العنوان الفكر الإسلامي: ندوة حول قضايا المصارف الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1983
مشاهدات 48
نشر في العدد 645
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-نوفمبر-1983
المؤسسات المالية الإسلامية وشخصية المجتمع المسلم
استضاف الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في المملكة المتحدة وأيرلندا السيد فيصل الزامل مساعد المدير العام للتخطيط والمتابعة في بيت التمويل الكويتي، وذلك أثناء تواجده في لندن في مقر الاتحاد مساء السبت الموافق 22/10/1983م، وقد كان لهذا اللقاء إيجابياته التي نعرضها في هذه المقالة تعميمًا للفائدة.
تناول فيصل الزامل في البداية الأسس النظرية التي قام عليها المصرف الإسلامي، والتي تتلخص في تحريم الإسلام لأخذ الفوائد المصرفية، حيث يرى الإسلام أن للمال دورًا وسيطيًا كأداة لقياس أثمان الأشياء وتقييم السلع والخدمات بالنقد، ولم يبح الإسلام نقل النقد من هذا الدور لكي يكون سلعة تباع وتشترى وذلك بسعر فائدة يرتفع هذا السعر وينزل بحسب الطلب مع النقد في أسواق المال، مما أربك دور هذه الإدارة وجعل هذه الأداة التي كانت مقياسًا ومعيارًا تتذبذب فتهتز معها المقاييس، وتنخفض قيمة الأشياء فيما سمى بظاهرة «التضخم».
ولقد كانت هذه الآفة مقتصرة على المرابي الفرد الذي يقرض الناس بفوائد ربوية ماحقة، وصارت اليوم آفة منظمة تسخر لها المؤسسات والطاقات فتضاعف ضررها، وصارت هذه المؤسسات تشترى من المودع ماله بقيمة سعر فائدة معينة «على سبيل المثال 5% » وتبيعها للمقترض كالتاجر وغيره بفائدة «مثلًا 8% » وتحقق فرقًا لصالحها في حين يستثمر ذلك التاجر تلك الوديعة فيربح في معدلات مضاعفة، تبلغ 30% وأحيانًا 50%-100% وأكثر، بينما صاحب المال الأصلي قد حصل على سعر محدد هو 5% فقط، بل إن صاحب المال عندما يذهب لشراء سلعة ما من السوق فسيجد ذلك التاجر يستثمر ماله ويبيعه حاجياته بربح مرهق.
جاءت النظرية الإسلامية لتقول لنا إن المودع هو شريك مضارب يضع وديعته لدى المصرف الإسلامي فيستثمرها، وهما «المصرف والمودع» شركاء في الغنم والغرم، «إن ربحا فربح يقتسم أو خسارة فكذلك»... ولقد جاءت المصارف الإسلامية لتخرج فقه المال في الشريعة الإسلامية من زوايا الإهمال لتعطيه المكانة اللائقة به علمًا بأن العالم قد خضع ولا يزال يخضع للنظرية الغربية في الاقتصاد، والتي جعلت القيادة للغرب على مصارف واقتصاديات العالم من أقصاه إلى أقصاه، فهو أمر عظيم وجدير بالاهتمام أن يخرج اليوم قوم من الصحراء ليقولوا للعالم الغربي... توقف...
إن النظام الذي يطرحه لم يعد يصلح ولم يصلح في يوم من الأيام، وآن الأوان لأن يقود الإسلام اقتصاديات العالم... هذا الطرح... بضخامته... يحتاج إلى حسن إدراك، وحسن تناول من أبناء المسلمين ورجالاتهم، فقضية بهذا الحجم تحتاج لأن تأخذ جهدًا ووقتًا، وإذا غاب عن أحدنا جانب من جوانب التطبيق فليتثبت، فكم وكم بلغتنا تهم وتساؤلات لم تصمد أمام الشرح والإيضاح حتى تنقشع بعد أن يكون حاملها قد هام بها في المجالس، وبعد طول عناء طرحها أمام المختصين فبان له العوار من الحق الجهار... ولكن من يتحمل وزر من تبلبل ذهنه من جراء ذلك الهيام والسعي قبل التثبت!!
بيع الأجل:
إن من عظمة فقه المال في الإسلام أنه عندما سد باب الحرام في صورة الربا فتح أبوابًا من الحلال في أنماط من البيوع.
وهكذا درج الإسلام فأغلق باب الزنا وفتح باب الزواج وأغلق باب الخمر وفتح أبواب الشراب الطاهر بأنواعه...
ومن البيوع التي عرفتها الشريعة وتعامل بها المسلمون منذ الصدر الأول بيع الأجل... ويتلخص في إضافة ربح في الثمن نظير زيادة الأجل ويتساءل المرء... فما فرق ذلك عن الربا المعلوم... والأمر يتضح بالعودة إلى الأصل الذي بيناه، فالإسلام حرم التعامل بالنقد كسلعة تباع بربح وأحل الربح على السلع والخدمات، واشترط أن يكون سعر البيع النقد وسعر بيع الأجل معلومًا عند لحظة التعاقد، وألا يتغير ذلك السعر عند تطبيق التعاقد أو بعده فيحدث الغبن والجهالة المنهي عنها، في حين أن الفوائد المصرفية التي تدفع عند تأخر السداد في بيع الأقساط ترتفع بالثمن إلى حدود لم يتم التعاقد عليها سلفًا، من جهة أخرى فإن أخذ الكمبيالات على المشتري بالأقساط وخصمها لدى أحد البنوك بفائدة نظير التحصيل العاجل هو من قبيل شراء النقد الذي تشمله الحرمة. وهذا ما شرحه قوله تعالي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (البقرة:282) وفي الآية نفسها يستثنى القرآن من شروط كتابة بيع الأجل والذي عبر عنه بـ « تَدَايَنتُم »... يستثنى منه البيع الحاضر «النقد» حيث يقول تعالى في الآية نفسها... ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (البقرة:282) ... فدل ذلك على أن الدين المشار إليه إنما هو بيع الأجل وهذا ما ذكره المفسرون، ويؤكد ذلك هدى النبي عليه الصلاة والسلام حينما اشترى تمرًا من يهودي بالأجل ورهن درعه الشريف لقاء ذلك وتوفي عليه الصلاة والسلام قبل أن يحل أجل الدين، وقد ذكرت هذه الواقعة السيدة عائشة وهو من أحاديث البخاري.
المرابحة:
تقوم نظرية المرابحة على قيام وعد من المشتري للبائع بأنه يعده بشراء بضاعة معينة ومحددة بربح معلوم حال توافرها لدى البائع وذلك بالأجل، وذكر ذلك الإمام الشافعي في الأم جزء 2/29 «إذا أرى الرجل الرجل السلعة وقال له: اشتر هذه وأربحك فيها كذا جاز البيع» ... ثم يتساءل البعض فما حكم إخلاف الوعد، فلو كانت البضاعة المشتراة بألف دينار كويتي ونكس الواعد عن وعده وقام البائع ببيعها بخسارة مئة دينار فمن يتحمل هذا الضرر المئة دينار... وجمهور الفقهاء على أن الواعد ملزم ديانة بتحمل الضرر وليس قضاء، فلولا تلك المواعدة لما كان الضرر.
وقد أخذت بعض المصارف الإسلامية بالرأي الأخير وهو اجتهاد له سنده وتبرره حماية ودائع المسلمين وأموالهم من الكيد والخديعة في وعود غير صادقة وذلك في عالم المال الكثير التشابك والزلات مما يحدد بالمسؤول عن أموال المسلمين الاجتهاد لحماية مصالحهم من مثل هذه الأضرار ... وقد رأينا في بيت التمويل الكويتي منذ سنوات عدم إلزام الواعد بالضرر في الأنشطة العقارية وألحق بذلك النشاط التجاري.
المرابحة في التطبيق العملي:
ومن المفيد في هذا المقام عرض أسلوب التطبيق لهذه النظرية في بيت التمويل الكويتي للإيضاح، حيث يتقدم الراغب في شراء سلعة ما لشرائها من بيت التمويل الكويتي، فإن كانت متوفرة كالسيارة أو العقار أو غير ذلك فيتم شراؤها نقدًا أو بالأجل حسبما مر بيانه، وإن لم تكن تلك السلعة متوفرة ووجدها الراغب في شرائها، ووعد بيت التمويل الكويتي بشرائها منه في حال توفرها لديه، فيقوم موظف بيت التمويل بمعاينة السلعة، ولنقل مثلًا بيتًا، ويتم الوقوف على حالته، وتقييم ثمنه، والاتصال بصاحبه لشراء البيت الصالح بيت التمويل الكويتي وباسمه... فلو جاء ذلك الواعد وقال: أنا أرضى بأي سعر يعرضه صاحب البيت لما جاز له التدخل في هذه المرحلة، فشراء البيت يتم لصالح بيت التمويل، وبالتالي فهو الذي يتفق مع مالك البيت على الثمن الذي يستحقه البيت، ولو نكص الواعد عن وعده سيفي ذلك البيت في ملكية بيت التمويل الكويتي. ولا نقبل مثلًا أن يأتي الواعد بالشراء قائلًا: أنا قد اتفقت مع صاحب البيت على السعر الفلاني...
فهنا لا دخل لبيت التمويل في هذه المعاملة المبرمة بين طرفين...
فإذا قام بيت التمويل الكويتي بشراء ذلك البيت ووقع البائع على ورقة تفيد ذلك البيع «ورقة الدلال أو الوثيقة» تم استدعاء الواعد لينفذ وعد الشراء بحسب ما وعد... وهذان عقدان منفصلان، قد يسأل سائل: فما الذي يبرر ربح بيت التمويل في هذه الحالة... والجواب يقوم على جواز الربح في البيع، ويتحقق البيع بعد تملك السلعة لا قبل ذلك، وقد تحمل البائع بيت التمويل الكويتي مخاطر هبوط ثمن السلعة أو أي أمر كنكوص الواعد... فكان ربحه على سلعة ونظير مخاطرة وليس على نقد أقرضه المقترض.
ارتفاع أسعار العقار:
ولاستكمال هذا الجانب نسلط ضوءًا على جانب أسعار العقار المرتفعة في الكويت والتي تخضع لأسباب ثلاثة أولها: ندرة العرض من الأراضي السكنية والاستثمارية والتجارية. ثانيها: زيادة مطردة في الطلب على العقار بأنواعه. ثالثها: وفرة في السيولة.
هذه الأسباب الثلاثة تولت رفع أسعار العقار باطراد، وحتى قبل أن يفتح بيت التمويل الكويتي أبوابه في سنة ١٩٧٨ م حيث ارتفعت أسعار الأراضي منذ الستينيات وحتى اليوم بشكل متواصل، في حين سعى بيت التمويل الكويتي للمساهمة في زيادة عرض العقار والأراضي، فتولى شراء الأراضي بالجملة غير مطروحة للسوق، وقام بتقديمها للجهات المختصة في بلدية الكويت، وتم تقسيمها وبيعها للمواطنين، هنا يتساءل المرء قائلًا: هذا صحيح ولكن إتاحة التعامل بالأجل أدخل كمية كبيرة من المستثمرين في هذا السوق مما نشط من حركة الأسعار...
ونقول هنا: إن هذه من ميزات المصرف الإسلامي، حيث كان الحصول على القسيمة السكنية مقصورًا على فئة محددة وميسورة، فقام هذا الأسلوب بإتاحة الفرصة لهؤلاء للحصول على أرض للسكن، وكثير جدًا من هؤلاء قد قام بإنشاء مسكنه على تلك الأراضي في بداية طرحها، ويبقى استمرار البعض في المضاربة سلوكًا لدى الأفراد لا يحمل على المصرف الإسلامي الذي حرص على تقديم الأولوية للمشتري بغرض السكن، وكم هي سعادة هؤلاء كبيرة، حينما يقيم بيته على أرض كلفته ٣٠-٥٠ ألف دينار، في حين بلغت أسعارها اليوم ما يزيد على المئة ألف دينار، وقد تم طرح أراضي الجملة هذه للجمهور في العديد من المناطق السكنية في الأندلس والمسرة وسلوى... إلخ.
وتبقى طبيعة الاقتصاد الكويتي المحدود في منافذه الاستثمارية، والمحدود في العرض من العقار سببًا رئيسًا لا تعالجه مؤسسة واحدة، فهناك مضاربون بمبالغ تنافس تلك التي يعمل بها بيت التمويل الكويتي، وقد ظهر ذلك حينما قرر بيت التمويل الكويتي عدم الشراء في منطقة العارضية قسائم سكنية لاختبار المقولة المطروحة بشأن هذا الموضوع، واستمرت في الارتفاع بشكل متصاعد رغم ابتعاد بيت التمويل الكويتي عن الشراء والبيع فيها، مما يثبت طبيعة الاقتصاد الكويتي ولعل الدليل الأوضح هو ما يمر به السوق العقاري من فتور في بعض جوانبه، فليس بمقدور بيت التمويل الكويتي أن يزيد من حدة حركة الأسعار أو يقللها، فإنما هو مؤسسة واحدة في نظام ومجتمع اقتصادي متعدد القوى الفاعلة والمؤثرة فيه، بل إن الربح الذي قد يتحقق لبيت التمويل من جراء تعامله في السوق العقاري والذي لا يتجاوز الـ ٢٠٪ في وقت بلغت فيه الأرباح في هذا السوق 50% و100%، أقول: إن هذا الربح المعقول يذهب إلى قرابة المئة ألف إنسان ما بين مودع، وصاحب حساب توفير، وحساب جارٍ، ومساهم، وهذه الأرباح ليست في صالح ملاك محدودين لشركة جشعة، بل هي مؤسسة عامة للمسلمين وتحقق ما أفاء الله به من ربح هؤلاء المسلمين من أسر وأيتام وأرباب عوائل، ولا ينبغي النظر لهذا الربح المعقول بنظرة الشك في حين يربح الطرف الآخر المتعامل مع بيت التمويل الكويتي أضعاف ما نسجله من ربح.
الخلاصة:
إن هذه المؤسسات المالية الإسلامية هي طليعة في مقدمة صياغة شاملة لشخصية المجتمع المسلم في سائر مرافقه مستقلًا عن التوجيه الغريب، وبالتالي فإن النظر لهذه المؤسسات يجب أن يكون من خلال منظور العقيدة والرسالة التي آن لها أن تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم...