العنوان الغرب والإسلام.. افتراءات لها تاريخ.. خطأ منهجي ونظرة أحادية!
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010
مشاهدات 63
نشر في العدد 1918
نشر في الصفحة 46
السبت 04-سبتمبر-2010
- المفترون على الإسلام ينظرون إلى انتشاره وعلاقته بالآخر بعيون غربية اعتادت رؤية العنف والإبادة سبيلا لنشر المسيحية
- المستشرق الإيطالي «كانتاني ليون »: الإسلام انتشر بين نصاري الكنائس الشرقية نتيجة السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الصليبية إلى اللاهوت المسيحي
- المستشرق الفرنسي إدوارد مونتيه: عقيدة الإسلام خالية من جميع التعقيدات الفلسفية.. وتمتلك قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس
ذكرنا في العدد الماضي ثلاثًا من خَمْس شهادات على أن الانتشار الإسلامي التدريجي إنما تم بالسلم والعقلانية... وهي شهادات كتبها عدد من أعلام الثقافة الغربية اللاهوتية والفلسفية، نقدمها للذين يزعمون أن الفتوحات الإسلامية قد محت المسيحية من الوجود في بلادها الأصلية»، وأن «السيف كان سبيل انتصار الإسلام!!.. وقد آثرنا أن تكون كل تلك الحقائق والشهادات غربية عملا بمنهاج وشهد شاهد من أهلها…
ورابع هذه الشهادات هي للمستشرق الفرنسي إدوارد مونتيه» (١٨٥٦ - ١٩٢٧م) ويقول فيها:
إن الإسلام في جوهره دين عقلي، بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، وإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق ينطبق على الإسلام تمام الانطباق.
إن لدين محمد كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل.. إن الإيمان بالله والآخرة - في الإسلام - يستقران في نفس المتدين على أساس ثابت من العقل والمنطق ويلخصان كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن، وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لها على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.
لقد حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل باعتباره النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة وقد جهر القرآن دائما بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلال وصفاء لا يعتريه التحول.. ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا، وفي هذا تكمن الأسباب الكثيرة التي تفسر لنا نجاح الدعاة المسلمين.
وإن عقيدة محددة كل التحديد خالية كل الخلو من جميع التعقيدات الفلسفية، ثم هي تبعًا لذلك في متناول الشخص العادي، من المتوقع أن تمتلك - وإنها لتمتلك فعلا قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس!!
شكوك تافهة
أما الشهادة الخامسة على حقيقة انتشار الإسلام بالسلم والعقلانية»، فهي للمستشرق الإيطالي الخبير في الإسلام والدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي «كانتاني ليون» (١٨٦٩ - ١٩٢١م).. والتي يقول فيها:
إن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقية، إنما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الصليبية إلى اللاهوت المسيحي. أما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الصينية وبالا عليه من الوجهة الدينية، لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السابقة إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها.
فلما أهلت آخر الأمر أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد المسيحية الشرقية التي اختلطت بالغش والزيف وغرقت بفعل الانقسامات الداخلية وتزعزعت قواعدها الأساسية واستولى على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب.. لم تعد المسيحية بعد ذلك قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لا تقبل الجدل، وحينئذ ترك الشرق المسيحية.
وقائع تاريخية
إن بعض الكتاب حين يكتبون عن الديانات والحضارات الأخرى، وعن تواريخ هذه الديانات والحضارات ينطلقون أحيانا من نموذجهم الحضاري الخاص، وليس من النموذج الآخر المتميز الذي يكتبون عنه فيسقطون على «الآخر سمات النموذج الذي عرفوه وتشبعوا به وتشربوا مميزاته، والذي إليه ينتسبون.. الأمر الذي يجعلهم يرون الآخر» بعيونهم هم، وليس كما هو في واقع الحال!
ويبدو - والله أعلم - أن هذا البعض قد نظر إلى انتشار الإسلام وإلى علاقته بالآخر بنفس المنظار الذي انتشرت به المسيحية في البلاد الغربية.. ولما كانت قد انتشرت بالسيف والعنف، ومحت الآخر الديني، فقد ذهب هذا البعض إلى أن هذا هو السبيل الذي انتشر به الإسلام، وذلك خطأ خارج في مناهج التفكير، ووقع فيه كل الذين ادعوا انتشار الإسلام بالسيف، فنظروا إلى تاريخ الإسلام بعيون غربية جعلتهم يغفلون عن الوقائع المتميزة، والتاريخ المتميز لانتشار الإسلام.
إن وقائع تاريخ انتشار المسيحية في أوروبا كما شهد عليها العلامة الإنجليزي سير توماس أرنولد ، تقول:
إن «شارلمان» ملك الفرنجة (٧٤٢) (۱۲م) قد فرض التعميدات المسيحية على السكسونيين الوثنيين بحد السيف.
- في الدنمارك استأصل الملك «كنوت» nut (۹۹۵ - ۱۰۳۵م) الوثنية من ممتلكاته بالقوة.
- وجماعة إخوان السيف Brothers of the sword وغيرهم من الصليبيين قد أدوا رسالتهم بالسيف والنار في تنصير البروسيين الوثنيين.
وفي سنة ١٦٩٩م، وجه «فالنتين» جزيرة Rajas إلى رجوات Valentyn أمبوينا» Amboyna مرسوما يأمرهم فيه بإعداد طائفة معينة من الوثنيين لتعميدهم إذا طاف بهم راعي الكنيسة.. وربما حل الاضطهاد والتنصير الإجباري محل الدعوة الهادئة إلى كلمة الله».
وفي «فيكن Viken القسم الجنوبي من (النرويج) كان الملك أولاف ۰۹۳۳( Olaf Trygvesson ترايجنسون ۱۰۰۰م) يقوم بذبح هؤلاء الذين أبوا الدخول في المسيحية أو بتقطيع أيديهم وأرجلهم أو بنفيهم وتشريدهم، وبهذه الوسائل نشر الدين في «فيكن» بأسرها.
- وفي المجر أرغم الملك شارل روبرت» جميع رعاياه الذين لم يكونوا مسيحيين على اعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد.
- وفي الجبل الأسود سنة ١٧٠٣م، خير الأسقف الحاكم دانيال بيتروفتش القبائل بين اعتناق المسيحية وبين القتل.. وقتل المسلمين الذين لم يتنصروا في ليلة عيد الميلاد!
- وفي روسيا سنة ٩٨٨م أصدر الملك «فلاديمر» مرسومًا بوجوب اعتناق المسيحية على كل الرعية، فور اعتناقه لهذا الدين.. ولم تعرف روسيا التدين إلا سنة ١٩٠٥م (١).
أما الإبادة التي تمت على يد المسيحيين الشعوب أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا فهي أشهر من أن تحتاج إلى حديث.
فهل نظر هؤلاء المفترون على الإسلام إلى انتشاره وعلاقته بالآخر بالعيون الغربية التي تعودت على رؤية العنف والإبادة سبيلا لانتشار الدين؟!
ربما كان هذا الخطأ المنهجي في النظرة الأحادية، والتمركز حول الذات الثقافية والحضارية هو الذي وقف وراء الحكم بانتشار الإسلام بالسيف، ودعوى إبادته المسيحية الشرقية، وهي دعاوى لا سند لها من منطق عقل وحقائق التاريخ.
دين الفطرة
هكذا شهد شهود عدول من أهل المسيحية الغربية والحضارة الغربية على أن انتشار الإسلام وظهوره على النصرانية الشرقية إنما كان بالسلم والمنطق والعقل وهي الخصائص التي جعلته دين الفطرة الذي نبذ الفضائل الكاذبة، والدجل الديني والترهات والنزعات الأخلاقية الضالة، وسفسطة المنازعين في الدين.
وأحل الشجاعة محل الرهبنة، ومنح العبيد رجاء، والإنسانية إخاء، ووهب الناس إدراكا للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البصرية.
والذي جاء بتوحيد الله وعظمته ورحمته وعدله.. فبدد بضربة منه واقع الشرك الذي كان الناس يعبدون فيه – بدلا من الله الواحد الأحد - زمرة من الملائكة والشهداء والقديسين».
لهذا ، وبهذا كان انتشار الإسلام.. وليس بالسيف الذي انتشرت به المسيحية الغربية تلك التي لا تزال تحتمي بمدفع الاستعمار للتبشير بالإنجيل!!
فرية وشبهة
إذن.. هي افتراءات واتهامات وشبهات يواجه بها الخصوم والمعاندون دين الإسلام ورسول الإسلام يتساقط بعضها ليتجدد البعض الآخر، اللهم إلا فرية وشبهة استمرت منذ العصر الصليبي والحملات الصليبية وحتى هذه اللحظات، وهي فرية وشبهة ارتباط للإسلام بالعنف القتالي، وانتشاره بالنار وبحد السيف البتار!
وفي هذه الفرية والشبهة تتم التسوية بين الجهاد الإسلامي والحرب الدينية المقدسة التي عرفتها أوروبا المسيحية تارة، وبين هذا الجهاد والإرهاب» الذي يقتل الأبرياء ويروع الآمنين تارة أخرى!
كما يتساوى في توجيه هذه الفرية إلى الإسلام العقل الجمعي الغربي - للعامة والدهماء - الذي يتغذى من مخزون ثقافة الكراهية السوداء ذات الجذور الصليبية وقطاعات كبيرة من النخبة السياسية والفكرية والدينية وصناع القرار!
ولقد غذت هذه التهم والافتراءات والشبهات - في عصرنا الراهن - الأيديولوجية التي تغلف مطامع الإمبريالية الصليبية والصهيونية العنصرية في الغزو العالم الإسلام، لاحتلال أرضه ونهب ما فيه من ثروات.
ولتبديد هذه الأوهام، ولتنفيذ هذه الافتراءات، ولكشف حقيقة موقف الإسلام من الحرب الدينية، وحقيقة الجهاد والقتال و«الإرهاب في الموازين الإسلامية.. كان اهتمامنا في مشروعنا الفكري - وعلى مدى سنوات عديدة - بهذه القضايا، لسد الثغرات أمام خصوم الإسلام..
الهامش
(۱) سير توماس أرنولد «الدعوة إلى الإسلام»، ترجمة: د. حسين إبراهيم حسن د. عبد المجيد عابدين إسماعيل النحراوي، طبعة القاهرة، سنة ١٩٧٠م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل