العنوان العولمة.. ذراع جديدة لأخطبوط الغزو الفكري
الكاتب عبدالناصر محمد مغنم
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1324
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
• الحداثة مثل التنمية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعولمة.. وهدفها توحيد الثقافة والتوجه حتى يسهل إخضاع الشعوب جميعًا
تحت ستار التنمية الدولية ورفع مستوى المعيشة تم سن قوانين دولية عديدة ترمي لإزالة الحواجز أمام بسط الهيمنة الغربية على مختلف مناطق العالم، ومن خلال مؤتمرات الاقتصاد الدولية المتتابعة، اتضحت غاية خفية يسعى لتحقيقها أقطاب الاقتصاد العالمي، وتهدف إلى جر كثير من الدول المستنقع التبعية، ووطأة الديون لصندوق النقد الدولي.. ثم جاءت الحداثة بثوب براق زائف، وفكر يحمل شعارات التحرر والاستنارة والمعاصرة، ويبيت نية تحطيم الثقافات والمبادئ وما تبقى لدى الشعوب من قيم وأخلاق.. ثم رأينا الإعلام بوسائله المختلفة يمجد الجنس ويدعو لتحرير المرأة بقوة وزخم، ورأينا المؤتمرات الغربية تعقد بكثافة من أجل زج المرأة في أوكار الإباحية، بل إن الشعار الذي طغى على هذه المؤتمرات هو المطالبة بشيوع الرذيلة، وتغيير النظرة العامة للشذوذ والفجور، والسماح لأهل الخنا بمزاولة انحرافهم كمهنة معترف بها في أرجاء الدنيا، مع سن قوانين حماية تضمن لهؤلاء الحرية التامة، وتفرض وجودهم في المجتمعات، وتضع لهم حقوقًا لم يحلموا بمثلها من قبل.!!
وكحلقة ضمن مسلسل يبدو أنه لم ينته بعد، تفتقت العقلية الغربية، أو من يقف وراءها عن مصطلح جديد، جاء كذراع ممتدة لأخطبوط فكرهم ومخططهم الرامي لتعميم الثقافة المنحلة، يدعى العولمة، ويقصد به جعل العالم كله كقرية واحدة، يتحكم فيها نظام رأسمالي واحد، مع ضرورة تخلي الشعوب والأمم عن دياناتها وأخلاقياتها، وموروثاتها، وحضارتها وقيمها كشرط لتحقيق النجاح في مجال تنمية الاقتصاد والسوق وجودة الأسعار.
لقد وردت تعريفات عدة للعولمة في كتاب «العرب والعولمة» الذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية، ومن بين هذه التعريفات ما يلي:
- سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني. -حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وتحت سيطرتها.
- ظاهرة ارتبطت بنشوء الرأسمالية الصناعية، ونتيجة طبيعية لتطورها.
- أعلى مراحل الإمبريالية.
- ولكن هذه التعريفات تبقى قاصرة غير مقنعة؛ حيث إنها أغفلت جوانب مهمة تعد اركانًا في تعريف العولمة وهي:
١- الجانب الديني والثقافي والحضاري الذي جاءت العولمة من أجل تذويبه وإزالة آثاره في نفوس الناس، لتسهل عملية الانفتاح.
٢- تعميم الفكر الإباحي، وتحطيم حاجز الأخلاق الذي يقف سدًا امام انتشار مبادئ العولمة.
٣- ارتباط العولمة بالحداثة والنظام العالمي الجديد.
ومن هنا نستطيع أن نعرف العولمة تعريفًا أكثر تفصيلًا من التعريفات السابقة، وذلك كما يلي:
«العولمة تيار سياسي فكري رأسمالي يمهد للنظام العالمي الموحد، بتعميم مبدأ الانفتاح الاقتصادي والتحرر الأخلاقي، وتذويب الفوارق الدينية والوطنية والقومية لتحقيق هيمنة قوة واحدة تتحكم بالعالم أجمع».
يدعي مروجو فكر العولمة أن العالم تطور اليوم ليصل مرحلة تاريخية لا مفر منها، وهي مرحلة التسليم والإذعان للنظام الرأسمالي الأمريكي الذي أثبت - بزعمهم - أنه الأصلح والأقوى، وأن نهاية التاريخ تحتم خضوع العالم الإرادة الدولة العظمى في عصر نهاية الأيديولوجيات كما يدعون!!.
وبالرغم من الشعارات المصاحبة للعولمة والتي تبشر بالازدهار الاقتصادي، والتنمية الموعودة، والرفاهية لكل الأمم، والعيش الرغيد للفقراء، فإن الهدف الحقيقي للعولمة خلاف ذلك، ولا يتعدى بسط النفوذ والهيمنة وإخضاع الشعوب لإرادة واحدة تختفي وراءها أذرع الأخطبوط اليهودي التي تحرك مثل هذه التيارات الفكرية الغربية.
يرى البعض أن العولمة جاءت لتدفع الحداثة قدمًا للأمام، ولتنتشلها من حلقة الجمود والاضمحلال، وتزودها بدماء جديدة لتتدفق حاملة أفكارها عبر قنوات عالمية، لتحقق ما لم تحققه من قبل...
لا شَكَّ في أن الحداثة كما التنمية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعولمة، وربما كانت كلها روافد تنبع من مستنقع واحد لتصب في تيار ذي موجات متتابعة تسير باتجاه دائري واحد لتعم كل بقعة في العالم، من أجل توحيد الثقافة والتوجه ليسهل إخضاع الشعوب جميعًا.
أما الوسائل والأساليب المتبعة لتحقيق العولمة، وترسيخ مفاهيمها فهي كثيرة، ومن أهمها:
- الضغوط السياسية والاقتصادية الدولية على الحكومات لإجبارها على تنفيذ مشاريع وسن قوانين تساعد على نشر العولمة.
- وسائل الإعلام كافة، وبخاصة بعد انتشار الفضائيات في كل مكان من العالم.
- شبكات الإنترنت التي يسهل عبرها الاتصال بجهات عالمية مختلفة.
- مؤتمرات الاقتصاد والتنمية المكثفة في كل دول العالم.
- المؤلفات التي يصدرها أدباء وكتاب كبار الندوات الثقافية والأدبية التي تعقد للترويج للعولمة.
- السياحة، ودعم المشاريع السياحية وتطويرها، وزيادة الاهتمام بها.
- تنظيم مهرجانات الفن والموسيقى والغناء التي يشترك فيها فرق من كل أنحاء العالم وبث أخبارها ونتائجها عبر وسائل الإعلام بصورة تشجع على تكرارها وتطويرها.
- نشر الأفكار المادية، وتشجيع الفردية «التخصيص».
- استغلال المرأة عبر دعوات لتحقيق المساواة، وسن قوانين عالمية بحجة حماية حقوق المرأة.
يرى البعض من باب الموضوعية أن الواجب تحليل العولمة والاستفادة مما تحمله من خير قبل رفضها ونبذها كليًا، وأن هذه الطريقة هي الأفضل في التعامل مع العولمة، وهو يريد من وراء هذا الغرض ألا يتهم بالتحجر ورفض كل عصري وحديث، ولذلك فهو يدعو العرب والمسلمين للمشاركة في ظاهرة العولمة حتى لا تكون منعزلين؛ حيث إن المسافات بيننا وبين الغرب تتسع يومًا بعد يوم، والهوة التكنولوجية والاقتصادية تزداد عمقًا، ولا بُدَّ من التحرك في إطار الإيجابيات التي تتمتع بها العولمة، مع تكييفها بما يتلاءم وظروف المجتمعات النامية.
إن هذه النظرة مشوية بنوع مبطن من الاستسلام والتبعية لكل ما هو غربي؛ إذ الأمر لا يحتاج لبحث عن خير في مبادئ ما جاءت أصلًا إلا لتهدم، وما نسجت إلا في أوكار أعداء الإسلام والحاقدين على أهله.
ثم إن العولمة لن تكون في يوم من الأيام سببًا لتقدم الدول النامية، وغنى الدول الفقيرة ولا أدل على ذلك من عجز الدول الغربية عن حل مشكلة الفقر التي تتفاقم مع مرور الأيام في عقر ديارهم؛ حيث تشير الإحصائيات إلى ارتفاع متواصل لعدد الفقراء والمشردين الذين لا يجدون مأوى، ولا تتوافر لديهم لقمة العيش فيبيتون وبطونهم طاوية على الجوع.
وهنا لا بُدَّ لي من أن أقف قليلًا مع القارئ لتأمل فقرات اقتطعها من وثيقة يهودية قديمة من نشرة توزعها جمعية «القبالاه» اليهودية (1) جاء فيها: «ويفضل فرية السلام العامة التي جعلناها بمنزلة الصلاة اليومية للإنسانية جمعاء لكثرة ما تحدثت عنها إذاعاتنا، سوف نحطم أعصاب البشرية برمتها، وسنركز جهدنا على تذكير الناس بالأهوال المرتقبة من الحروب لترهبهم، ونجعلهم يلتمسون تجنبها مهما كان الثمن، عندها سنخرج عليهم بفكرة الدولة العالمية الواحدة، بحجة أنها الوسيلة الفريدة للحيلولة دون قيام الحرب بينما سيكون هدفنا الحقيقي منها التمهيد لإزالة الفوارق العنصرية والدينية لتنصرف الشعوب المعادية لنا عن مراقبتنا، والتحري عن خفايا مناهجنا، ومن ثم إضعاف النزعات القومية والوطنية بين أفرادها ولإيهامها بنبل مقاصد دعوتنا سنروج لفكرة التعاون الاقتصادي بين الدول بحجة السعي لرفع مستوى الشعوب المختلفة، وسنشجع الدول الرأسمالية الخاضعة لنا على منح القروض للدول الأخرى، ولإغفالها عن مراقبتنا سنبادر إلى الإسهام بقسم من هذه القروض ومن المؤكد أن الدول الكبرى ستلبي دعوتنا لتظهر بمظهر المحبة للخير والإنسانية، ومن جهة ثانية لتسيطر - بزعمها - على الدول التي ستتلقى منها القروض، وإن صح زعمها هذا فتكون في الواقع قد أخضعت تلك الدول لمشيئتنا بصورة غير مباشرة، باعتبارها هي نفسها خاضعة لنا، وبهذه الطريقة سنوزع ما تبقى من الثروات في حوزة الشعوب الأخرى دون أي أمل في تحقيق الغاية الاقتصادية المرجوة من هذا التوزيع على العالم».
وبناءً على هذا المخطط الرهيب يصرَّح نتنياهو مؤخرًا، بما يخفي ترتيبات صهيونية خبيثة بعيدة المدى، تظهر حقائق غائبة، وتسفر عن الوجه الحقيقي لهذا العدو اللدود.
نشرت تصريحه صحيفة «ديلي تلجراف» البريطانية، ردًا على سؤال عما إذا كان يعتبر أن فرنسا تدفع أوروبا إلى حملة ضد إسرائيل حيث اكتفى بالقول: «أعتقد أن هذا الأمر لن يكون تصرفًا نبيهًا من جانب فرنسا»، وأضاف متبجحاً: إن الناتج المحلي لإسرائيل يقترب سريعاً من ٤٠٪ من مجمل الناتج المحلي للدول العربية الـ ۲۲ مجتمعة، وخلال ١٠ - ١٥ سنة سيقترب من ۸۰٪!!».
وتابع: «إن الاقتصاد الإسرائيلي عندها سيكون مساويًا تقريبًا للطاقة الاقتصادية لمجمل العالم العربي، وأعتقد أن على الجميع ومن بينهم أوروبا التمعن جيدًا بهذا الأمر. لمعرفة أين توجد مصالحهم»!! (۲).
إن تأمل ما جاء في الوثيقة اليهودية ليكشف عن حقيقة مشروع العولمة، ويبين بوضوح أنه مجرد حلقة في مسلسل طويل لإخضاع العالم لهيمنة اليهود بطريقة غير مباشرة.
لعل البعض يرى في هذا القول مبالغة، أو خروجًا عن إطار الموضوعية والعقلانية، أو انسياقًا وراء فكر المؤامرة، واستسلامًا لشائعة يروجها اليهود عن نفوذهم وإمكاناتهم واختراقهم لكل مراكز القوى في العالم، ولكن الوقائع التي نشهدها عيانًا اليوم لا تخرج عما جاء في الوثيقة، وبالتالي فإن الخطورة تكمن في الاستسلام السياسي والاقتصادي والإعلامي الدولي لمخطط خبثاء صهيون.
إن الانهيار الذي يشهده العالم اليوم في مجال الاقتصاد، وانتشار الفتن، وتصاعد حدة القتال في أماكن متفرقة، مع عدم وجود مؤشرات تبشر بتحسن في هذه الأوضاع المتردية، ليدل دلالة واضحة على الأذرع الخفية التي تحرك الفتن، وتفجر الصراعات، ويدل كذلك على أن النظام العالمي الجديد لم يجلب معه منذ خرج كفكرة إلى الوجود إلا الكوارث والمحن، والحروب والفتن والجوع والفقر والخوف من مستقبل مظلم تخيم أجواؤه على الشعوب جميعها بلا استثناء.
ومن هنا فإن العولمة تنحصر في هذا الإطار، ولا تتعدى أن تكون مرحلة من مراحل الزحف الفكري لإخماد كل الأديان وتحطيمها ليستعلي باطل اليهود وأذنابهم فوق أطلال القيم والأخلاق والعقائد جميعًا، ولكن الله أعلى وأجل.. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)
الهوامش
١- «مكائد يهودية،» لعبد الرحمن حسن حبنكة من (٤٣٧ - ٤٤٧).
٢ - الحياة - عدد ١٢٩٢٤ – ٢٣/٧/١٩٩٨م.
انظر المزيد من التوسع في هذا الموضوع العرب والعولمة - مجموعة من الباحثين - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت ١٩٩٨م.