العنوان العولمة والهوية الثقافية
الكاتب إبراهيم بوغصن
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
مشاهدات 95
نشر في العدد 1424
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
*كثير من المؤسسات الاقتصادية الدولية يقوم بدور أجهزة المخابرات التقليدية.
*عالمية الإسلام تحث الناس على التواصل والتعاون واقتسام الطيبات.
ما العولمة؟ العولمة تعني -لغة- تعميم شيء ما وتوسيع دائرة انتشاره ليشمل العالم كله. وكما ورد في معجم ويبسترز: «إكساب الشيء طابع العالمية وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميًّا».
ومعناها في المجال الاقتصادي: إزالة الحواجز والحدود أمام حركة التجارة وإتاحة الحرية الكاملة لتنقل السلع ورؤوس الأموال.
ومعناها في المجال السياسي - الثقافي: العمل على تعميم نمط حضاري معين على بلدان العالم أجمع، والنمط المقصود تحديدًا هو النمط الحضاري الأمريكي. ويمكن انطلاقًا من هذا المفهوم أن نقول عن العولمة إنها: أمركة العالم- americanisa tion du monde
ما الفرق بين العولمة والعالمية؟
يقع كثير من الدارسين في خلط كبير حينما يجعلون العولمة رديفة للعالمية.
فالعولمة قمع وإقصاء للخصوصيات، هي نوع من العدوان الثقافي تمارسه الثقافة الأمريكية على سائر الثقافات الأخرى، إنها رديف الاختراق الثقافي الذي يجري بالعنف -المسلح بالتكنولوجيا- فيهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات الأخرى.
إنها أخيرًا نزعة رجعية ظلامية تقوم على احتواءالآخر ونفيه والهيمنة عليه وإقصائه.
أما العالمية (universalite) فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصي إلى مستوى عالمي، فهي طموح مشروع ورغبة في الأخذ والعطاء.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣).
ويقول أيضًا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: ٢٢).
إنها آيات قرآنية صريحة في الإقرار بالتعددية الحضارية وحق الاختلاف.
أما العولمة، فهي تنطوي على الاستعلاء والمركزية الذاتية بما يتلازم معهما من إكراه وعدوان واستبعاد للغير والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة ومحاولة فرضهاعلى بقية البشر.
هل هي ظاهرة مستحدثة؟
ما من شك في أن مصطلح العولمة مصطلح حديث، لكنه يطلق على واقع ضارب في القدم؛ ذلك أن الرغبة في عولمة حياة الناس وتنميط سلوكهم اتجاه قديم قدم حياة البشر.
فكتابات الفلاسفة عبر العصور كان الهدف منها أن يلتزم بها البشر.. كل البشر.
والإسلام في تحريره للإنسان -أي إنسان- هو دعوة للعالمين جميعًا، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧).
فدعوته إذن دعوة عالمية لا تحدها حدود الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو التاريخ أو الجغرافيا، أو أي اعتبار آخر من هذه الاعتبارات الدنيوية الزائلة.
إلا أن الإسلام -خلاف العولمة المتوحشة-: لا يقيم مجتمعًا نمطيًّا، بل إن الناس تستوي في الحقوق وتستوي في الإنسانية لكنها تتفاضل في الطاقات والملكات، والإسلام يزكي التنافس كما يدعو إلى التعاون لكي يتكامل الناس ولكي يتنافسوا في الوقت نفسه في الخير والبر والمعروف، ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦).
وبذلك تتوازن الحقوق والواجبات وعلاقات الفرد والجماعة، فليس في الإسلام تطرف نحو الفردية ولا تطرف نحو الجماعية ولا تطرف في التسلطية الشمولية، والإنسانية العالمية تعين الناس على التواصل وعلى التعاون في اقتسام الطيبات حتى يكون العالم كله سوقًا للعمل وسوقًا للإنتاج، ومجالًا للتبادل والتداول.
وتتميز نظرة الإسلام حول التعددية والاختلاف الثقافي بأن ليس هناك شعب معين مختار ومفضل على جميع الشعوب الأخرى، فالأفضلية يكتسبها شعب ما في القيم التي يعيش بها، وعليها تدار نظمه ومؤسساته، والإسلام بهذا المعنى لا يقر كل واقع، ولا يحترم كل اختلاف، ولا يقبل كل القيم -أيًّا كانت هذه القيم- بل وضع أسسًا معيارية على ضوئها تتفاضل الثقافات فيما بينها، وعلى رأسهاقيم الحق والخير والجمال والعدل.
والإمبراطوريات القديمة -كالرومان مثلًا- استخدمت قوتها لبسط نفوذها ونشر قيمها في أكبر رقعة ممكنة من العالم، إنها رغبة في العولمة- العالمية، ولا تزال القيم والسلوك وأنماط الحياة والعيش الفرنسية سائدة في الدول التي استعمرتها فرنسا في العصر الحديث. والشيء نفسه حدث للمستعمرات الإنجليزية، وعلى أثر كل حرب تحاول الدول المنتصرة احتواء العالم ووضعه تحت سيطرتها وصبغه على شاكلتها.
فبعد الحرب العالمية الثانية وُجدت أيديولوجيتان تتقاسمان العالم، كل منهما تحاول عولمة العالم وفرض قيمه الأيديولوجية عليه، وعاش العالم في ظل حرب باردة ما يقرب من نصف قرن إلى أن حدث انهيار شامل للمنظومة الاشتراكية وسقط جدار برلين، ووقع تفكك مريع لما كان يسمى الاتحاد السوفييتي، وتوحدت الألمانيتان في دولة واحدة رأسمالية ديمقراطية، ويلاحظ هنا أن هاتين الأيديولوجيتين رغم حربهما الباردة، فإنهما تنتميان إلى منظومة حضارية واحدة هي الحضارة الأوروبية.
وبعد غزو العراق للكويت، ووقوع «عاصفة الصحراء»، دعا الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى إقامة نظام عالمي جديد، أحادي القطبية.
ومنذ ذلك التاريخ والخطاب حول العولمة يتسعويحث الدول تصريحًا أو تلميحًا على الانخراط في المنظمات الدولية التي تقف وراء وحدة «السوق» كالجات، و«منظمة التجارة العالمية»، والمؤتمرات الدولية التي تستهدف عولمة الفكر والثقافة والقيمكمؤتمر «البيئة» و«مؤتمر السكان» والمؤتمرات المعنية بقضايا المرأة.
والحقيقة أن الشركات المتعددة الجنسيات التي بسطت سيطرتها على كل أنحاء المعمورة هي التي تقف وراء هذا السعي الحثيث للارتقاء بأشكال وحدة السوق العالمية، وتمول النظريات التي تدعو باسم الحرية والليبرالية إلى حرية تنقل المنتجات والبضائع والرساميل والمهارات والتقنيات والأنواع المختلفة من المنتجات الاستهلاكية الموجهة إلى القارات التي تسكنها غالبية سكان العالم، مستهدفة بذلك إدخالها بعنف إلى دوامة الاستهلاك، استهلاك نتاج هذه الشركات العملاقة.
وكون هذه الشركات متعددة الجنسيات لا يعني بتاتًا أنها ملك للإنسان -أي إنسان- على هذه الأرض، بل هي ملك للأغنياء، أغنياء أوروبا وأمريكا تحديدًا.
أرقام ناطقة
ما من شك أن لوسائل الاتصال دورًا متقدمًا في عولمة القيم والسلوك وتوحيد نمط العيش والتأثير في أذواق الناس وميولهم وخلق نفسية الاستهلاك لديهم وجعلهم أسرى منتجات الشركات متعددة الجنسيات، كما أن مما لا شك فيه أن لوسائل الاتصال الأكثر حداثة أكبر الدور في الترويج لقيم العولمة، ويأتي في قمتها -أي الوسائل- شبكة الإنترنت، هذه الأخيرة تكاد تقع بالكامل تحت سيطرة الإنتاج الأمريكي واللغة الأمريكية، فحسب عدة دراسات تبين أن ۸۸% من خدمات شبكة الإنترنت تبث باللغة الإنجليزية و٢% فقط للغة الفرنسية.
كما أن أضخم وكالتين للأنباء في العالم أمريكيتان، وهما: «أسوشيتدبريس» و«يونايتدبريس» 80% من واردات التذاكر في دور السينما البريطانية تأتي من عرض أشرطة أمريكية، ونسبتها في فرنسا تبلغ ٦٠%، أما الإنتاج السينمائي الأمريكي فقد فاق ٧٥% من الإنتاج العالمي.
وتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات الدولية بشكل شبه كامل، مثل البنك الدولي و«صندوق النقد الدولي» و«المنظمة العالمية للتجارة»، بل وحتى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما بين ذلك عديد من الوقائع، فهذه المنظمات جميعها أمريكية الأصول أو النفوذ بتعبير الأستاذ منير شفيق.
وفي عقد التسعينيات برز إلى الوجود ما يسمى بـ «المؤسسات التقييمية»، وهذه المؤسسات عبارة عن جهاز شرطة يقف بالمرصاد لمن يتمردون على نظام العولمة، وذلك بالقيام بعمليات التأديب الاقتصادية، وإعطاء إشارات المرور أمام حركة الأموال والاستثمارات، ونجد على رأس هذه المؤسسات موديز - أبيكا - ستاندر آنبورز.
إن هذه الوكالات ما هي إلا نوع «أجهزة مخابرات» جديدة تمارس عملية التغريب والترهيب، وتقوم بالدور نفسه الذي كانت تقوم به أجهزة المخابرات التقليدية.
من أجل مقاومة فاعلة
إن الخطر -الذي أوضحنا طرفًا منه فيما سبق- الذي تمثله العولمة على الهوية الثقافية لدول العالم بصفة عامة وللعالمين العربي والإسلامي بصفة خاصة ليحثُّ ذوي الضمائر على تنظيم مقاومة فاعلة لهذه العولمة -الأمركة.
1- إن الوعي بالخطر هو الخطوة الأولى من أجل مقاومته، فما لم أعلم بأن هنالك خطرًا يتهددني لا يمكنني أن أنخرط في المقاومة، ومن ثم فإن الخطوة الأولى على درب المقاومة هو نشر الوعي على أوسع نطاق، وبين أوسع الفئات الاجتماعية حول خطورة العولمة، وما تمثله من تهديد للقيم والدين والأسرة والحضارة، وتدمير للإنسانية جمعاء. والخطباء والدعاة والمفكرون والصحفيون ورجال الفكر والثقافة، جميعهم مدعوون -كل حسب طاقته- للمساهمة في نشر الوعي حول ما يحيق بالعالم.
2- المبادرة الذاتية: إن الوعي بخطورة العولمة سيؤدي حتمًا إلى أشكال من المقاومة الشعبية، وسيكون لها أثر كبير في الصراع، فالفرد المسلم الواعي مثلًا يستطيع أن يأخذ قرارًاذاتيًّا بأن يقاطع بضاعة الدولة التي يرى أنها تجاوزت الحد في الإساءة إلى مصالح الأمة. «إنه الإنسان العادي الذي عبر وهو يعلق على الأخبار أو حين يسمعها عن استيائه من هذا الموقف أو ذاك، فالمطلوب أن يتبع قراره ذلك بقرار ذاتي، أن يفعل شيئًا قد يبدو أنه فردي ومعزول ولا قيمة له وغير مؤثر، لكنه إذا ما أصبح نهجًا يمارسه الكثيرون، بل حتى القلة النسبية فيصبح عملًا مؤثرًا يضرب في عصب الدولة المعنية، ولا تستطيع أن تتجاهله مهما كانت قوية وغنية وتجارتها رائجة، والمشكلة هنا أن يقتنع الفرد بفاعلية خطوته حتى ولو لم تأخذ شكلًا جماعيًّا ما دام ذلك متعذرًا، فعندما يقتنع أفراد قليلون بأن يمارسوا المقاطعة ويتسموا بالنفس الطويل، ستبدأ الفكرة بالانتشار حتمًا» (۱).
3- تنسيق الجهود بين دول الجنوب: إن على الدول العربية والإسلامية -ودول الجنوب بصفة عامة- أن تسعى لتنظيم نفسها استعدادًا للانخراط في المقاومة، مقاومة الهيمنة الأمريكية بعولمتها المتوحشة، بل «يجب أن تتحول الجمعية العامة في هيئة الأمم المتحدة مسرحًا للصراع حول هذه المسائل، وينبغي لهذه الدول أن تستعيد مرة أخرى مبادرات جماعية كما كان الحال مع لجنة (۷۷) ومؤتمرات حركة عدم الانحياز، وربما كان ما حدث في مؤتمر السكان بالقاهرة وفي مؤتمر الأرض ومؤتمر المناخ ومؤتمر المرأة، إرهاصات لتطوير صوت عالمي مقابل من أجل نظام عالمي غير ذلك الذي تريده أمريكا بمشروعها التدميري» (۲).
٤- إن على طلائع النهضة -الحركة الإسلامية- العبء الأكبر في المقاومة لأنها جزء لا يتجزأ من الأمانة التي أخذتها على عاتقها، ومنها تستمد مشروعيتها، ألا وهي مقاومة الظلم والظالمين المستكبرين وإغاثة الضعفاء والمستضعفين، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
ولعل السيطرة على شعوب العالم، وامتصاص ثرواتها وتدمير ثقافاتها بدعوى الحداثة والعولمة، لهو من أكبر المنكر الذي يجب على الحركة الإسلامية أن تنهض لمقاومته، والله غالب على أمره.
الهوامش
(۱) ص ٨٥ كتاب منير شفيق «في الحداثة والخطاب الحداثي» نشر المركز الثقافي العربي.
(۲) المرجع نفسه ص ۸۲
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل