; الفقيه الفاتح.. أسد بن الفرات | مجلة المجتمع

العنوان الفقيه الفاتح.. أسد بن الفرات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973

مشاهدات 11

نشر في العدد 147

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-أبريل-1973

في فترة من فترات القوة التي نعمت بها تونس المسلمة، خلال حكم زيادة الله بن الأغلب لهذه الأرض الفتية، وفي عام 827 م بالتحديد وصلت إلى زيادة الله الأغلبي حاكم تونس رسالة من رجل صقلي يدعى «فيمي» يدعوه فيها لغزو جزيرة صقلية ويعدد في رسالته مآثر فتحه لها والمكاسب التي سيجنيها من وراء الفتح.

وشغلت هذه الرسالة بال زيادة الله بن الأغلب فلم ير بدًا من أن يستشير قواده ووزراءه وحضروا جميعًا لديه.

وفي قصر الأمير زيادة الله جلس الوزراء والقواد ينتظرون حضور الأمير ويتكاهنون في السبب الذي جمعهم الأمير من أجله.. ولم يجل ببال أحدهم السبب الحقيقي الذي أحضروا له.. وما هي إلا لحظات قضاها الجميع في مناقشات ومحاورات حتى أشرق الأمير عليهم.

وجلس الأمير متصدرًا المجلس، ثم أخرج رسالة من جيبه، وأمر أحد وزرائه أن يقرأها على المجتمعين، وقد قرأ الوزير الرسالة عليهم ففهموا منها أنها دعوة لغزو صقلية، وفهموا أيضًا ماذا يقصد الأمير من جمعهم واستماعهم لهذه الرسالة.

وقد استمر الجميع بعد سماع الرسالة في نقاش وحوار فمن قائل بالذهاب ومن مخالف له ومن متحفظ في الأمر يخشى أن تكون خدعة.. ومضوا على ذلك قرابة ساعة انتهوا بعدها إلى ضرورة الذهاب لغزو صقلية.

ولم يشأ الأمير أن يتركهم ينصرفون قبل أن يسألهم:

  • ومن تختارونه قائدًا لهذه الحملة البحرية الشاقة؟

وقد اختلفت بهم الآراء مرة ثانية لكن ما إن سمعوا اسم (أسد بن الفرات) على فم أحد الوزراء حتى شخصت أبصارهم وكأنهم وجدوا ضالتهم ووافقوا عليه بالإجماع.

أمر الأمير زيادة الله فقيه دولته وقاضيها (أسد بن الفرات) بأن يجهز حملة بحرية لغزو صقلية يحمل تبعاتها وتكون على مسؤوليته، وأراد أسد أن يظهر كفاءته فأمر بإعداد تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، ثم أعد سفنه وزودها بكل ما يسهل لها مهمتها واختار لها كل مقومات النصر، من خيرة الرجال وكافة المؤن وأقوى الأسلحة، وعلى الفور سار بجيشه في مياه البحر الأبيض المتوسط متجهًا صوب صقلية فوصلها بعد أيام من مسيره، وأرسل أسد سفنه في ثغر (مازارا) الواقع بطرف صقلية الغربي ثم سار بجيشه إلى شرقي الجزيرة، وهناك التقى بجيوش الصقليين بزعامة قائدهم (بلاطة) ونشبت بينهما معركة عنيفة كان النصر فيها حليف المسلمين وهزم الصقليون وغنم المسلمون كل أسلحتهم وأموالهم وقتلوا- بلاطة- قائد الصقليين بعد أن حاول الفرار واستولوا على عدة حصون كانت بأيديهم وتوغل المسلمون في سيرهم إلى أن وصلوا إلى أكبر قلعة للمسلمين وتدعى كلتا جيرون، وعند هذه القلعة دارت معركة أخرى بين الصقليين وأسد بن الفرات.

وقد حاول الصقليون خداعه بالمهادنة لكن أسدًا عرف حيلتهم فانقض على حصنهم إلا أنهم استعصوا عليه فأعاد الكرة مرات ومرات كانت فيها النتيجة واحدة حتى كادت قوة المسلمين تخور لولا إيمان أسد بن الفرات وصلابته.

وفي الوقت الذي حاول فيه أسد نفخ روح القوة في جنوده ظهرت في سماء المعركة غيوم حالكة السواد فلقد أتت الأنباء تؤكد أن أسطولًا بيزنطيًا جاء لمساعدة أهل الجزيرة وأنه قد وصل فعلًا إلى حدودها.. وفي الوقت نفسه أصيب المسلمون بوباء فتك بخيرة الجيش.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أن أسدًا نفسه قد أصيب بنفس الوباء، وأمام هذه الضربات وقف أسد رابط الجأش غير وجل ولا هياب يناضل بكل قوة ويدفع عن المسلمين الأذى بشتى الأسلحة ويبث فيهم من روحه ويحذرهم مغبة التسليم لأعداء الله.

وبمثل هذه المعاني القوية استطاع أسد أن يحمي جيشه من الهزيمة والاستسلام، وفي الوقت الذي بلغت فيه روح المسلمين الحلقوم أتت الأنباء تؤكد أن أسطولًا أندلسيًا قد وصل لمساعدتهم.. وليس هذا فقط، فلقد أكدت الأنباء أن إمدادات أخرى قد وصلت من تونس تناصرهم وتشد من أزرهم.

ونشط جيش المسلمين، وشمر عن ساعد الجد، وبدا كأنه ما كان منهارًا منذ قريب.

● تولى قيادة جيش المسلمين بعد أسد قائد فطن يدعى (محمد بن أبي الجواري) وبعد توليه بأيام قليلة وصلت إمدادات الأندلس المغامرة وتلتها إمدادات إفريقيا، وهبت كل القوات تحت قيادته تناضل وتذود عن نفسها وتحتل المواقع التي تصل إليها بعد أن تقضي على قوات الصقليين منها..

وما إن أقبل عام 828م حتى وقعت كل المدن الصقلية في يد المسلمين.

وهناك.. هناك.. أمام قبر أسد بن الفرات وقف قائد المسلمين بعده محمد بن أبي الجواري مخاطبه قائلًا:

«لقد انتصرنا يا ابن الفرات».. وانحدرت دمعة على خديه، وأردف قائلًا: «ولولا الليالي الحالكة التي وقفت فيه وقفة الأبطال ما انتصرنا، ألا فلتنعم بالفردوس في الآخرة والخلود في الدنيا» ثم ودعه بالتحية.. وعاد.. عاد ليولد دعم مملكة الإسلام في صقلية «تلك التي أنشأها أسد بن الفرات».

الرابط المختصر :