; التاريخ يتكلم (403) | مجلة المجتمع

العنوان التاريخ يتكلم (403)

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978

مشاهدات 78

نشر في العدد 403

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 11-يوليو-1978

أبرهة الأشرم، ملك اليمن، بني بيتًا بصنعاء، وخيل إليه وهو يبنيه أنه قادر على تحويل وجهة العرب من مكة إلى بلده هكذا طار خياله، وحلق به في سماء الوهم، ظن أن بيته الجديد الجميل سيأتي إليه الناس بدلًا من الذهاب إلى البيت العتيق، وحرص على أن يصبح البيت صورة تعكس الجمال والإتقان، ويفوق البيت الحرام في كل شيء 

ودخل الشيطان فكر أبرهة، وحدثه بما ينبغي أن يصنعه، فهو يملك المال ويملك الرجال، وهو يريد أن يصرف الناس عن مكة، فلينفق من ماله ويسخر رجاله، حتى يبني بيتًا لا مثيل له، يكون حديث الناس في مجالس السمر، واستمع أبرهة إلى حديث الشيطان وكأنه يستمع إلى حديث نفسه، لا فرق بينهما، فقد أصبح الشيطان والنفس ينطقان بلسان واحد، وبطريقة واحدة، سرعان ما يستجيب لها، ويفهمها وينفذها

وعنى أبرهة بزخرفة بيته غاية العناية، وزينه بكل أنواع الزينة وأعطاه كل اهتمامه، ومنحه كل وقته وكلف الخدم بنظافته ليزداد بريقه، وتنطق ألوانه، وينطلق خبره إلى أقصى الأرض، ويجذب الناس من كل صوب، وأعجب به أبرهةأيما إعجاب وجلب له من فاخر الأثاث ما ضاعف حسنه في عينيه، وبدا الشيطان راضيًا عن أبرهة حين رضى أبرهة عن نفسه، وأثنى عليها، وهمس إليها بكلمات الإطراء ثم بالغ في مدحه لها وقال:

نفسي يا نفسي ماذا صنعت إنه قصر عظيم جدير بأن يسحر العرب ويدير أعناقهم نحو صنعاء إنه صارف العرب جميعًا وأهل مكة أنفسهم إلي اليمن وفي الليل كان أبرهة يطيل الهمس إلي النفس بمثل هذا الثناء، حتى كاد يصاب بشيء من الجنون واختلط همسه بضحكه وعلا صوته في جوانب القصر ويظل على تلك الحال حتى يغلبه النعاس ثم يغرق في النوم، ويحلم بوفود كثيرة تقبل على صنعاء، وتزور بيته الذي بناه، لا ينقطع سيلها المتدفق ولا يهدأ كأنه الفيضان يغمر صنعاء بكتل من البشر بدايتها هناك عند مكة، ونهايتها هنا أمام قصره، تدور حوله وتذهب إلى البيت الذي شيده وجعله بديلًا للبيت الذي في مكة 

وعندما استيقظ من نومه، سمع من قومه أن العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق ملكه الغيظ، ما زالت مكانة مكة عالية، وما زال بيتها محطة العرب من كل ناحيةوظهر الهم والغم على وجه أبرهة، وأطلت من عينيه نار الغضب وهمس الشيطان كعادته وسأل:

- لماذا تغضب؟

- لأني لا أرى أحدًا يأتي إلى بيتي كما توقعت 

- حين يغضب الملوك ينتقمون

- ماذا أفعل؟

- اهدم البيت الذي في مكة

- أحسن فكرة

- إنها الحرب وأنت القوى

- وهم ضعفاء ضعفاء 

وصاح أبرهة في قواد الجيش وما مرت بضعة أيام حتى كان أبرهةقد تهيأ للحرب في جيش لجب، تقدمه على فيل عظيم ركبه، استوى عليه جالسًا في زي القتال شمخ بأنفه في الفضاء العريض، رمى بصره بعيدًا على رمال الصحراء الصفراء كلون الموتإن الموت لمن يعترض طريقه وتبختر به الفيل العظيم فأحس بنشوة السعادة المركبة بالكبرياءوتحركت في تلك اللحظة جرثومة الغرور داخل النفس المريضة حركها الشيطان الذي يلازمه طوال حياته، ولا يفارقه في أخطر مراحلها

وكانت العرب قد سمعت بخبر خروج أبرهة، وحاول بعضهم أن يصده ويرده عما اعتزم أن يفعله، ولكن أحدًا منهم لم يستطع أن يثبت له كانت قوة أبرهة تبطش كالريح العاصفة المدمرة وتكنس الطريق أمامه من القبائل المعوقة المستفزة 

وأخطأ أبرهة طريقه ونزل الطائف، فهرع أهلها إليه يخبرونه بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يريدوبعثوا معه بمن يدله على البيت في مكة. 

ولما اقترب من مشارف مكة، ساق فرسانه إليه أموال أهل تهامة من قريش، وكان بين تلك الأموال مائة بعير لعبد المطلب بن هاشم وفكرت قريش في القتال وكادت تهم بقتاله ثم رأت أنها عاجزة تمامًا عن مواجهته ولا طاقة لها به وآثرت السلامة بتلك السلبية المفروضة عليها وفي أثناء ذلك بعث أبرهة رجلًا إليهم، فذهبوا به إلى عبد المطلب.. قال الرجل وكأنه يشرح رسالة أبرهة:

- لم يأتِ أبرهة لحرب وإنما جاء لهدم البيت فإن لم تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها. 

وأغلق فمه طاويًا رسالة سيده، والتفت إلى عبد المطلب، فقال الشيخ العجوز الذي ناهز السبعين من عمره:

- إن مكة لا تريد حربًا 

وابتسم الرجل ابتسامة النصر البادية بدون قتال ولمع في عينيه بريق الفوز كأنه ضمن النتيجة قبل أن يتحرك من مكانه واستأذن في العودة، وطلب أن يصحبه عبد المطلب وقد كان سار به الرجل ومعه بعض الأبناء وكبراء مكة حتى بلغوا مكان أبرهة، حيث يبرك منتظرًا الرد محدقًا بالشر، لكنه حين علم بقدوم الوفد وعلى رأسه عبد المطلب، نهض له وهو يظهر الحفاوة والتكريم وحسن الاستقبال بوجه اللئيم بدأ يلعب دور القائد الغادر لا شك أنه أراد بتصرفه المبتسم أن يكسب القلوب، ويأسر النفوس، فيخلو له الطريق إلى البيت العتيق بدون أية مقاومة، وهذه علامة مؤكدة من علامات النفس الخبيثة الفاسدة.. ألم يأتِ ليفسد في الأرض؟ فكيف يبتسم لهم عن نفس صافية؟ وكيف يرحب بقلب مفتوح للخير؟ إنه الشيطان نفسه تجسد في شكل بشر. 

سأل عبد المطلب عن حاجة يقضيها له، فحدثه عن إبله التي أسرها رجاله ودهش أبرهة كل الدهشة توقع أن يحدثه في أمر الكعبة، ويطلب منه أن يعدل عن الهدم، رجع أبرهة بجسمه إلى الوراء بعد أن كان مقبلًا بصدره على سيد مكة ربما نظر إليه نظرة لا تليق بمقام الشيخ، وربما كانت نظرته تائهة، أدخلها الموقف الدقيق الغريب، فلم يعطِ الشيخ حقه من التقدير، وابتسم في خبث، وأجابه إلى رد إبله إليه من المؤكد أن أبرهة لا يشغله شيء غير هدم البيت، وما عدا ذلك لا يأخذ من تفكيره لحظة واحدة. 

رجع عبد المطلب بأبنائه وكبراء القوم إلى الكعبة، وراح ينصح أهلها بالخروج منها إلى شعاب الجبال ثم أخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو يستنصر الآلهة على هذا المعتدى على بيت الله واستدار منصرفًا مع الناس وخلت مكة من السكان بدت بلا حركة وبلا حياة.. خيم فوقها صمت رهيب، وسكون لم تره من قبل وأصبح دخول الجيش سهلًا ميسورًا. 

وحان الوقت، وأزفت الساعة ليتم أبرهة ما جاء من أجله، ثم يعود أدراجه والتفت فجأة كما التفت جنوده جميعًا، رأوا ريحًا تهب من ناحية البحر، لها صوت الجرس، وجلجلة الرعد، والظلام يزحف معها ويغطي الأرض كلها سحب كثيفة قاتمة من شدة السواد وطيور لا حصر لها تقذف عليهم حجارة من سجيل. وقفل أبرهة عائدًا إلي اليمن، وقد أصابته حرب الطيور، وقد هلك رجاله بلا حساب، وكان يقع في الطريق فاقد الوعي، ويقوم يلتمس النجاة، ولكن الموت كان يطارده ويعذبه، وما أن وصل إلى باب صنعاء حتى سقط مريضًا ورقد في فراش القصر وحوله الأطباء، بيد أنه لم يرقد طويلًا، ولم يتمثل الشفاء، وإنما هلك كما هلك قواده وجنوده ونال ما يستحق من عقاب.. ألم يقل له عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه٠ فهل فكر أبرهة في معنى قوله؟

ومنذ ذلك التاريخ القديم وسنة ٥٧٠ ميلادية تسمى بعام الفيل، وهي السنة التي تحدث عنها التاريخ وذكر مولد الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام. 

البقية في الأسبوع القادم 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

119

الثلاثاء 26-مايو-1970

ندوة الأسرة الأسبوعية - العدد 11

نشر في العدد 404

100

الثلاثاء 18-يوليو-1978

التاريخ يتكلم

نشر في العدد 456

94

الثلاثاء 23-أكتوبر-1979

قراؤنا يكتبون (العدد 456)