العنوان العنف والرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ
الكاتب عبد الوهاب المسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
«العنف» هو «الشدة والقسوة» وهو ضد الرفق واللين وهو من «عنف» بمعنى عامله «بشدة وقسا عليه», وأحد الأشكال الأساسية للعنف الصهيوني، هو رفض الصهاينة لقبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة، ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية غير اليهودية المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية ويفرضون رؤيتهم على هذا الواقع، ولكن لا يقتصر العنف على رؤية التاريخ، وإنما يترجم نفسه أيضًا إلى آلية من آليات تحديث الشخصية اليهودية.
والإرهاب الصهيوني إن هو إلا محاولة فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب ولذا يمكن القول بأن الإرهاب هو العنف المسلح «في مقابل العنف الإدراكي» والعنف النظري والإدراكي هو سمة عامة في الفكر العلماني الإمبريالي, والصهيونية لا تمثل أي استثناء للقاعدة، فقد نشأت في تربة أوروبا الإمبريالية التي سادت فيها الفلسفات النيتشوية والداروينية والرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتخطى الخير والشر، والتي تحوصل العالم والناس بحيث يصبح الآخر مجرد أداة أو شيئًا يستخدم، ومع هذا يظل للعنف الصهيوني جذوره الخاصة التي تمنحه بعض السمات المميزة:
١-لم تكن الصهيونية حركة استعمارية وحسب، وإنما حركة استيطانية إحلالية، «أرض بلا شعب» مما يعني أنها لابد وأن تخلي الأرض التي سينفذ فيها المشروع الصهيوني من السكان الأصليين، ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال أقصى درجات العنف النظري والإرهاب الفعلي.
٢- من السمات الأساسية للأيديولوجيات العلمانية الحلولية العضوية أنها تحوي مركزها أو مرجعيتها أو «مطلقها» داخلها، ومن ثم فهي تشكل نسقًا مغلقًا ملتفًا حول نفسه يخلع القداسية على الذات ويجعلها موضوع الحلول والكمون ويحجبها عن الآخرين «الذين يقعون خارج دائرة القداسة» فيهدر حقوقهم ويبيدهم، فهم ليسوا موضع الحلول.
والصهيونية وريثة الطبقة الحلولية اليهودية «داخل التركيب الجيولوجي اليهودي» هي عقيدة علمانية حلولية كمونية تجعل اليهود شعبًا عضويًا على علاقة عضوية خاصة بالأرض «إرتس إسرائيل» أي فلسطين، وهي علاقة تمنحهم حقوقًا مطلقة فيها، الأمر الذي يعني طرد السكان الأصليين الذين لا تربطهم بأرضهم رابطة عضوية حلولية مماثلة.
وقد حولت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور الشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف لحروب كثيرة خاضتها جماعة يسرائيل أو العبرانيون مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب فقاموا بطرد بعضهم وبإبادة البعض الآخر، وجماعة يسرائيل يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدسة لأن الإله يحل فيه.
٣-ورثت الصهيونية ميراث الجماعة الوظيفية اليهودية بتقسيمها الحاد بين الشعب المقدس والأغيار وبما يتسم به ذلك من ازدواجية في المعايير التي تجعل الآخر مباحًا تمامًا وتجعل استخدام العنف تجاهه أمرًا مقبولًا.
لكل هذا، أصبح العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للتاريخ، وأعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلولية الوثنية مؤكدين جوانب العنف فيه، فصوروا الأمة اليهودية في نشأتها على أنها جماعة محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة، فبيردشفسكي, على سبيل المثال ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيها «رايات اليهود مرتفعة»، وينظر إلى الأبطال المحاربين اليهود الأوائل، كما أنه يكتشف أن ثمة تيارًا عسكريًا في التراث اليهودي، فالحاخام اليعازر قد بين أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهودي بهما يوم السبت هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار، وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا, أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكارًا ألمانيًا، بل إنه ملك لأجدادنا الأوائل إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء، أي أن السيف يكاد يكون هو المطلق، أصل الكون وكل الظواهر، ولهذا لا يتردد جابوتنسكي في رفض التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود.
ويبدو أن هذا السيف المقدس «رمز الذكورة والقوة» والعنف كان محط إعجاب كل الصهاينة الذين كثيرًا ما عبروا عن إعجابهم وانبهارهم بالعسكرية البروسية الرائعة، هذا بالطبع قبل أن يهوي هذا السيف البروسي على الرقاب اليهودية في أوشفتس تمتلئ كتابات هرتزل بعبارات الإعجاب بهذا السيف، إذ كتب في مذكراته يشيد ببسمارك الذي أجبر الألمان على شن عدة حروب الواحدة تلو الأخرى، وبذلك فرض عليهم الوحدة وبدأ تاريخهم الحديث كدولة موحدة، فالعنف العسكري هو وحده محرك التاريخ الحقيقي إن شعبًا كان نائمًا زمن السلم، رحب بالوحدة في ابتهاج في زمن الحرب، وبينما كان هرتزل ينظر من نافذة أحد المسؤولين الألمان شاهد مجموعات من الضباط الألمان يسيرون بخطى عسكرية، فعبر عن انبهاره بهم في يومياته وذهب إلى أن هؤلاء هم صناع تاريخ ألمانيا: «ضباط المستقبل لألمانيا التي لا تقهر»، بل إنهم قد يكونون هم أيضًا صناع التاريخ الصهيوني ذاته، إذ يشير هرتزل إلى تلك الدولة التي تريد وضعنا تحت حمايتها.
وتغنى ناحوم جولدمان أيضًا بهذه الروح العسكرية البروسية في شبابه: «ألمانيا تجسد مبدأ التقدم وتجدها واثقة من النصر، ألمانيا ستنتصر وستحكم الروح العسكرية للعالم، ومن يريد أن يندم على هذه الحقيقة ويعبر عن حزنه فله أن يفعل، ولكن محاولة إعاقة هذه الحقيقة هي شيء من قبيل العناد وجريمة ضد عبقرية التاريخ الذي تحركه السيوف وقعقعة السلاح». وقد تبع مناحم بيجين أستاذه جابوتنسكي وكل الصهاينة من قبله في تأكيد أهمية السيف باعتباره محركًا للتاريخ إذ يقول: «إن قوة تاريخ العالم ليست للسلام، بل للسيف».
وغني عن القول إن العنف الصهيوني الإدراكي يصل إلى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الإحلالي، أن يلتزموا الصمت تمامًا تجاهه، فلا يذكرونه من قريب أو بعيد، أو أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبي الحد الأقصى من العنف، فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (۱۸۸۹) أن فلسطين ليست أرضًا بلا شعب كما كان الادعاء, جرى إلى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهذا الأخير من روعه وقال له إنه سيتم تسوية الأمر فيما بعد، وكان هرتزل يعرف تمامًا كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الإمبريالية، ونحن نعرف كيف تم تسويتها في فلسطين، وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيرًا عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس، وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.
وهذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والمواقع والتاريخ والآخر، وهو قد يعبر عن نفسه بطريقة مباشرة، كما بينا في الاقتباسات السابقة، ولكنه قد يعبر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات، وما قانون العودة الإسرائيلي إلا ترجمة لهذا العنف حين يعطي أي يهودي في العالم الحق في «العودة» إلى إسرائيل في أي وقت شاء، وينكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طردوا من فلسطين على دفعات منذ عام ١٩٤٨ على الرغم من أن يهود العالم لا يودون الهجرة إلى إسرائيل بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها، ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تحوصل كل البشر اليهود والعرب، والزمان تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين، والمكان «فلسطين» وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهدأ إلا تعبيرًا عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل إلى نهاية التاريخ نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.
العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية
ثمة عنف أساسي للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ، ولكن كان لابد وأن يترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع والرفض الرؤية اليهودية الحاخامية، ولتحقيق هذا الهدف كان لابد وأن تنتج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف وهذا ما سماه الصهاينة «تحديث الشخصية اليهودية» أي علمنتها وجعلها قادرة على تغيير قيمها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبني قيم نيتشوية وداروينية لا علاقة لها بمكارم الأخلاق أو بالمطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية.
وقد بين الصهاينة أن اليهودية الحاخامية طلبت من اليهود الانتظار في صبر وأناة لعودة الماشيح، وألا يتدخلوا في مشيئة الإله، لأن في هذا كفر وتجديف, ولكن الصهاينة الرافضين للعقيدة اليهودية، تمردوا على هذا الموقف أو وصفوه بالسلبية، ونادوا بأن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول الماشيح، بل وينبغي أن يعمل اليهودي بكل ما لديه من وسائل على العودة إلى أرض الميعاد، فالمنفى بالنسبة إلى بن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري، وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومقتلعة ومشردة عن الأرض، وعن العمل وعن الصناعة الأساسية، واجبنا هو أن تنفصل كليًا عن هذا الاتكال، وأن تصبح أسياد قدرنا، علينا أن نستقل، ويلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضًا إنهاءه في التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية, القضية الحقيقية الآن، كما كانت في الماضي تتركز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا، على اليهودي من الآن فصاعدًا ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية مثل الفانتوم والنابالم مثلًا، وهذا ما يسمى أيضاً في الأدبيات «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة».
لكل هذا تنطلق الصهيونية من نقد نيتشوي للشخصية اليهودية في المنفى فيقول ماكس نوردون إن اليهودي خلال ثمانية عشر قرنًا من النفي، أصبح مترهل العضلات، «وهذه هي أحد الأوصاف السائدة لليهود بين أعداء اليهود», ولذلك اقترح أن يقلع اليهودي عن قهر جسده، وأن يعمل على تنمية قواه الجسدية وعضلاته، أسوة بذلك البطل بركوخيا، آخر تجسيد لتلك اليهودية في صلابة عودها المقاتل وحبها لقعقعة السلاح، ونفس الفكرة ترد في كتابات جابوتنسكي الذي رفض أخلاقيات العبيد, ونادى بتفضيل العقل على الفكر، وأخلاق السادة على أخلاق العبيد، والسيف على الكتاب حتى يظهر اليهودي الجديد المتحرر من أغلال الدين والقيم.
إن العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية, فاليهودي في هذا التصور يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية، وكان الكاتب الصهيوني بن هكت يشعر بسعادة في قرارة نفسه في كل مرة يقتل فيها جنديًا بريطانيًا؛ لأنه -على حد قوله- كان يتحرر من مخاوفه ويولد من جديد، تمامًا مثل شارلوت كورداي في قصيدة لجابوتنكسي بعنوان «شارلوت المسكينة» فشارلوت تتخلص من رتابة حياتها وسخافتها وتروي تعطشها للعمل البطولي بأن تقوم بتسديد الضربة إلى جان مارا فترديه قتيلًا في الحمام، العنف هنا يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما يصل أحد أفرادها إلى سن الرجولة, فاليهودي حينما يقوم بهذا الفعل الذي كان يخاف منه أجداده «ذبح أحد الأغيار» يتخلص من مخاوفه، ويصبح جديرًا بحمل رمز الذكورة، وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب «الثورة» الذي ألفه مناحم بيجين, والذي يقلب فيه عبارة ديكارت المعروفة «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، لتصبح «أنا أحارب إذن أنا موجود», ثم يضيف «من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال، نموذج غير معروف البتة للعالم في الألف والثماني سنة الماضية اليهودي المحارب».
وحتى الليبرالي الأمريكي الهادي برانديز، يشير «باستحسان شدید» إلى وظيفة العنف الصهيوني في إعادة صياغة الشخصية اليهودية: «غرست الصهيونية في الشباب اليهودي الشجاعة، فألفوا الجمعيات، وتدربوا على الأعمال الرياضية وعلى اللعب بالسيف وصارت الإهانة ترد بإهانة مثلها, وفي الوقت الحاضر، يجد أفضل لاعبي السيف الألمان أن الطلبة الصهيونيين يستطيعون أن يدموا الخدود, كما يفعل النيوتون، ويرون أيضًا أن اليهود سوف يكونون أفضل لاعبي السيف في الجامعة «وفي الشرق الأوسط فيما بعد»، لقد كان برانديز يفكر في الطالب الآري «وحش نيتشه الأشقر» حينما كان يتحدث عن بطله اليهودي.
والعنف عند بن جوريون يقوم بالوظيفة نفسها في إعادة صياغة الشخصية اليهودية، إذ يصف الرواد الصهاينة بأنهم لم يكن لهم حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا لعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبدًا، كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا، وهنا فإن موقف بن جوريون مبني على تصور جديد للشخصية اليهودية على أنها شخصية محاربة منذ الأزل إن «موسى, أعظم أنبيائنا, أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا».
ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشى ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر للتوراة هو الجيش فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن فيفسر بذلك كلمات أنبياء العهد ويحققها، والملاحظ النمط الحلولي الكموني الذي يبدأ بوضع السيف في خدمة التوراة، ثم يصبح السيف موازيًا لها، ثم تصبح هي تابعة له، فالسيف هو الذي يفسر التوراة ويفرض عليها المعنى، وكأنه أحد نقاد ما بعد الحداثة أو هارولد بلوم الناقد الأمريكي القبالي الذي يرى أن الناقد هو الذي يفرض المعنى على النص، أو كأنه «الشعب المختار» اختاره الإله ثم حل فيه ثم أصبح تابعًا له، أو كأنه الشريعة الشفوية «تفاسير البشر» التي جاءت للوجود لتفسر الشريعة المكتوبة ولكنها حلت محلها بالتدريج.