﴿ أَتَأمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ ٱلكِتَـٰابَ أَفَلَا تَعقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤)
إن القنوات الفضائية الكثيفة الموجهة، والإذاعات الضخمة المتنوعة الخطاب، المتعددة البرامج، والصحف والمجلات الكبيرة، ووكالات الأنباء والإنترنت وغيرها، ما هي إلا وسائط ناقلة يتحكم في أهدافها وبرامجها بشر وفق برامج مخططة، وسياسات مرسومة، وغايات معلومة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الغايات والبرامج ذات مقاصد «معرفية»، بل قد تكون «دعائية» محضة، وقد تكون لمجرد اللهو والإثارة، وهي بهذا الشكل تتوافق قطعًا مع ميول ورغبات الكثير من الناس، ولا نستطيع بطبيعة الحال أن نصرف الناس عن هذه البرامج الموجهة، والتي لا تحمل في طياتها خيرًا للمسلمين، لأنها صُممت أصلًا لمجتمع معين، أو لصرف الآخرين عن منهج معين، ولأن مستوى برامجنا المقدمة بواسطة الوسائل نفسها لا تلبي احتياجات معرفية أو ثقافية كافية تُشبع رغبات الفرد المسلم، حتى ينصرف عن غيرها، عندما يُدرك بوعيه وثقافته مدى الأخطار والانحرافات التي تنطوي عليها البرامج الموجهة.
وبإلقاء نظرة عابرة على عدد القنوات الفضائية العاملة بالبلاد الإسلامية والعربية، ندرك حجم المأساة، وبالاطلاع على عناوين المجلات والصحف التي تصدر بالعربية ندرك أيضًا حجم ما ذهبنا إليه، فمعظم الصحف التي تصدر في البلدان العربية والإسلامية تبحث في مجملها عن التسويق التجاري البحت، والأرباح الضخمة، على حساب قيم وسلوك وأخلاق المجتمع في معظم الحالات.
إن تداعيات البرامج الغربية الكبيرة تحجب عنا كثيرًا من آليات الحل لمشكلاتنا الراهنة في مجال الثقافة والمعرفة المستقلة، وتُلقي بظلال قائمة على مستقبل أجيال متتالية تأتي على مشارف القرن الحادي والعشرين، ولا يعني هذا اليأس من الإصلاح، ولكنني لست مطمئنًا تمامًا إلى الطريقة التي يتحقق بها الإصلاح، ما لم تكن هناك معالجة داخلية شاملة وجادة لأزماتنا الثقافية والحضارية والسياسية الراهنة، والعودة بالمجتمع إلى نقطة الانطلاق الصحيحة على «قاعدة» سليمة وراسخة في الاعتقاد والسلوك والأخلاق والسياسة والاقتصاد والممارسة، ومن جملة هذه الثوابت تتشكل «الحصانة». ويتبلور شكل الخطاب الإسلامي «الموحد»، الذي يمكن صياغته وفق رؤى برامجية مختلفة، تُسهم في تغيير نمط الحياة المادية في العالم ..