العنوان الأحداث الدامية ما زالت رحاها تدور في شوارع العاصمة.. العنف فى الصومال.. أين يكمن الحل؟
الكاتب شافعي محمد
تاريخ النشر السبت 31-أكتوبر-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1875
نشر في الصفحة 26
السبت 31-أكتوبر-2009
تسير الأحداث الدموية بشكل روتيني في الصومال، خاصة في العاصمة «مقديشو» التي أصبحت في الآونة الأخيرة مسرحًا لعمليات عسكرية بين أطراف الصراع في الصومال؛ حيث تشتبك كل من القوات الحكومية الصومالية والقوات الأفريقية ليل نهار مع المقاتلين الإسلاميين الذين يشنون هجمات على قواعد عسكرية في محيط القصر الرئاسي...
ويخلف العنف عادة دمارًا وخرابًا يطال معظم المنازل المنكوبة، فضلًا عن إزهاق أرواح المئات من المدنيين؛ حيث لا تبالي القوات الأفريقية أو الحكومية أو فصائل المعارضة المسلحة بمواطني «مقديشو»، فيتم تبادل القصف المدفعي بشكل عشوائي، وتسقط معظم القذائف على سوق «بكارى» المركزية المكتظ ليوقع القصف المدفعي المدنيين ورواد السوق بين قتيل وجريح.
في ١٥ أكتوبر «الجاري» شهدت مدينة «مقديشو» قصفًا مدفعيًا طال عددا من الأحياء السكنية قرب سوق «بكارى»، وقد أسفر القصف عن مقتل مدنيين وجرح أكثر من ٦ آخرين، وجاء القصف على المدينة عقب شنته المعارضة على قاعدة عسكرية هجوم غربي «مقديشو» تتمركز فيها القوات البوروندية.
وفي ٣ أكتوبر لقي ما لا يقل عن ١٠ مدنيين حتفهم في مناطق متفرقة من مقديشو بعد تجدد الاشتباكات العنيفة بين قوات الحكومة الصومالية والمعارضة، كما أصيب أكثر من 10 مدنيا بجروح متفاوتة، ونقل المصابون إلى مستشفيات مقديشو التي تئن وتشكو من إهمال رهيب.
وجراء قصف مدفعي استهدف السوق المركزية في ٢٨ سبتمبر الماضي أسفر عن مقتل ۱۱ مدنيًا وجرح ۳۰ آخرين.. وفي ٢٣ سبتمبر قتل ١٥ شخصًا وأُصيب عشرون آخرون في مقديشو خلال معارك اندلعت بين القوات الصومالية والأفريقية من جهة والمعارضة المسلحة «حركة الشباب المجاهدين، والحزب الإسلامي» من جهة أخرى.
هذه لقطات لعينة من الأحداث الدموية التي تجلجل وتدمي القلوب والعيون وتقشعر لها الأبدان وهذا المسلسل الدامي يجري في الأفق مقديشو في كل حين ولا أمل يلوح في الأفق لإنهاء القتال الدامي بين الإخوة الصوماليين.
جُرح لا يندمل
ورغم أن سقوط القتلى والجرحى يحدث بصفة يومية، إلا أن ما أصاب «أحمد محمد» «8 سنوات» كان أمرًا مأساويًا؛ فبينما «أحمد» وأمه يعبران شارع «هولواغ» جنوبي العاصمة «مقديشو» أثناء احتدام المواجهات بين القوات الأفريقية والإسلاميين، إذا برصاصة طائشة تصيب الطفل البريء وتستقر في فمه لتنفجر هناك محطمة كل أسنانه، إضافة إلى فقدانه العين اليمنى، كما أصابت رصاصة أخرى أم الطفل في يدها اليمنى، وبكت الأم بكاءًا مريرًا بث الحزن والهلع في نفوس المارة.
موضع الخلل يكمن في الأيدي الخارجية التي تعبث خلف الكواليس لنشر الفتنة بين مقاتلي المقاومة الإسلامية!
ويكافح أطباء في مستشفى «مدينة» بالعاصمة في معالجة الطفل، ومن بين هؤلاء الأطباء د. «عمر أكرم من الهلال الأحمر القطري الذي بذل جهودًا جبارة في لملمة الجسم المتساقط، وفتح الفريق الطبي ثغرتين في عنق الطفل ووضعوا فيها أنبوبين أحدهما للتنفس والآخر خاص بالطعام والشراب.
وأعرب عدد من الأطباء المتخصصين في قسم الجراحة عن خيبة أملهم في تضميد جروح الطفل الذي شوهه الرصاص؛ حيث ذكر د. «أكرم» أن حالة «أحمد» تستدعي السفر إلى الخارج، وبرر ذلك بأن المعدات الطبية الأساسية ليست متوافرة في مستشفيات مقديشو.
وقال الطبيب النرويجي «ماديس جيلبرت» المتخصص بشؤون علم الجراحة بعد اطلاعه على صور أحمد عبر المواقع الإلكترونية: إن حالته خطيرة ولا يمكن إعادة شكل الوجه إلى حالته الأصلية؛ لأن الخطر أكبر بكثير مما نتصور وهذه الحالة لا مثيل لها.
أما الطبيب «إيريك فوسي» الذي عالج كثيرًا من المصابين بجروح مختلفة، فأوضح أن الحالة نادرة جدًا، مشيرًا إلى أن تضميد الجروح يحتاج إلى تكلفة مادية باهظة وأن أهالي الطفل لا يستطيعون تحملها لكونهم فقراء يعيشون في مدينة تجتاحها الحروب ليل نهار.
ويوجد في مستشفيات مقديشو حالات أخرى نادرة مثل حالة «أحمد» التي عجز الأطباء عن تقديم علاج ناجع ودقيق يعيد المصاب إلى حالته الطبيعية..
وفي ظل استمرار العنف والعنف المضاد في الصومال، فإن أوضاع المدنيين تزداد سوءًا يومًا بعد آخر خاصة الأطفال والنساء والعجائز الذين يُعدون الفئات الأكثر تضررًا جرّاء الحروب المستعرة على مدى عقدين من الزمن.
جرائم القوات الأفريقية
واللافت أن القوات الأفريقية انتهجت الأسلوب الأبشع في قصف المناطق المأهولة سكانًا بشكل متواصل؛ حيث تقصف المنطقة التي قصفتها قبل فترة وجيزة لأنها تضمن توافد الناس فيها للاطلاع على ما حدث في المكان أو نقل المصابين من المنطقة، وعادة ما يكون القصف الثاني أشد إيلامًا وأكثر عددًا في الضحايا الذين تقطعهم شظايا القصف إربًا إربًا.
وكانت القوات الإثيوبية تجيد هذا الأسلوب الذي كان يسود مقديشو، إلا أنه رحل مع انسحاب تلك القوات من الصومال بموجب اتفاقية جيبوتي في مطلع العام الجاري۲۰۰۹م.
ويتساءل المتابع للأحداث التي تجرى في مقديشو: ماذا حققت القوات الأفريقية من إنجازات وما الذي أخفقت فيه؟ وتبدو علامة الاستفهام باقية في أذهان معظم الصوماليين.
ويشير البعض إلى أن القوات الأفريقية أخفقت في إعادة الأمن في ربوع الصومال، وبدلًا من أن تعيد الاستقرار الذي كان شعارًا مرسومًا للقوات الأفريقية، أصبحت مقراتها محط أنظار المعارضة، وربطت القوات الأفريقية في ثكناتها العسكرية الأسلاك الشائكة وأحجار الأسمنت الكبيرة تفاديًا لهجمات المعارضة كما ارتكبت تجاوزات وخروقًا إنسانية بعد استهدافها مجمعات سكنية في مقديشو.
ولم تنجح القوات الأفريقية أيضًا في حماية مراكز الحكومة الصومالية الرئيسة وتحديدًا القصر الرئاسي الذي تقيم فيه غالبية أعضاء الحكومة والميناء، ومطار «آدم عدي الدولي؛ حيث أصبحت هذه المقرات هدفا لطلقات الرصاص وقذائف الهاون»، ويتعرض القصر الرئاسي من وقت إلى أخر لقصف عنيف من قبل المعارضة.
ولم تنجح آلية القوات الأفريقية في هزيمة قوات المعارضة بدلًا من الشعب الصومالي الأعزل الذي أصبح مشردًا في ضواحي مقديشو وخارجها، لدرجة أن القصف الأفريقي أجبر الكثيرين منهم على الفرار من منازلهم ليفترشوا الأرض فاقدين الأمل في العودة إلى ديارهم ويرى البعض أن القوات الأفريقية أصبحت الحاجز المنيع الذي يحول دون التفاوض بين الإخوة الصوماليين الذين يتبادلون قذائف الهاون على رؤوس المدنيين.
القوات الأفريقية تحول دون التفاوض بين الأشقاء الذين يتبادلون قذائف الهاون فوق رؤوس المدنيين!
وهكذا تدور الأحداث الدموية الطاحنة بين أبناء الجلد والملة الواحدة، فيفر من فر بنفسه حاملًا على أكتافه بعض الأمتعة القليلة التي نجت من الدمار بينما الأطفال يشقون أميالًا من الكيلومترات على أقدامهم النحيفة ولا يعرفون إلى أين يتجهون، أما الباقون الذين لا يستطيعون الهروب فيصبحون لقمة سائغة لقذائف الأشقاء الصوماليين والــقــــــوات الأفريقية التي تقصف المدينة بشكل جنوني!
ما المخرج؟!
وفي نهاية المطاف، فإن الخروج من مستنقع العنف أمر غاية في الأهمية، وتحقيق المصلحة العامة بدلًا من المطامع الذاتية والحزبية والحركية هي أهم وسيلة للخروج من المأزق المأزوم.. ويرى كثير من المحللين السياسيين أن جذور المشكلة تنبع من الأطراف الصومالية التي يسعى كل منها إلى تحقيق النصر على الطرف الآخر قبل أن يكشف عن أهدافه وميوله وانتماءاته أو أن يعطى الفرصة لاختبار نواياه.
المحلل السياسي «حسن محمد» قال ل المجتمع»: إنه لابد للإخوة الصوماليين أن يعلموا أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين، ويجب عليهم نسيان لغة الرصاص والجلوس سويًا إلى طاولة الحوار، وأن يتحلوا بروح التسامح والرغبة في إصلاح أمور مجتمعهم، وألا يعطوا الفرصة لأي طرف خارجي لتأجيج الفتنة بينهم.
وأشار إلى أن موضع الخلل يكمن في الأيدي الخارجية التي تعبث من وراء الكواليس الإثارة مشاعر الإسلاميين وأن من المهم إتاحة الفرصة للأشقاء الصوماليين لحل مشكلاتهم بأنفسهم مع الاستعداد لتهيئة المناخ المناسب للنهوض بمجتمعهم، وتوفير الدعم المالي والخبرات الفنية لانتشال الصومال من مستنقع الأزمات.
أما المحلل السياسي «محمد أحمد عبدالله»، فأوضح لـ«المجتمع» أن المشكلة الصومالية لن يتم حلها إلا من خلال اعتماد الحوار وسيلة للتفاهم بدلًا من استخدام فوهات المدافع، وأن قبول الرأي الأخر أمر ينهي الأزمة بين الصوماليين، كما أن المسار الصحيح للسلام يستلزم تحقيق المصلحة العامة التي تساهم في تقريب وجهات النظر وسد ثغرة الخلاف بين أطراف النزاع في الصومال.