العنوان الغواص..
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 80
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 11-يوليو-1978
بصره ضعيف فيما يبدو، كليل كما يشكو منه دائمًا. فهو يشكو لنفسه وللأبناء والحفداء، ويعلل شكواه بقوله إنه كبر في السن، وزاحم التسعين من العمر. ومع ذلك يصف صحته بأنها جيدة، لأنه حافظ عليها طوال العمر. ولكن بصره فقط هو الذي خفت. ورغم ذلك يستطيع أن يرى بوضوح إذا ذهب إلى البحر. في الحقيقة هذا الأمر محير، لا يعرف سره بالضبط. كيف يصبح نظره سليمًا حين ينتقل إلى الشاطئ؟ ولما سأل جاره عن تفسير هذا الأمر أجاب:
كأنك نسيت يا حاج مبارك..
زادت حيرة الحاج مبارك فقال :
ماذا نسيت؟
أنك كنت غواصًا في الزمن البعيد
اقترب بوجهه منه ليراه أكثر وضوحًا. مع أن الرجلين كانا جالسين على كنبة خشبية أمام الدار ولا يفصل بينهما إلا شبر واحد. قال الحاج مبارك وهو يكاد يلصق وجهه بوجه جاره:
لم أنسَ أني كنت غواصًا.. وما دخل هذا في مسألة البصر؟أحس به يقوى هناك.
أنت قلت يا حاج.. مجرد إحساس.
رجع بوجهه إلى الخلف. وقال بصوت يرجف
لا.. إحساسي لا دخل له.. صحيح أنا أحب البحر.. وأحب أيام زمان.. ولكن.. تأكد لي أن بصري يسترد نوره عندما أمشي على الشاطئ.. أو أصعد فوق مركب وأبحر..
سأله جاره بصوت مطمئن إلى منطق ذهني:
لماذا لا تذهب إلا إلى منطقة الشويخ بالذات؟
أنت تعلم أنها كانت منطقة العمل في الوقت القديم.. ثم أنا ولدت في هذا الحي القريب من البحر.
كلامك يا حاج مبارك يؤيد كلامي.. هو إحساس داخلي يؤثر على عينيك ويمنحها نورًا مضاعفًا في أثناء وجودك هناك. أنت غريب وعجيب يا حاج.. لماذا تكره أن يكون سبب قوة بصرك هو البحر؟
هز الحاج مبارك رأسه يمنة ويسرة كأنه يحرك عقله الراكد ليفكر في هذا التفسير المدهش، وكان قد قعد أمام الدار ينتظر أحد أبنائه. سمع صوت سيارة تقف لصق الطوار، فرفع وجهه إلى أعلى قائلًا:
هذا ابني.
وقف الجار ليساعده على النهوض وهو يقول:- قم إليه.. إنه عاد.. وفتح لك باب السيارة.
وما أن ركب الحاج مبارك، حتى انطلق الابن بسيارته نحو الشويخ.. بدت السيارة تسبح في الطريق، أو كأنها تتزحلق على الجليد. سيارة من أحدث طراز، ومن أفخم وأضخم الأنواع العالمية. أغلق الحاج مبارك عينيه، ورمى رأسه إلى مسند المقعد وظهر كمن ينعم بنوم هادئ ويحلم.. قطع عليه ابنه حلمه بقوله:
- نمت يا أبي؟ كدنا نصل.
- لم أنم.. وإنما أنا أفكر.
- أجل التفكير الآن.
- قيل لي إن البحر هو الذي يقوى البصر.
- ربما، تفسير معقول.. بصراحة هذا أحسن تفسير سمعته.
أنت تسترد نشاطك وحيويتك بمجرد وصولك إلى الشاطئ.. يسحرك.
رفع رأسه عن المسند، والتفت إليه وقال:
حبي للشاطئ بلا حدود.. وأحب أيضًا الماضي.. مع أن الحياة فيه كان قاسية.. أنتم يا بني تعيشون في نعيم مقيم... في مثل سنك كنت أمشي على قدمي مسافات بعيدة.. أنا وأهل زمان.. وكنا نحمد الله.
- ونحن أيضًا نشكر الله على عطاياه.
- الشكر يا بني هو الذي يديم النعمة بل ويزيدها.
- فعلًا يا أبي وهذا هو المطلوب من جيلنا.
- انت أصغر إخوتك.. ولم تتجاوز الأربعين.. وليس الخوف من جيلك.. ولا من الجيل الذي سبقك.. وإنما الخوف من الجيل الجديد.. هؤلاء الذين لا يزالون تحت العشرين.. آه يا بني.. أرى من بعضهم العجب.
وقفت السيارة منذ وقت طويل، غير أن ابنه لم يشأ أن ينبهه إلى ذلك حتى لا يقطع عليه حديثه، وحتى لا يظن الأب الكبير أن كلامه غير مقبول.
حرص الابن غاية الحرص على أن يسمع له حتى النهاية. ثم خرج من السيارة ودار حولها، وفتح لأبيه الباب ومد يده يساعده على النزول وسار بجواره يخطو خطواته ويحدق فيه خوفًا من السقوط. لاحظ أن أباه يحدق مثله ولكن في البحر. اتسعت عيناه ولمعتا ببريق طفولة يكتشف الوجود لأول مرة.. كم كان يتمنى أن يأخذ لأبيه صورة وهو مقبل على البحر بهذا الشكل؟لو طلبوا منه أن يصفه وهو مندفع نحو الماء لعجز عن الوصف الدقيق. وفكر في إحضار آلة تصوير في المرة القادمة، ويستأذن أباه ليأخذ له أكثر من صورة تترجم شوقه إلى الشاطئ.
جلس هناك الحاج مبارك، في حين غادر المكان ابنه بعد أن اتفقا على وقت يعود فيه. وغابت الشمس أمام بصر العجوز كما كانت تغيب في السنين الماضية. وتساءل الحاج مبارك عن عمر الكرة الأرضية. إن كان عمرها الاف السنين.. لماذا لا تبدو متقدمة في السن مثله؟ هذا الجزء من العالم يلبس ثوب المدنية الحديثة ويولد فيها ازدهار الحياة وينمو بسرعة غير عادية. أرسل بصره إلى السماء وجعله يتجول بين النجوم، ويتأمل الفضاء ويهبط إلى البحر ويتوه عند الأفق المظلم، ويشرد مع أضواء السفن البعيدة.
قام وصلى العشاء وحده كما صلى المغرب من قبل. وختم كل صلاة بتسبيح طويل ودعاء لم يسبق له مثيل، كمن يدعو الله لحاجة في نفسه. وتوغل الوقت في الليل قبل أن يعود ابنه، فنهض الحاج مبارك وذهب إلى الطريق يسأل عن الساعة ولما عرف أن ابنه تأخر عليه، فكر في العودة بسيارة أجرة وراح يبحث عن مكان يقف فيه ويلوح للسيارات الطائرة كالصواريخ.. زاغ بصره من اضطراب الحركة وطول الوقوف والنظر. وفوجئ بسيارة فارهة تقف أمامه، ويفتح بابها من جهته. لم يعرف السيارة من أول وهلة. سمع صوتًا يناديه:
- أبي.. اركب يا أبي.. اركب.
أطل بوجهه فرأی ابنه داخلها.
دلف إليها واستوى جالسًا على المقعد وتولى ابنه غلق الباب بدلًا منه.
ونظر إليه كالمعتذر وقال له.
- آسف يا أبي.. لم أعد في الموعد المتفق عليه.
- خير إن شاء الله.
- كله خير.
- وقال والسيارة تتحرك:
- كان يجب أن تظل في مكانك يا أبي.. أنت لا تمل الجلوس في حضن البحر.
- شغلتني عليك.. لم تتعود أن تتأخر هكذا..أخبرني.. لماذا تأخرت؟
- رغم أنفي.. الولد سالم.. ابني.. حصل على مفتاح إحدى السيارات فأخذه وركب السيارة وطار بها.
- كنت أقول لك دائمًا.. هذا الولد شقي.
- شقاوة بدون عقل.. نصحته كثيرً .
- وهل حدث شيء؟ وهل أخذت منه المفتاح؟
- حدث شيء مفزع ولكن ستر ربنا أنقذه.
- ماذا حدث يا بني؟ انطق
- صعد فوق الطوار بالسيارة وضرب سور أحد المنازل.. نطحه.. وكسر السيارة.. ونقلوه إلى المستشفى.. ومفتاح السيارة في مكانه منها.. بيد أنه لم يعد يصلح.. السيارة نفسها عبارة عن كوم من الحديد محطم مخيف المنظر.
- هيا بنا نذهب إلى المستشفى حالًا.
أنا متجه إليها.. اضطررت أن أذهب إلى المستشفى حين سمعت الخبر.. ثم جئت إليك.
- ألم أقل لك إن الخوف من الجيل الجديد؟ هؤلاء الذين تحت العشرين.
- كنت أفكر في كلامك يا أبي وأنا ذاهب إليه.
وأمام المستشفى وقفت سيارات كثيرة فقد جاء الأهل والأصدقاء... ووقفت بينهم سيارة جاءت أخيرًا، نزل منها أبو المصاب وجده العجوز الذي كان يغوص إلى أعماق البحر ويطلع منه سليمًا.. اعتمد العجوز على ذراع ابنه ودخل المستشفى يدعو الله أن يكون الحادث بسيطا.. أتاه صوت من خلفه:
يا حاج مبارك.. الحمد لله ربنا ستر.. والولد بخير. نظر خلفه مبتسمًا ووجد جاره الذي كان يجلس معه في وقت العصر، هو الواقف مع كثيرين أتوا للاطمئنان على حفيده. دمعت عيناه من فرح ومن حزن في آنٍ واحد. فمسح دموعه قبل أن يلمحه أحد.
تمت
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل