; العلاقات اليمنية السعودية: نهاية حقبة التوتر | مجلة المجتمع

العنوان العلاقات اليمنية السعودية: نهاية حقبة التوتر

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1995

مشاهدات 82

نشر في العدد 1141

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 14-مارس-1995

  • اتفاق مكة نزع فتيل الانفجار وأرسى مبدأ الحوار لحل المشاكل العالقة وفتح الطريق لتنشيط العلاقات

جذبت أزمة الحدود بين اليمن والسعودية انتباه الملايين خلال شهري شعبان ورمضان الفائتين وتضاربت التوقعات حول مسار الأزمة، حتى ظن كثيرون أن مأساة عربية جديدة قادمة.

وفي ذروة التوتر الإعلامي، فاجأ اليمنيون والسعوديون العالم - في 27 رمضان الماضي - بالتوقيع على مذكرة التفاهم التي تتضمن أسسًا لحل الخلافات الحدودية بين البلدين بصورة شاملة ونهائية.

قبيل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مكة، كان يسود اليمن حالة من الترقب والتخوف بسبب تأخير الوصول إلى اتفاق، الأمر الذي عكس نفسه على استقرار العملة اليمنية التي انخفضت بصورة غير طبيعية أمام العملات الأخرى، بالإضافة إلى انتشار إشاعات عن احتمال حدوث مواجهة بين اليمن والسعودية.. وقد ساعد على ذلك اقتراب «رمضان» من نهايته، كما أن الجهات الرسمية في صنعاء والرياض لم تُصدر شيئًا رسميًا يبشر بقرب حدوث اتفاق ما.

وفي حوالي العاشرة مساء الجمعة 26 رمضان الماضي، كانت رئاسة الوزراء اليمنية تستدعي بصورة مفاجئة أعضاء مجلس الوزراء لاجتماع طارئ لقراءة مسودة مذكرة التفاهم التي توصل إليها وفدا اليمن والسعودية في مكة، ولإبداء الرأي النهائي بشأنها.

وباستثناء بعض التعديلات غير الأساسية وافق مجلس الوزراء اليمني على المذكرة، وتم إرسالها في الليلة نفسها، حيث كان يتوقع أن يتم التوقيع عليها في تلك الليلة.

وفي ليلة 27 رمضان، كانت الأخبار السارة تتوالى واحدة بعد الأخرى، ولا سيما أن ما دار في حفل التوقيع نزل بردًا وسلامًا على قلوب أبناء الشعبين: اليمني والسعودي.. فقد فاقت نصوص المذكرة التوقعات المتفائلة.. ولا سيما فيما يختص العلاقات الثنائية.. كما أضفت كلمة وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز أجواء من الارتياح بددت كثيرًا من مشاعر القلق والشك التي نمت خلال أيام الأزمة.

ويمكن القول: إن أبرز ما حققته مذكرة التفاهم هو نزع فتيل الانفجار الذي كاد أن يحدث، وخاصة مع حشد القوات المسلحة على جانبي الحدود بصورة غير مألوفة منذ سنوات طويلة.

كما أرست مذكرة التفاهم مبدأ الحوار لحل المشاكل العالقة مثل ترسيم الحدود الشمالية - الشرقية وبحث سبل إعادة تنشيط العلاقات الثنائية التي ظلت متميزة بين اليمن والسعودية حتى حدوث أزمة الخليج الثانية.

عودة للتاريخ

ظلت الحدود اليمنية السعودية تشكل محورًا هامًا في العلاقات الثنائية بين البلدين، بسبب تعذر التوصل إلى اتفاق ثنائي يحسم الأمر بصورة نهائية، نظرًا لواقع التشطير والتجزئة الذي كان يسود اليمن ويقسمه إلى بلدين يحكم كل شطر منهما نظام سياسي وعقائدي واقتصادي مختلف عن الآخر.

وطوال فترة ما قبل تحقيق الوحدة اليمنية في مايو 1990م، ظل الاشتراكيون في «عدن» يزايدون على زملائهم في «صنعاء» بشأن قضية الحدود، ويعدون أن اتفاقًا نهائيًا لا يمكن أن يتم إلا بعد توحيد شطري اليمن في دولة واحدة.

وليس سرًًا أن شخصيتين بارزتين في صنعاء لقيتا حتفهما بسبب إعلانهما عن اعتبار معاهدة الطائف (1934م) نهائية في رسم الحدود بين البلدين، حيث نفذ إرهابيون موالون لنظام الحزب الاشتراكي في «عدن» عمليتي اغتيال طالت القاضي عبد الله الحجري - رئيس وزراء سابق -، ومحمد أحمد النعمان - وزير خارجية سابق - في كل من لندن، وبيروت على التوالي.

وبعد تحقيق الوحدة اليمنية، أعلنت أول حكومة يمنية عن رغبتها في الدخول في مفاوضات مع السعودية لإنهاء مشكلة الحدود، لكن انفجار أزمة الخليج الثانية بعد سبعين يومًا من توحيد اليمنين أجل اجتماع ممثلي البلدين فترة طويلة حتى أمكن إجراء عدة لقاءات لبدء الحوار.

وبعد انتهاء الفتنة الأخيرة التي شهدتها اليمن، احتاج الأمر إلى عدة شهور أخرى حتى تستقر الأوضاع داخل اليمن بشكل نهائي، قبل أن يبدأ الطرفان في تناول الأمر بصورة جدية.

ورغم أن الأزمة الأخيرة كانت أكثر سخونة من مثيلاتها، إلا أن «الرياض» و«صنعاء» كانتا حريصتين على إبقاء نافذة مفتوحة للتواصل الأخوي ولتفويت الفرصة على الذين يسعون لاستثمار الأزمة.. كما لم تنقطع الوفود عن زيارة عاصمتي البلدين لنقل الرسائل بين الملك فهد والرئيس علي عبد الله صالح.

الجولة الأخيرة

في الثلث الأخير من شعبان الماضي، كان وفد يمني رفيع المستوى يصل إلى الرياض للتباحث حول حل نهائي للمشاكل العالقة بين اليمن والسعودية.

رأس الوفد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر - رئيس مجلس النواب اليمني، وأحد مفاتيح السياسة اليمنية الداخلية، وصاحب أعلى الأصوات التي ظلت تنادي بأهمية العلاقات اليمنية الخليجية، وبخاصة مع المملكة العربية السعودية.

وبعد حوالي 40 يومًا من الحوار والمباحثات والحرب الإعلامية الخارجية، توصل الطرفان: اليمني والسعودي إلى اتفاق يحدد أسس تطبيع العلاقات الثنائية ويهيئ الفرصة لحسم مشكلة الحدود بصورة نهائية بإذن الله تعالى، ويقدم نموذجًا راقيًا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات بين بلدين عربيين حين حدوث أزمة طارئة بينهما.

اشتملت مذكرة التفاهم على عدة فقرات هامة، كان أبرزها: التعامل مع معاهدة الطائف باعتبارها منظومة متكاملة، بمعنى ألا يقتصر دورها على ترسيم الحدود فقط.

كما تم الاتفاق على تشكيل أربع لجان، تختص واحدة منها بالعلاقات الثنائية بين البلدين، فيما تختص اللجان الثلاث الأخرى بالحدود: البحرية - حدود اتفاقية الطائف - الحدود الشمالية الشرقية.

وبكل المقاييس، فقد كان إعلان اتفاق مكة حدثًا عربيًا وعالميًا، بالإضافة إلى تأثيراته المحلية في كل من اليمن والسعودية على السواء.

وكما لاقى الاتفاق ترحيبًا شعبيًا قويًا داخل اليمن والسعودية، فقد كانت ردود الفعل العربي ممتازة، وعكست القلق الذي كان يسود الأوساط العربية، ولاسيما تلك الردود الطيبة التي أعلنتها دول مجلس التعاون الخليجي.

أما على المستوى الداخلي في اليمن، فقد برزت ظاهرة شاذة تفردت بها بعض أحزاب المعارضة الموالية للحزب الاشتراكي اليمني، إذ أصدرت تعليقات صحفية هاجمت الاتفاق والمباحثات نفسها باعتبارها خيانة وطنية، رغم أن تلك الأحزاب سبق لها أن أصدرت بيانًا يطالب باعتماد اتفاقية الطائف (1934) كأساس للحل ويدعو إلى الحوار لحل الخلافات الحدودية.

ويفسر المتابعون لأحوال السياسة اليمنية الداخلية تلك المواقف المتناقضة بأن بعض أحزاب المعارضة كانت تظن أن الحكومة اليمنية مندفعة لتسخين أزمة الحدود لتغطية الأزمة الاقتصادية وإلهاء المواطنين، ولذلك سعت المعارضة لإظهار مواقفها الداعية إلى الحوار والعقلانية، فلما اتضح أن اليمن يسعى بجد لحل الأزمة بصورة نهائية أسقط في يد المعارضة واضطرت للجوء إلى المزايدات السياسية ولاسيما بعد بروز الدور الذي قام به الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر - زعيم التجمع اليمني للإصلاح - الخصم اللدود للمعارضة العلمانية والشيعية.

مستقبل العلاقات اليمنية السعودية

يعلم اليمنيون والسعوديون أن بلديهما قد تمكنا من تجاوز مرحلة خطيرة من تاريخ العلاقات المشتركة بينهما، لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر احتياجًا للنيات الطيبة واستثمار قوة الدفع المتولدة من اتفاق «مكة» للإسراع بتنفيذ بنود الاتفاق.

ولن نكون متشائمين إذا قلنا إن بعض مراحل المباحثات المتوقعة ستكون شاقة، لكن أمانة المسؤولية وعلاقات الأخوة العربية ستكون أهم عامل يتوقع أن يعمل على تقريب وجهات النظر ضمن قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار».

ويبقى أن الأشقاء العرب مدعوون بقوة ليكونوا عاملًا مساعدًا على تجاوز عقبات التفاوض المتوقعة، فكل خير لليمن والسعودية يعود بآثاره على سائر العرب، وكل شر يصيب اليمن والسعودية سيلقي بآثاره السيئة على الجميع.

الرابط المختصر :