; مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (96): كمين في بيروت | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (96): كمين في بيروت

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996

مشاهدات 96

نشر في العدد 1199

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 14-مايو-1996

هذه مسرحية درامية وهزلية شهدتها في بيروت، وقد سجلتها كغيرها من ذكرياتي في «طريق الجزائر» لا لكي أذكر بما مضى، وإنما ليعرف القراء أن كثيرًا مما يشاهدونه الآن في الساحة العربية والعالمية ليس إلا تكرارًا لمثل هذه المسرحيات التي يضاف إليها بعض مستحدثات فنون «الإخراج» السياسي والديكور الإعلامي الذي يوفره النظام العالمي الجديد، لكن المؤلفين والمنفذين -في نظري- ما زالت هي أجهزة «الاستخبارات» المتداخلة والمتعاونة التي تجند عملاء يوفرون خدماتهم لكل من يدفعون لهم، والذي يدفع في النهاية هي خزائن الدول، وميزانيات الشعوب المستغلة.. المضللة أو المقهورة أرجو من القارئ ألا يقيد نفسه بذكريات الأحداث الماضية.. وأن يعتبر قصتي شعاعًا من الضوء يوضح له حقائق معاصرة ما زالت تتكرر في أماكن كثيرة، ويروح ضحيتها ما نسميه الآن حقوق الإنسان وحريات الشعوب.

ولكي أقدم للقارئ لوحات ورسومًا توضيحية لهذه المآسي والمسرحيات أعده بأن أقدم له قصة أخينا الفيلسوف الهندي «صادق»، ومغامراته في أرض الهند، وبحار العرب ووادي النيل الخالد، والسجن الحربي الذي دخله مع «الإخوان المسلمون».

أما الصبي الفلسطيني المضطهد المظلوم، فأترك للجيل القادم أن يكتب قصته، لأن جيله ما زال يزود تاريخنا ببطولات في العمليات الاستشهادية الانتحارية التي لا يجد غيرها للتعبير عن غضبه وسخطه على الظالمين.

طريق الجزائر.. كغيره من المسالك الصاعدة نحو القمة يجتاز كثيرًا من المنحنيات والمنحدرات التي تغري الخائنين والغادرين بنصب الكمائن للسائرين فيه.

قصتي.. في كمين بيروت، تقدم للقارئ نموذجًا لما يجري في ظل النظام العالمي الجديد من تعاون بين أجهزة متعددة، قد تختلف أهدافها، لكنها تشترك أحيانًا في العمل الإقصاء تيار فكري أو سياسي أو اغتيال شخص معين.

وقد أشرت مرارًا إلى ملامح تنسيق بين أجهزة المخابرات الناصرية والفرنسية مع الجنرال أوفقير لإقصاء التيار الإسلامي من ساحة الكفاح في الثورة الجزائرية والعمل الوطني في شمال إفريقيا، بحجة إحلال الفكر الاشتراكي المستورد محل أصالة الإسلام وهويته، كما أشرت إلى أن اختطاف المهدي بن بركة، واغتيال صالح بن يوسف قد شاركت فيه عناصر من أجهزة المخابرات التابعة لجهات متعددة، أو على الأقل بعض العناصر التي كانت تقوم بدور مزدوج مقابل مصالح ذاتية، وهذا هو ما واجهته في «كمين بيروت».

والقصة التي أقدمها سوف تتيح للقارئ الفرصة لإدراك مدى التواطؤ الخفي أو المكشوف بين عناصر تنتمي إلى جهات متعددة أترك للقارئ مهمة استكشافها..

  • منذ عام 1960م... عندما كنت مقيمًا في المغرب بعيدًا عما يجري في مصر بدأت السلطات الناصرية خطتها للتضييق على بأن رفضت تجديد جواز سفري فاضطررت للسفر بجواز سفر مغربي.
  • وعندما بدأت محنة الشهيد «سيد قطب» وإخوانه في صيف عام 1965م، قررت الانتقال إلى الشرق لأكون قريبًا مما يجري للإخوان في مصر ولكي أقوم بواجبي -كمحام- في الدفاع عن المعتقلين المسجونين في مصر، ولم تكن المخابرات الناصرية لترضى عن ذلك.
  • نجحت مساعي الوسطاء في عقد لقاء بين الملك فيصل وعبد الناصر في «جدة» أدى إلى اتفاق بينهما لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن، ونتيجة لذلك عقدت قمة عربية في الدار البيضاء تهدف إلى تتويج ذلك الاتفاق بما يسمى ميثاق التضامن العربي.
  • وبدلًا من أن يذهب عبد الناصر، لحضور القمة العربية توجه إلى موسكو، وهناك ألقي خطابًا هاجم فيه «الإخوان المسلمون»، واتهم «سيد قطب» وإخوانه بالتآمر ضد نظامه الاشتراكي في حملة جديدة ضدنا وكان ذلك إشارة البدء في الهجوم على «الإخوان المسلمون»، وفهمنا من ذلك أنه تجاهل اتفاقه مع الملك فيصل في جدة، وأن «ميثاق التضامن العربي»، لم يعد في نظره إلا وسيلة لدفع بعض النظم والحكومات العربية للتنسيق «مع المخابرات المصرية»، في مطاردة «الإخوان المسلمون» المقيمين خارج مصر، وأنا منهم.
  • في طريقي من المغرب إلى السعودية التقيت في مطار جنيف بـ «المهدي بن بركة» الذي كان لاجئًا في مصر وأنشأ الاتحاد الاشتراكي المغربي المتحالف مع الاتحاد الاشتراكي الناصري، وأخبرني أنه متوجه إلى باريس، ومنها إلى «هافانا» في كوبا للتمهيد لمؤتمر للمنظمات اليسارية في «القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا، وأمريكا اللاتينية».
  • لفت نظره إلى أن «التضامن العربي» معناه التنسيق بين مخابرات أوفقير وعبد الناصر ضد «الإخوان المسلمون»، وأن ذلك سيكون له مقابل على حسابه لا بد أن يطلبه أوفقير.. وحذرته من ذلك، وأن مؤتمره الذي سيعقد في «هافانا» سيدفع المخابرات الأمريكية لتأييد كل ما يقوم به أوفقير ضده.
  • لكنه كان مطمئنًا إلى حماية المخابرات الفرنسية والناصرية، معًا...
  • تبين فيما بعد أن عملاء هذه المخابرات المزدوجة هم الذين خانوه وسلموه، لكي يغتال ولا يظهر له أثر.... للآن!!.

إن نجاح أوفقير في تحقيق هدفه بالقضاء على المهدي بن بركة، أكد ما قاله لي بعض أصدقائه من أن المخابرات الناصرية أو بعض عملائها على الأقل قد شاركوا عملاء المخابرات الأخرى في إعداد هذا الكمين الذي وقع فيه.

عندما فوجئت في بيروت في يناير 1966م بمنعي من السفر إلى السعودية اعتقدت أنه قد دبر لي كمين مماثل، شارك فيه عملاء المخابرات الناصرية مع آخرين في بيروت.

لكن إرادة الله سبحانه وتعالى أرادت أن يقيض لي صديقي الشاعر الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري الذي أقام ضجة كبيرة أدت إلى تدخل بعض المسؤولين في الحكومة اللبنانية ذاتها، واضطر المتآمرون لتغيير خطتهم، والاكتفاء بسجني في بيروت، بدلًا من تسليمي إلى المخابرات الناصرية.

‏هذه هي مجرد مقدمة لسيناريو هذا الكمين، الذي سيرى القارئ خلاله أن إرادة الله سبحانه وتعالى هي التي انتصرت في النهاية، وأراد القدر فشل المؤامرة التي دبرت لاختطافي في بيروت.. رغم ما ألاقيه من إهمال... ورغم عدم وجود أية جهة رسمية تقف بجانبي أنا وإخواني الذين قاسوا معي السجن والاعتقال لمجرد إخفاء فشل «الكمين».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية