; الفتح المبين | مجلة المجتمع

العنوان الفتح المبين

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر السبت 12-سبتمبر-2009

مشاهدات 73

نشر في العدد 1869

نشر في الصفحة 50

السبت 12-سبتمبر-2009

● يوم فتح مكة وقف زعماء الشرك صاغرين يترقبون مصيرهم الذي توقعوه ذبحا مهينا ليفاجئهم صلى الله عليه وسلم بقرار العفو الخالد الذي زين وجه التاريخ

● دخل جيش الإسلام مكة المكرمة فاتحا منتصرا فسقطت الأصنام وتحطمت الأوثان واندحرت الكهانة واندكت العصبية وتفرق شمل الكفر وتصدعت قوته

 كانت معركة بدر الكبرى في - السنة الثانية من الهجرة النبوية - معركة الإسلام الفاصلة (يوم الفرقان)، علت فيها راية الإسلام خفاقة وظهرت كلمة التوحيد قوية متينة، ونال جند بدر من الشهرة والمكانة ما لم تنله فئة من قبل، وقذف الله الرعب في قلوب أعدائهم : فوهن كيدهم وخارت قواهم، وانهزموا في أعماقهم ودواخلهم، رغم مكابرتهم في بعض المواقف. والمهاجرين.ومازالت قوة الإسلام في صعود ونجم المسلمين في سعود منذ بدر حتى جاء الفتح المبين، فتح مكة الذي تم في ٢٠ رمضان فلم يقو كفار مكة على المقاومة ولا استطاعوا الصمود أمام جحافل الأشاوس من الأنصار.

● سقوط الأصنام

لقد دخلوا مكة من حيث قال شاعر رسول الله ﷺ قبل ذلك بسنين:

 عدمنا خيلنا إن لم تروها *** تثير النقْعَ مَوْعِدُها كَدَاءُ

 ومن مدخل كداء زحف جيش الإسلام إلى داخل مكة المكرمة، فسقطت الأصنام وتحطمت الأوثان، واندحرت الكهانة، والدكت العصبية، وتفرق شمل الكفر، وتصدعت قوته واوى رؤوسه إلى البيوت يبكون مع القواعد من النساء، وفر آخرون إلى رؤوس الجبال حيث مأوى الوحوش والغربان، وحق عليهم قول الله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) ﴾ ( الأعراف). وأعز الله الإسلام وجنده، وتمت كلمة ربك الحسنى على عباده المؤمنين﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) (الصافات).

وتمت خسارة حزب الشيطان وأعوانه وزالت دولة الشر وأوثانه، وخفقت راية التوحيد فوق البيت وأركانه. واستدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فعاد الناس إلى السنن القويم والصراط المستقيم: لا بغي ولا جور لا ظلم ولا عدوان، كلهم في دين الله سواء تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.

● ترقب المصير

أما زعماء الشرك، ورؤوس الكفر ومعهم أتباعهم وأشياعهم فقد وقفوا صاغرين منكسرين مذهولين محبطين يترقبون مصيرهم الذي ما حسبوه إلا الذبح المهين كيف لا وجرائمهم وسوء فعالهم وما سبق أن اقترفوه بحق المنتصرين الفاتحين يلوح لنواظرهم، ويتمثل أمامهم مشخصاً بخزيه وخسته، فالذبح المهين أيسر عقوبة يتوقعونها وينتظرونها .. لكنهم فوجئوا بالقائد الأعظم ﷺ يعلن القرار الخالد الذي زين وجه التاريخ: «لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء».

يا الله! الطلقاء! هل في الدنيا من يفعل هذا، ويتجاوز عن كل سنوات الصراع والأذى والطرد والحرمان ويخاطب من ملك نواصيهم بهذا الفضل والمنة إنها النبوة وإنه النبي وجنده هم من رضي الله عنهم ورضوا عنه، فلا عجب ولا استغراب ولكن كيف ينطلق من أوبقته أوزاره وقيدته مخازيه وأثقلته فظائع جرائمه ؟! وبأي وجه يقابل من عفوا عنه، وكثير منهم قد ترك التعذيب آثارا بادية على جسده لا تفارقه حتى يموت؟! لقد كان أهون على الطلقاء أن يكون الحكم بإعدامهم هو مصيرهم، ليريحهم ذلك من مهانة العمر، وذل الحياة.

بشرى المؤمنين

تلك كانت عاجل بشرى المؤمنين نصر على الأعداء لمن امتدت حياته، وفوز بالشهادة لمن لقي الله في ساحة المعارك، أو قضى نحبه في دار الغربة بعيدا عن الأهل والوطن. وإنها بشرى لأهل الإيمان وأتباع الحق في كل زمان ومكان أن ليل الظلم منجل وإن طال، وأن عهد الظالمين زائل مهما تمادى.

إن تباشير الفجر تلوح في الأفق وشجرة الجهاد التي جددت الدعوة غرسها وتعهدتها قد احضرت وأورقت، وطرحت بواكير جناها وثمارها، ولسوف يعم خيرها - بإذن الله - حتى يشمل مناحي الحياة كلها، وتبصر الدنيا - من جديد - ذلك السنا المشرق الذي أضاء جنباتها قديما وينعم الناس بعهد الحرية والكرامة والسيادة والرخاء، كما نعم بذلك من استظل بظلال القرآن، واتخذه منهجا ودستورا 

أما أولئك الظلاميون الذين عاثوا ويعيثون - في الأرض فسادا، وبدلوا نعمة الله كفرا؛ فليعلموا أنهم قد أحلوا أنفسهم وقومهم دار البوار ولسوف تتجاوزهم الأحداث، وتطوى صفحتهم من سجل الحياة طياً في ثناياه قبيح الذكر، وسوء الأحدوثة وخزي المحيا والممات، ولن تغني عنهم شاهقات القصور، ولا فسيحات الدور، ولا ما أترفوا فيه من الجاه الموهوم والعز المزعوم والثروات العريضة التي جمعوها من عرق الكادحين وجهد العمال والفلاحين، وحولوها إلى مزارع وحقول، ومتنزهات وبساتين وتأثلوا منها - وبها - المتاجر والمصانع - إلى زوال، ومالكوه إلى هلاك وتبار، ولن يجدوا يوم يحل بهم خزي الدنيا من يقول لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء كما لن يلاقوا يوم الهول الأعظم إلا الدم والتبكيت، وينادون وهم - مقمحون﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)  ( الأعراف)، عندها لا يستطيعون على السؤال ردا، ولا للبلاء صدا ، ولئن كانوا يرون ذلك بعيدا، فإننا نراه قريبا، حتى لكأنه إنما يتنزل الساعة.

والسيارات والطائرات، كل ذلك - بإذن الله إنه وعد ربنا عز وجل، لا يتخلف ولا يتبدل ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)  (الرعد ). تلك نهاية الطغاة والطغيان، مهما امتد المدى وطال الزمان، ومهما عتوا واشتد

مكرهم فمكر الله غالب، وسلطانه قاهر﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾ (النمل).

اللهم اصرف عنا كيدهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم. 

==============

صلاة التراويح.. اجتماع أم افتراق ؟!

لقد تميز المهرجان الرمضاني - إن صح التعبير - بتنوع العبادات فيه، وكان الصوم بحد ذاته مظهرا من مظاهر وحدة الأمة حيث لم يترك الشارع الحكيم الأفراد الناس أن يختاروا الأيام المعدودة التي يصومونها ، بل جعل لها حدا زمنيا موسميا ويوميا لجميع الناس، فكان الصيام مظهرا للاجتماع. ومن العبادات التي يتجلى فيها مظهر الاجتماع وتحقق الترابط الروحي صلاة التراويح، فقد كان الناس يصلونها أوزاعاً فأقلق ذلك عمر فجمع الناس على إمام واحد، فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعا متفرقون يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس بصلاة قارنهم قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل) وكان الناس يقومون أوله.

وقد فعل عمر ذلك ليتحقق الصف الواحد وتتقارب أجسادهم لتلتحم قلوبهم. وهو مفهوم قوله: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (البخاري ومسلم)، وإن مما يحزن أن تتحول صلاة التراويح من مظهر للاجتماع إلى سبب للاختلاف، وأدهى منه أن يكون ذلك في مناطق تجمع المسلمين في بلاد الغرب، حيث يواجهون التحديات الكبيرة، فطائفة تصلي في مركزها إحدى عشرة ركعة، وطائفة تصلي في مسجدها ثلاثا وعشرين ركعة وجالية خلف إمامها ثلاث عشرة ركعة اختلفوا في صف الصلاة فاختلفت قلوبهم وكان حري بهم أن يجعلوا من رمضان فرصة لائتلاف القلوب، ولاشك أن حصول مثل هذا الاختلاف في صلاة التراويح مرده إلى أمرين:

1- الاختلاف في تحديد عدد ركعات صلاة التراويح من الناحية الفقهية.

٢-  عدم إدراك فقه الاجتماع والمصالح العامة للمسلمين.

عبد الرزاق الكندي

الرابط المختصر :