; لماذا صوتوا ضد الدستور الأوروبي؟.. الفرنسيون.. الحنين إلى الفرنك وترك اليورو جالب الفقر! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا صوتوا ضد الدستور الأوروبي؟.. الفرنسيون.. الحنين إلى الفرنك وترك اليورو جالب الفقر!

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 40

السبت 11-يونيو-2005

شعروا بأنهم يفقدون ثقافتهم وحضارتهم شيئًا فشيئًا

تعكس نتائج الاستفتاء الفرنسي حول الدستور الأوروبي الموحد حجم الإحباط الذي ألم بالفرنسيين من مشروع أوروبا الموحدة، ولأجل ذلك صوتت الأغلبية الفرنسية بـ «لا» للدستور الأوروبي الموحد، الأمر الذي سيعرقل التكامل الأوروبي على الصعيدين السياسي والاقتصادي باعتبار أن فرنسا تشكل قطب الرحى في المجموعة الأوروبية وتتمتع بثقل سياسي كبير داخل المجموعة، بل تعتبر أهم لاعب ومهندس في الاتحاد الأوروبي. والأكثر من ذلك فإن الدستور الأوروبي يحمل لمسات فرنسية واضحة, والفرنسيون الذين رفضوا الدستور الأوروبي الموحد هم أنفسهم من قبل بمشروع الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة في وقت سابق «اليورو». فماذا حدث حتى يخرج الفرنسيون عن هذا المسار وينزلوا من قطار الوحدة الأوروبية ويتركوا رئيسهم جاك شيراك لا يعرف أي قبلة سيولّيها وجهه!

علاج المشكلات

الواقع أن الفرنسيين الذين أعطوا صوتهم في البداية للعملة الأوروبية الموحدة ومشروع الاتحاد الأوروبي بشكل عام, كانوا يتوقعون أن يؤدي ذلك إلى مساعدتهم سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وإستراتيجيًّا، وأن يعالج كل مشكلاتهم التي ظلوا يتخبطون فيها منذ عقدين تقريبًا. والذي حدث فعليًّا أن ذلك زاد في مراكمة مشكلاتهم، فالبطالة تفاقمت والغلاء الفاحش تزايد بشكل مدهش مع بداية استخدامهم للعملة الأوروبية الموحدة, وفقد اقتصادهم العديد من الأسواق في الداخل والخارج بحكم تحرير الحدود في وجه كل البضائع الأوروبية.

وأدرك الفرنسيون أن حكومتهم باتت تحمل الهم الأوروبي أكثر من الهم الفرنسي الداخلي.. وباتوا مستاءين من السعي الحثيث من حكومتهم لمعالجة ملفات الاتحاد الأوروبي على حساب ملفات الداخل الفرنسي، بالإضافة إلى ذلك فإن كل الأحلام والوعود والرؤى المستقبلية البراقة واللامعة التي تحدث عنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ومهندسو الوحدة الأوروبية في فرنسا قبل انضمام فرنسا إلى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» قد تبخرت ولم يتحقق منها شيء على الإطلاق. وعندها بدأ الفرنسيون- الذين يشعرون بكثير من الاعتزاز بثقافتهم وفكرهم وحضارتهم وشعرهم- أنهم يفقدون شيئًا فشيئًا هذه الخصوصية الفرنسية، ولذلك نما لديهم الوعي الوطني مجددًا, وقرروا العودة إلى جغرافيتهم وتسييجها من الخارج الأوروبي، حتى لو كان هذا الخارج يشبههم في بعض أو في كثير من التفاصيل.

السطو المنظم

بالإضافة إلى ذلك فقد أصبح الفرنسيون ينظرون بكثير من الاستياء والتقزز إلى الجرائم المنظمة من قبيل السطو المنظم وتجارة الرقيق الأبيض، وما إلى ذلك من الجرائم التي حملها رعايا دول أوروبا الشرقية سابقًا الذين باتوا لا يحتاجون إلى تأشيرة لدخول فرنسا, وهناك وجدوا المناخ مواتيًّا لاقتراف ما تعودوا عليه في بلادهم من جرائم كبيرة، وهو الأمر الذي جعل الفرنسيين يحنّون إلى المرحلة الماضية عندما كانت فرنسا محرمة على هؤلاء وغيرهم. كما أن الفرنسيين كثيرًا ما يذكرون عهود الفرنك الفرنسي بكثير من الحنين والاشتياق, ويقولون إن اليورو جلب معه الفقر والغلاء إلى فرنسا، حيث ارتفعت أسعار البضائع بشكل كبير، الأمر الذي أقض مضاجع الفرنسيين الذين يفكرون في قطعة اللحم وليس في كسرة الخبز عادة.

وحسب الشارع الفرنسي، فإن فرنسا لا يمكنها أن تحمل الهم الأوروبي على كتفها، ولا يمكنها أن تضيف إلى أعبائها الداخلية أعباء القارة الشقراء، وقد سجل هذا الشارع انصراف حكومته عنه إلى هموم أخرى لا تعني الفرنسي وتحديدًا في لقمته حيث تعتبر مناط حياته، فعندما كان هذا الفرنسي يعتقد أن مشروع الاتحاد الأوروبي سيعضد لقمته ويحميها صوت بـ «نعم» لصالح هذا المشروع، وعندما اهتز اعتقاده هذا بما أعقب دخول فرنسا في العملة الموحدة «اليورو» بدأ اعتقاده يهتز, ولذلك راح هذا الفرنسي يحن إلى المرحلة السابقة, إلى مرحلة فرنسا من دون أوروبا.

النزعة الوطنية

بالإضافة إلى ذلك، فإن النزعة الوطنية طغت بشكل كبير في فرنسا وقد غذاها العديد من المثقفين والمفكرين والسياسيين الذين راحوا يتحدثون عن الغول الأمريكي والتابع البريطاني له، وبالتالي الغول الأنجلوسكسوني، وعن الهتلرية الصناعية والاقتصادية الجديدة في ألمانيا, هذا وغيره ولد ما يسمى بالأصولية الفرنسية أو العودة إلى أحضان الثقافة والحضارة الفرنسية التي يجب أن تكون بمثابة السياج الذي يحمي فرنسا من الذوبان في العولمة الزاحفة وتوابعها.

والفرنسيون برفضهم للدستور الأوروبي الموحد، إنما رفضوا الروح والدينامو الذي سيقوم عليه الاتحاد الأوروبي، وبرفضهم وجهوا ضربة قاصمة لهذا الاتحاد الأوروبي, وبالتالي لسياسة رئيس بلادهم الديجولي جاك شيراك الذي ربط مسلكيته السياسية وأداءه السياسي بمشروع الاتحاد الأوروبي, حيث ما فتئ ينظر له وكان من أشد المتحمسين للدستور الأوروبي الموحد القائم على الخصوصية الأوروبية, دون الأخذ بعين الاعتبار الأقليات المسلمة في الغرب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسلمين الفرنسيين لعبوا دورًا كبيرًا أيضًا في رفض هذا الدستور الأوروبي الموحد الذي تجاهلهم وتجاهل وجودهم وثقافتهم, بل تجاهل وجود ثلاثين مليون مسلم في الغرب.

وتعتبر نتيجة الاستفتاء الفرنسي أكبر امتحان للرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي دعاه شعبه - من خلال رسالة واضحة- إلى الاهتمام به وبمشكلاته الاقتصادية والاجتماعية, والكف عن لعب دور الديناصور في أوروبا، وعلى الرغم من أن شيراك أعلن أنه لن يحيد عن التزاماته الأوروبية إلا أنه بالتأكيد لا يمكنه أن يمضي في هذه الالتزامات بنفس الحماس والانطلاق الذي كان عليه قبل الاستفتاء، حيث دعا شعبه في كلمة تلفزيونية إلى التصويت بقوة لصالح الدستور الأوروبي الموحد، وذهب إلى حد ربط مستقبل فرنسا بمستقبل أوروبا، لكن الشارع الفرنسي ردّ عليه أن فرنسا للفرنسيين ومستقبل فرنسا يبدأ من فرنسا وليس من أوروبا.

ن.

الرابط المختصر :