العنوان العلمانية والمسلمون في الغرب
الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1289
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-فبراير-1998
دأب اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا على عقد مؤتمر سنوي تُعرَض فيه بعض قضايا المسلمين هناك، ولقد حضرت مؤتمرين من هذه المؤتمرات، كانت العلمانية محورهما، وكذلك حقوق الإنسان في النظرة الغربية، وبالإضافة إلى المحاضرات فقد كان هنالك حوار جانبي حول الموضوعات نفسها، وبرز من خلال المحاضرات والحوار أن هنالك رغبة في تزيين العلمانية وتقريبها من الإسلام، وكانت وجهات النظر مختلفة، وموقف الجمهور المشترك مختلفًا.
ولقد أبديتُ رأيي في هذا الموضوع في كل من المؤتمرين، وبينت أن المسلم يمكن -إذا اضطر- أن يعيش في أي مجتمع ما دام محافظًا على دينه حاميًا نفسه من الفتنة، متحملًا مسؤولية وجوده هناك، وبينت أن هنالك فرقًا بين المسلم العادي وبين الداعية الذي تقدم إلى الناس على أساس أنه داعية إلى الله ورسوله، يبلغ رسالة الله إلى الناس كما أنزلت على محمد ﷺ، يدعو الناس إلى الإيمان والـتـوحـيـد ليخرجهم من الظلمات إلى النور من عبادة العباد والأوثان والأهواء إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو، وبينت أن هنالك فرقًا بين موقف الفرد وموقف الجماعة والأمة، فإذا تنازل الفرد عن شيء من الإسلام كان الضرر أخف من تنازل الدعاة أو الجماعات.
وللإقامة في مجتمع غير مسلم شروط واضحة في الإسلام، والانتماء إلى الإسلام له معنى محدد، وقد قدمت رأيي ورأي آخرين في هذه الموضوعات في المحاضرتين، وفي رسالة لأخي الدكتور الحاج تهامي إبريز، ثم فصلت ذلك في كتابين: «التعامل مع مجتمع غير مسلم من خلال الانتماء الصادق إلى الإسلام»، و«المسلمون بين العلمانية وحقوق الإنسان الوضعية»، حتى أقدم النصيحة الخالصة لوجه الله، قائمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وعلى وعي دقيق للمجتمع الغربي الذي أقمتُ فيه وزرته كثيرًا، والذي درست فكره وفلسفته وبعض آدابه ولغاته، والذي كتبت عنه في أكثر من كتاب.
لذلك أرى من مصلحة الدعوة الإسلامية ومن ضرورات ديننا العظيم ألا تمر الأفكار التي عُرضت في مجلة المجتمع في العدد رقم (١٢٨٤) دون مناقشتها وإبداء وجهة نظر أخرى حول قضية خطيرة مثل هذه.
يقول أخي الدكتور تهامي إبريز: «وذلك غير الاجتهاد في النصوص والمصادر الإسلامية من طرف أئمة متخصصين يجمعون بين الإلمام بأصول الإسلام وأحكامه ومعرفة الواقع بدقة».
لقد احتج أخي الدكتور إبريز بهذه الحجة عندما اختلفنا في الرأي، وكذلك احتج أخ آخر معه بنفس الحجة، فسألت عن هؤلاء الأئمة فسمى اثنين، وكان أحدهما في الرياض، فعرضنا عليه الأمر أمام آخرين، وعرضنا النصوص التي وردت في المحاضرات مما ذكر طرف بسيط غير مكتمل فيما نشر في مجلة المجتمع، فأنكر ذلك العالم أن يكون قد أفتى بمثل ذلك أو أفتى بهذا الاتجاه الذي يزين العلمانية ويخفي شرورها ومساوئها، والتقينا مرة أخرى بحضور عدد من الإخوة في الرياض من أصحاب الخبرة في العمل الإسلامي، وممن أقام بالغرب ودرس فيه، فما وافق أحد على ما طرحه الدكتور إبريز ومن كان معه.
لم يكن الخلاف حول إمكانية التعايش، ولكن الخلاف كان حول النصوص التي وردت في المحاضرات من هؤلاء وهؤلاء حتى أصبح المؤتمر دعوة واضحة إلى العلمانية أكثر مما هو دراسة لقضية.
يقول الدكتور إبريز فيما نشرته مجلة المجتمع: «فالاندماج هو بالمعنى الإيجابي وليس الذوبان»، وهذا النص غامض مبهم غير محدد، ولكن أخي الدكتور كان قد حدد في إحدى محاضراته في مؤتمر سابق الاندماج الذي يدعو له بالنص التالي:
«وأعتبر أن الهيئة التمثيلية لا يمكن إلا أن تعمل من أجل إسلام منفتح ومنسجم مع المجتمع وفي لمصادره الأولى، ومندمج مع النسيج الثقافي والديني الفرنسي»، إن هذا النص يوحي بأن الاندماج هو أكثر من الذوبان، ولكنه دخول في النسيج، وأي نسيج؟ النسيج الثقافي والديني الفرنسي، وإن هذا النص متناقض كل التناقض مع النص الأول منه: «وفي لمصادره الأولى» إن المصادر الأولى للإسلام هي الكتاب والسنة، والكتاب والسنة لا يلتقيان بأي حال مع النسيج الثقافي ولا النسيج الديني الفرنسي والعلماني، فالمصادر الأولى تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 6-7).
هذا ما تقوله المصادر الأولى عن ذلك النسيج، ومن أجل التعامل يبين لنا الله -سبحانه وتعالى- القاعدة الأولى التي يجب أن ينطلق منها الداعية الذي اكتسب لقب الداعية حين نذر نفسه للدعوة إلى الله ورسوله، فلنستمع إلى آيات الله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64).
وكذلك تقول «المصادر الأولى»: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 71)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 100)، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85)، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115).
وتتوالى الآيات الكريمة لتبين موقف الإسلام من هذه الاتجاهات كلها، فكيف يلتقي هذا التوجيه الرباني مع «الاندماج مع النسيج الفرنسي الثقافي والديني» إنها مغالطة كبيرة.
ولكن الواقع الذي رأيناه يوحي بشيء من هذا «الاندماج» أو يوحي بالاتجاه إلى هذا الاندماج، فاللغة العربية كانت شبه معدومة في جميع ما ينشر من جدول أعمال، وفي الجلسات الخاصة بين بعض الدعاة العرب المسلمين حيث تسود اللغة الفرنسية، وفي القرارات في نهاية المؤتمر، لقد كانت اللغة العربية نسيًا منسيًا إلا بين من لا يعرفون الفرنسية.
والاتجاه إلى الاندماج مع النسيج الثقافي والديني كان أوضح في بعض المحاضرات التي ألقيت من بعض الدعاة العرب المسلمين، يقول أحدهم في محاضرته: «فقد أكد على عدم تناقض العلمانية مع مقاصد الشريعة الإسلامية» كيف كان هذا التأكيد ومن مقاصد الشريعة الإسلامية أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يحكم الإسلام في كل نواحي الحياة، وأن يجفف منابع الكفر والشرك والوثنية واللادينية من الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالقتال إذا لزم الأمر وبالغلظة، وبوسائل متعددة تكفي لجميع الظروف والأحوال، فهل هذه المقاصد هي مقاصد العلمانية، أو هل تلتقي معها ولا تتناقض؟
العلمانية ترجمة لكلمة «Secularism»، مأخوذة من كلمة «العلم» باللغة العربية، وهي تعني الدنيا وعالمها، وكذلك معنى الكلمة الأجنبية، والعلمانية حين تدعي أنها حيادية بالنسبة للأديان فإنها في الموقف العملي لم تكن حيادية أبدًا، فهي التي تمول الحركات التنصيرية والصهيونية، وتضيق الخناق على المسلمين في شتى أنحاء الأرض، وسجلها في ذلك حافل بالمآسي مع المسلمين والدعم الممتد للحركات الأخرى.
ويبدو أنه امتد اتجاه الدفاع عن العلمانية، حتى قال أحدهم في محاضرته ليسوع عدم التعارض بين الإسلام والعلمانية: «والإسلام يمنع الخمر، ولكن قوانين فرنسا لا تفرضه، وتعدد الزوجات تمنعه قوانين فرنسا، ولكن الإسلام لم يفرضه»، ثم استنتج من ذلك توافق الإسلام مع القوانين الفرنسية العلمانية في مغالطة مكشوفة، حيث لا يفرق بين الحلال والحرام، وبين ما أباحه الله وما حرمه، وغاب عنه أنه لا يقبل من أحد أن يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله.
ومن العجيب أن تنشر هذه المحاضرات وهذه النصوص وتوزع على عدد غير قليل، وأعجب بعد ذلك كيف يقول الدكتور إبريز فيما نشرته المجلة: «والعلمانية مبدأ يحمي المسلمين، ويعطيهم حقوقهم، فلا داعي للثورة على هذا المبدأ»، فأين المسلمون الذين حمتهم العلمانية؟ فهل هم الذين شردتهم العلمانية من فلسطين، أو ساهمت في تشريدهم، أم هم المسلمون الذي فتنتهم العلمانية عن دينهم فسقطوا في وحولها، أم الذين ذبحتهم العلمانية في مختلف ديار المسلمين على مدى تاريخ طويل؟ وأي حقوق أعطت العلمانية للمسلمين؟ العلمانية كانت مصدر فتنة واسعة للمسلمين في الغرب وفي العالم الإسلامي، ولقد ذكرت الكلمة بعض أقوال الفرنسيين بصورة موجزة، فلنسمع إلى ما قالته الباحثة الفرنسية جوسلين سيزاري في محاضرة لها في أحد هذه المؤتمرات:
«يصبح المرء قوميًا فرنسيًا حين يصبح مواطنًا فرنسيًا، وحين يقبل بقوانين معينة في المجتمع، والقاعدة الأساسية هي عدم إبراز خصوصياته حتى الدينية على ساحة المجتمع، ولا يمكن أن يكون المرء مواطنًا إلا إذا صار مشابهًا للآخرين، كل المشروع السياسي الفرنسي أسس على هذه النظرة وعلى هذا التصور، وهذا التصور لا يصلح، ويزعج المسلمين، بل إن هناك أقليات كثيرة لها خصائصها ترفض أن تعتبر مشابهة للآخرين».
إن هذه الباحثة الفرنسية تدرك أن العلمانية وقوانين فرنسا لا تصلح للمسلمين، وتكشف لنا وجود أقليات ترفض أن تكون مشابهة للآخرين، فما بال أخي الدكتور إبريز يصر على ضرورة الاندماج في النسيج الثقافي والديني الفرنسي، وأن العلمانية تحمي المسلمين وتعطيهم حقوقهم؟
عندما نخفي بعض حقائق الإسلام نخسر رضاء الله، إن الآخرين الذين يرضون تنازلنا يعرفون الإسلام، ولديهم باحثون يتحرون الدقائق ليضعوا خططهم لاستدراج المسلمين وفتنهم، أو للعدوان عليهم.
إن الإسلام يعلمنا كيف نعيش في كل مجتمع مسلم أو غير مسلم على أساس الانتماء الصادق إلى الإسلام، وإن الإقامة في مجتمع غير مسلم لا تعني مصارعة المجتمع والدخول معه في عراك وصراع قد لا يقوى عليه المسلم، ولكن لا يحل في الوقت نفسه الدخول في مجاملات على حساب الإسلام من أجل عرض من عروض الدنيا، ولا يحل التنازل عن شيء من الإسلام، ولا يحل ادعاء تقارب العلمانية والإسلام، ولكن ما دامت العلمانية تدعي أنها تعطي حرية للأديان كلها، فنطالب بحقنا في هذا القانون دون أن نصبح مدافعين عن باطل العلمانية، ودون أن نزيفها للناس فيفتنوا.
إن الإسلام أمرنا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وجاء حديث رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (۱)، فإنكار المنكر بالقلب هو أضعف الإيمان، فماذا يكون تزيين المذكر والاحتماء به والدعوة إلى عدم إنكاره؟ العلمانية مبدأ معروف محدد لا مجال لتزيينه، إنه منكر في ميزان الإسلام، وباطل تنكره النصوص الحاسمة، فلا مجال للاجتهاد والفتوى فيها، وإني أقدم هذه الكلمة الموجزة نصحًا خالصًا لله، من قلب يحب أخي الدكتور إبريز، واحرص على خيره في الدنيا والآخرة، وأرجو أن نكون كلنا يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا لإعلاء كلمة الله في الأرض، لا نتنازل ولا نساوم على حق، على درب ممتد إلى الجنة، ويوم نقف بين يدي الله لا ينفع أحد أحدًا، ولا تفيد فتوى يغير ما أنزل الله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (الدخان: 41).
إن الدرب إلى الجنة يتطلب الجد والعزيمة والصبر، وإن رحمة الله واسعة ونصره قريب: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة». (٢)، ولأهمية الموضوع وخطورته، ولأن وجهة نظر أخي الدكتور الحاج تهامي إبريز نُشِرت فأرى أنه من الضروري نشر وجهة نظر أخرى حرصًا على هذا الدين العظيم وعلى تقديم وجهة النظر الأخرى على المستوى نفسه، ليجد المسلم ما يعينه على تحري الحق الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.
اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا:
باريس - المجتمع: قدم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا خطته والتوجهات العامة له حتى سنة ٢٠٠١م، كما تم انتخاب مجلس إدارة جديد مكون من (١٥) عضوًا، جاء ذلك في إطار التقرير المفصل التقييمي لأوضاع الاتحاد والجالية الإسلامية في فرنسا.
وثمن التقرير محافظة قيادة الاتحاد على المكتسبات التي حققتها القيادات المتعاقبة وخاصة خلال السنتين الماضيتين وخصوصًا ما يتصل بتعزيز القطاعات الناجحة كقطاع العلاقات العامة والاتصالات، كما أشاد التقرير بدور المكتب التنفيذي والمجلس الاستشاري السابقين في معالجة مواطن الضعف التي كان يعاني منها الاتحاد، وتركيزهم على ضمان توفير موارد ذاتية لتغطية نفقات الاتحاد وإجراء حوار نحو إعادة هيكلته.
وجدير بالذكر أن الاتحاد تأسس سنة ۱۹۸۳م من نحو عشر جمعيات، وقد انضوي تحته الآن أكثر من مائتي جمعية، ومن أبرز أنشطته:
1 - تنظيم المخيمات والندوات والاجتماعات
2- السعي لإيجاد جريدة باللغة الفرنسية.
3- محاولة تأسيس أوقاف ومشاريع إسلامية.
الهوامش
1. عن أبي سعيد رواه أحمد ومسلم صحيح الجامع الصغير وزیادته: ط3، حديث رقم (٦٢٥٠).
رواه الترمذي عن أبي هريرة: 38/١٨/2450، وقال عنه حسن صحيح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل