; ملحمة صمود الشيشان وراء رضـوخ يلتسين للمفاوضات | مجلة المجتمع

العنوان ملحمة صمود الشيشان وراء رضـوخ يلتسين للمفاوضات

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1132

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 03-يناير-1995

·       تقارير الاستخبارات بعدم إمكانية الحسم عسكريًا ورفض الرأي العام والبرلمان الروسي للغزو أجبرت يلتسين على تغيير موقفه.

وفقًا لآخر تطورات الموقف في جمهورية الشيشان يوم 26 / 12 / 1994م، أعلن الرئيس الروسي بوريس يلتسين استعداده لبدء مفاوضات سلمية مع جروزني ووقف العملية العسكرية في الشيشان، وذلك بعد تنامي الرفض الشعبي والرسمي الروسي لعملية الغزو التي لم تتحقق أيًّا من أهدافها ولم تنه الموقف في ساعتين كما كان يردد ذلك بافل جراتشوف- وزير الدفاع الروسي- إذ إن القوات الروسية ما زالت على بعد 20 كيلومترًا من العاصمة الشيشانية رغم غزوها للشيشان يوم 11 / 12 / 1994م، وذلك بسبب المقاومة الباسلة التي أظهرها المقاتلون الشيشان في مواجهة الغزاة الروس، إذ أثبتت المعارك الدائرة في "أرجون" شرق جروزني بـ 20 كيلومترًا، وفي بترو بافلوفسكايا شمال شرق العاصمة بـ 15 كيلومترًا، والتي استمرت على مدى أيام 23 و24 و25 و26 / 12 بين القوات الروسية والمجاهدين الشيشان والقوقازيين والمتطوعين المسلمين صعوبة اقتحام العاصمة جروزني خاصة وأنه وفقًا للبيانات الروسية سقط أكثر من ألف شهيد مسلم دون أن تنجح القوات الروسية في السيطرة على الموقف وكل ما استطاعت القوات الروسية أن تفعله لم يتعد الإغارة على العاصمة جروزني وقصفها بالطائرات مما تسبب في قتل المدنيين وهو ما أثار ردود فعل دولية وداخلية.

وعلى الرغم من أن يلتسين أعلن موقفه السابق في حديثه أمام مجلس الأمن القومي الروسي وتم اختيار فلاديمير شوميكو رئيس المجلس الأعلى للبرلمان وعضو مجلس الأمن القومي- كممثل شخصي للتفاوض باسم يلتسين يصحبه 3 آخرون، إلا أن سليم خان- مساعد الرئيس الشيشاني- أكد في تصريح خاص لـ "المجتمع"، أنه رغم موافقتهم على المفاوضات غير المشروطة مع موسكو والتي خضعت لها الأخيرة بعد تأكدها بأن دخول الشيشان لن يكون مجرد نزهة إلا أنه يجب عدم إغفال أن تكون المفاوضات مجرد مناورة من موسكو لاحتواء المعارضة الداخلية خاصة وأنه في الوقت الذي أبدت فيه موسكو استعدادها للمفاوضات تم الإعلان عما يسمى بحكومة ظل شيشانية يوم 26 / 12 / 1994م يتزعمها سلام بك حاجييف الشيشاني الأصل "53 سنة" وزير البترول السابق في زمن الاتحاد السوفيتي المنحل- لتعارض سلطة الرئيس جوهر دوداييف الشرعية، وذلك بدلًا من المجلس المؤقت الذي كانت موسكو قد شكلته للمعارضة أيضًا وانتهى مفعوله يوم 11 / 12 / 1994م بعد الغزو الروسي للشيشان بسبب فشل قوات المعارضة المدعومة عسكريًّا من موسكو في تحقيق أيٍّ من الأهداف التي كانت تريدها روسيا. وقال المسؤول الشيشاني: إن المفاوضات ستتم على أساس عدم وضع شروط مسبقة لأي من الطرفين رغم أن يلتسين شدد في كلامه على أن الشيشان جزء من روسيا، وأنه آن الأوان لوقف العملية العسكرية، إلا أن المفاوضات ستتم أيضًا على أساس احتمال إقامة كونفدرالية بين الشيشان وروسيا كحل وسط يحفظ لجميع الأطراف مصالحها.

أسباب تغيير موقف يلتسين

وحول أسباب تغيير موقف يلتسين وخضوعه لمنطق العقل والبحث للمشكلة عن حل سلمي تشير المعلومات التي حصلت عليها "المجتمع"، إلى أن ذلك يرجع لأسباب داخلية وخارجية، وتقارير استخباراتية تؤكد إمكانية الشيشان المدعومين من المجاهدين من القوقاز والدول الإسلامية بالصمود لسنوات طوال حتى إذا نجحت القوات الروسية في اقتحام العاصمة جروزني وهو ما يتطلب التضحية بعدة آلاف من الغزاة الروس وحرق العاصمة الشيشانية بالكامل وهو ما سيواجه بردود فعل دولية عنيفة لأنه لا يمكن اعتبار قتل المدنيين وحرق وتدمير الأماكن غير العسكرية أمرًا داخليًّا مثل التدخل العسكري وفقًا للرؤية الأمريكية!! لأن ذلك سيكون متعلقًا بلوائح حقوق الإنسان التي ترفعها واشنطن وتدافع عنها ضد معارضيها فقط. ووفقًا لتقارير الاستخبارات الروسية فإن ميزان القوى العسكرية بين القوات الروسية والشيشانية رغم أنه يميل لصالح الأولى من ناحية التفوق التكنولوجي إلا أن الأخيرة لديها تفوق من الناحية المعنوية والخبرات القتالية الفائقة اتضحت في المعارك الأخيرة، وبها يتم حسم الموقف لصالحها، علاوة على عدم معرفة أنواع الأسلحة وكمها التي تقاتل به القوات الشيشانية، وإن كانت النتائج الأولية للقتال تشير إلى أنها متقدمة أيضًا واحتمال أن تكون قد تم نهبها أو شراؤها من المخازن الروسية، إذ ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن عشرات الجنود الروس قاموا ببيع عتادهم للشيشان مقابل مئات الدولارات، وفروا من الميدان.

وأشار التقرير أنه يوجد ما لا يقل عن 50 دبابة مع القوات الشيشانية وحوالي 150 مدفعًا هاون، وأعداد غير معروفة من صواريخ ستينجر وشيرلا-2-، وعدة طائرات هليكوبتر هجومية - 8 - MI، وأكثر من 5000 مقاتل بأسلحة متقدمة يتمركزون في مواقع إستراتيجية داخل العاصمة؛ مما يجعل اقتحامها أمرًا غير مضمون النتائج، دون أن يتم إمحاء المدينة بالقصف الدولي مع ضرورة استخدام الأسلحة الكيميائية وهو ما سيلقى معارضة دولية قوية.

كما أن ازدياد حجم التذمر في داخل القوات المسلحة، والذي وصل إلى حد قيام "جورجي كوندراتيف" مساعد قائد القوات البرية الروسية بتقديم استقالته ومع 6 قواد آخرين؛ بسبب الحرب في الشيشان سيؤثر بدون شك على معنويات الجيش الروسي الذي يرى أنه يخوض حربًا بلا مبررات، وقد يؤدي ذلك إلى احتمال القيام بانقلاب عسكري ضد سلطة يلتسين، خاصة وأن هناك احتمالات لوجود اتصالات مشبوهة من وجهة نظر الاستخبارات الروسية، بين بعض قوات الجيش والمافيا التي تريد إضعاف هيبة الدولة للسيطرة عليها.

ورصد التقرير وجود أكثر من 2000 متطوع من الداغستان والإنجواش، و400 أوكراني، و300 من دول البلطيق، و170 من الشركس، 130 من الأباظة، وأعداد من الأفغان والعرب لم يمكن حصرهم تقاتل في صفوف الشيشان، وهو ما يعني احتمال تشكيل جبهة معارضة لروسيا من قوميات مختلفة قد يزيد حجمها وفاعليتها؛ مما يعرض المصالح الحكومية في الأماكن التي ينتسب إليها المتطوعون للخطر.

كما أن الصدام المتوقع حدوثه بين الشيشان وجورجيا بسبب سماح الأخيرة للطائرات الروسية بالمرور من أجوائها بضرب بعض الممرات التي يتسلل منها المقاتلون الأباظة من أبخازيا لدعم الشيشان؛ سيزيد حدة التوتر في القوقاز مع احتمال تعرض المنطقة لحرب شاملة بين القوقازيين وجورجيا وروسيا، مما سيكون له انعكاسات عالمية.

وكان تقرير للاستخبارات الأمريكية قد أشار أن التدخل الروسي في الشيشان سيسبب مشكلات سياسية ليلتسين، ونصح التقرير الإدارة الأمريكية بإبداء النصح له لعدم الإقدام على ذلك إذا كان يلتسين مهمًا للمصالح الأمريكية في الوقت الحالي، إلا أن الموقف الأمريكي في اعتبار أحداث الشيشان أمرًا داخليًا استهدف كما يبدو توريط روسيا في مشاكل داخلية لإضعاف تأثيرها الداخلي، والذي يتبناه بشكل كبير يلتسين.

علاوة على أن أحدث استطلاع للرأي العام الروسي نشرته وكالة إيتار تاس مؤخرًا يشير إلى أن 65% يعارضون إرسال الجنود الروس إلى الشيشان، بينما أيدت نسبة 19% فقط، وبدأت بعض الكتابات تؤيد استقلال الشيشان مثلما فعل الكاتب الروسي المعروف "ألكسندر سولجنستين" في مقال له يوم 17 / 12 / 1994م، وقال: إنه مع إعطاء الشيشان حق الاستقلال بشرط دخولها كومنولث الدولة المستقلة.

كما أن البرلمان الروسي في اجتماعات مجلس الدوما يوم 23 / 12 / 1994م أصدر قرارًا بوقف العملية العسكرية في الشيشان بموافقة 228 ضد 38 صوتًا، وامتنع 3 عن الإدلاء بأصواتهم، ورغم ذلك استمرت عمليات القصف العسكرية للعاصمة جروزني.

وأعلن "أميل باين" -مستشار الرئيس الروسي لشؤون القوميات- تجميد استقالته بعد موافقة يلتسين على بدء مفاوضات مع الشيشان ووقف العملية العسكرية التي قدم استقالته بسببها، وجدير بالذكر أن أميل باين كان صاحب اقتراح البحث عن حل سلمي.

اتساع حجم المعارضة الدولية

كما بدأت معارضة دولية لعملية الغزو تتبلور حاليًا بسبب ضغوط الرأي العام، وذلك بسبب عدم قدرة القوات الروسية الغازية على حسم الموقف، إذ تظاهر الآلاف في العاصمة "كوالالمبور" يوم 22 / 12 / 1994م أمام السفارة الروسية احتجاجًا على عملية الغزو، كذلك في ألماتا العاصمة الكازاخستانية يوم 21 / 12 / 1994م، وطالب "محمود محمدي" -المتحدث باسم الخارجية الإيرانية- بضرورة البحث عن حل سلمي للأزمة، وذلك في تصريحات يوم 20 / 12 / 1994م.

وطالب البرلمان الأوكراني يوم 20 / 12 / 1994م في نداء وجهه للبرلمان الروسي بضرورة وقف عملية سفك الدماء في الشيشان، وبدأت الأحزاب والقوى السياسية الأذربيجانية تعلن بشكل علني وعلمي معارضتها للغزو الروسي للشيشان، علاوة على دعم كافة شعوب القوقاز لإخوانهم الشيشان خاصة بعد تدفق اللاجئين الشيشان إلى الإنجواش بعد أن بلغ عددهم 65 ألف لاجئ.

228 نائبًا روسيًا يؤيدون وقف العملية العسكرية، بينما عارض 36 فقط، وانسحب 3 نواب!!

كما بدأت انتقادات في الدول الإسلامية لعملية الغزو، وترتفع المطالب الشعبية بمقاطعة روسيا إلى حين الانسحاب من الشيشان.

وجدير بالذكر أن "مالكوم ريفكند" وزير الدفاع البريطاني كان قد أعلن يوم 14 / 12 / 1994م بأن أحداث الشيشان تهدد الأمن الأوروبي، وفي اليوم نفسه قال "هانز فان دن بروك" -رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي- منتقدًا روسيا: «في الوقت الذي يتحدثون فيه عن حل سلمي، ويرفضون الحل العسكري لأزمة البوسنة والهرسك، فإنهم يشنون الحرب لحل مشكلة الشيشان»، ووجه وزير الخارجية الدانماركي "نيلز هيلفيغ" نداءً لروسيا لحل المشكلة بالطرق السليمة.

وكانت إستونيا أيضًا قد انتقدت عملية الغزو الروسي للشيشان.

وفقًا للنصائح المتقدمة ليلتسين بعد صمود الشيشان وصعوبة إلحاق هزيمة بها في فترة قصيرة مما سيؤدي إلى زيادة حجم الرفض العالمي للتدخل الروسي في الشيشان، ويعرض روسيا للإحراج أمام المحافل الدولية والشعوب الأخرى، فإنه يجب البدء بمفاوضات سلمية تضمن انسحاب القوات الروسية من غير إراقة لماء الوجه والتمسك بوجود صيغة لضمان ارتباط الشيشان بروسيا سواء عبر الفيدرالية أو الكونفدرالية مع دعم المعارضة المؤيدة لموسكو اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا ليمكنها مستقبلاً من الوصول إلى السلطة؛ ومن ثم العودة إلى الاتحاد الروسي بشكل طوعي وعمومًا أيًا كانت مبررات الموقف الروسي الأخيرة، سواء كانت بهدف المناورة أو الانسحاب الحقيقي، فإن كل ذلك يرجع إلى عامل أساسي صمود المجاهدين الشيشان والقتال حتى الموت، إذ يقاتلون تحت شعار النصر أو الاستشهاد، وهو الدرس الذي يجب أن يدركه الجميع.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل