; الاقتصاد اليمني ومحاولات الخروج من عنق الزجاجة | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصاد اليمني ومحاولات الخروج من عنق الزجاجة

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 72

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

صنعاء: مالك الحمادي مثلما يحدث في سائر البلدان، تكاد الأزمة الاقتصادية تطغى على اهتمام الناس في اليمن، فيما ينتظر الجميع بقلق واضح المرحلة الثالثة من برنامج الإصلاح الاقتصادي، والتي يتداول اليمنيون عنها أنباء مفزعة حول الإصلاحات السعرية التي تختص بالمواد الأساسية والخدمات العامة.

وفي العادة، فإن الأسابيع الأخيرة من كل عام تشهد طغيان أنباء البرنامج الاقتصادي إذ تضطر الحكومة مع إعلان ميزانية العام الجديد إلى الإعلان عن إصلاحات سعرية جديدة؟ إلا أن العام الجديد القادم يتميز بأنه عام الانتخابات العامة التي يستبعد كثيرون أن يسبقها إعلان إجراءات اقتصادية قاسية، تقضي على ما بقي من شعبية للسلطة!

 عند إعلان دولة الوحدة اليمنية في مايو ١٩٩٠، كان الاقتصاد هو الهم المشترك للنظامين السابقين، مع اختلاف نسبة التدهور لصالح الوضع في المناطق الشمالية التي كانت تستفيد من مزايا القطاع الخاص، وقلة اعتماد المواطنين على الدولة، مع وجود إنتاج نفطي خفف من آثار الأزمة الاقتصادية التي أعلن عنها في خريف ۱۹۸۲.

 وفي الجانب الآخر، بدأ الوضع الاقتصادي للدولة الماركسية في عدن على حافة الانهيار، بعد تجربة اشتراكية فاشلة أورثت البلد تخلفًا مربعًا حتى بالقياس للوضع في الشطر الآخر من اليمن أما أبرز مظاهر تلك الأزمة، فهي ديون عسكرية ببضعة مليارات من الدولارات وعمالة هائلة لا تتناسب إطلاقًا مع حقيقة عدد السكان ولا النشاط الاقتصادي!.

 وقبل أن يستيقظ اليمنيون  من الفرحة المنتشية بتحقيق وحدة بلادهم ألقت أزمة الخليج الثانية باستحقاقاتها على اليمن، مثل سائر بلاد المنطقة، لكن الضربة في الاتجاه اليمني صادقت جسدًا متهالكًا مثقلًا بأزمة متوقعة أصلًا بسبب الإرث الثقيل للماضي.

 وطوال سنوات ما بعد الوحدة, كان الاقتصاد والضحية الأولى لدورات التأزم السياسي وعملية الانتقال المفاجئة إلى اقتصاد السوق, واندماج اقتصادين متناقضين في شكل جديد لم تسمح الظروف السياسية والاجتماعية لنجاح اندماجهما ومع كل ذلك فقد ظلت شعارات إصلاح الأوضاع لا تقدم من يرفعها ويزايد بها في معمعة الصراع السياسي لكن الجميع كانوا عاجزين عن صنع شيء ما، وهم يرون تدهور الأوضاع المعيشية وحالة القلق التي اتسم بها الوضع الشعبي، حيث كانت المظاهرات والإضرابات وقطع الطرق تتوالى هنا أو هناك للتعبير عن مواقف ومطالب أحيانًا بدفع من القوى المتصارعة وأحيانًا بفعل طبيعي!

 وبعد نهاية حرب صيف ١٩٩٤م، وتوثيق التحالف الحكومي الثنائي بين المؤتمر الشعبي العام والإصلاح ثم بعد هناك مبرر مقبول لتأجيل إطلاق برنامج جاد الإصلاح الوضع الاقتصادي، ولا سيما أن النكوص عن ذلك كان معناه مزيدًا من تدهور الأوضاع في البلد الذي أضافت إليه الحرب الأهلية كمًا جديدًا من المشاكل!

 كان الجديد في اليمن بعد الحرب الأهلية, هو انقضاء عهد توازن الرعب بين الحزبين الكبيرين «المؤتمر والاشتراكي» وتوحد الإرادة السياسية لليمن للمرة الأولى مما يعني توفر فرصة حقيقية للبدء في برنامج إصلاح حقيقي يطول كل المعوجات المشهورة، ولا سيما تلك المعروفة بالفساد الإداري والمالي.

 وفي داخل الائتلاف الجديد برزت نقطة خلاف حقيقية تتعلق بارتباط الإصلاحات المالية بالإصلاحات الإدارية بعد أن صار واضحًا أن غول الفساد سيعمل على إفشال أي محاولة للإصلاح الاقتصادي، بحيث نقل معاناة الشعب مستمرة، دون أن تظهر بوادر أمل في تحسن مستقبلي.

 وبالنسبة للتيار الإسلامي، فقد كان واضحًا أن أي محاولة لتجاهل ضرورة إصلاح الإدارة، معناه الدخول في متاهة مجهولة تهدد مصداقيته الشعبية، وتفقده جزءً من شعبيته بينما الطرف الآخر، بإمكانيات الدولة التي يسيطر عليها، قادر على الحفاظ على مواقعه التي لا تعتمد كثيرًا على السياسات والمواقف!

 وعلى الرغم من أن الإسلاميين نجحوا نظريًا في ربط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاحات الإدارية، لكن واقع المرحلتين الأولى والثانية من البرنامج، أكد أن الإصلاح الإداري والقضاء على الفساد، ظل عملية سياسية لم يلمس المواطنون شيئًا منها في أرض الواقع.

 ولا يعني ذلك أن البرنامج الاقتصادي فشل تمامًا فهناك مظاهر إيجابية مثل، وقف تدهور العملة الوطنية، وتثبيت سعرها بالنسبة للعملات الأجنبية، وهو أمر تعده الحكومة نصرًا مؤزرًا، لكن المعارضين يؤكدون أنه مجرد أمر زمني بسبب تضييق الحكومة على السيولة المالية ورفع نسبة الفائدة البنكية. 

وفي المقابل, فإن البلد تعاني حالة كساد واضحة, وتدهورًا في مستوى المعيشة للفئات المتوسطة والفقيرة!.

الجرعة المخيفة

في ظل هذه الأجواء، ومع اقتراب موعد إعلان الميزانية الجديدة، فإن الحديث حول الجرعة الثالثة وموعدها ما يزال بعيدًا عن اليقين، فالحكومة كانت قد أعلنت أن مدة المرحلة الثانية ستكون (١٥) شهرًا تنتهي في منتصف ١٩٩٧م، لكن مصادر المعارضة تؤكد بين الحين والآخر أن الحكومة سوف تواصل رفع الدعم عن المواد الغذائية الأساسية، والخدمات العامة في بداية ١٩٩٧م, طبقًا لشروط البنك الدولي الذي وعد بتسهيل منح قروض لليمن تمكنها من تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي.

 على المستوى الشعبي يطلق اليمنيون أسماء شتى على المرحلة الثالثة المتوقعة من برنامج الإصلاح الاقتصادي، وخاصة أنهم تعودوا على أن أي إصلاح معناه مزيدًا من تدهور المعيشة وارتفاع الأسعار التي تمس غذاءهم الأساسي الذي يتمثل في: القمح والدقيق، إضافة إلى ارتفاع أسعار الخدمات كالكهرباء والمياه والمواصلات وعليه، فإن المواطنين لم يقتنعوا حتى الآن بجدية عملية محاربة الفساد المالي والإداري، فلم يتم تقديم أي شخص للمحاكمة، فيما تحولت بعض الإجراءات إلى مصدر للتندر بعدما اقتصرت على تبادل المناصب والمراكز بين  المسؤولين.

والواقع أن صورة الاقتصاد اليمني تختلط فيه عوامل القوة مع عوامل الضعف، فعلى الرغم السوداوية التي تطبع الصورة، إلا أن هناك إيجابيات تتمثل في أن اليمن ما تزال بكرًا موعودة في مجال الزراعة والثروة السمكية والنفط والغاز، ولعل مداخيل النفط هي التي ما تزال تخفف من حالة العسر الذي يعاني منه الاقتصاد، بالإضافة إلى وجود قطاع خاص نشيط قادر على اقتحام مجالات استثمارية مفيدة، كذلك يمكن القول إن الفترة الأخيرة شهدت ظهور أنماط اقتصادية جديدة مثل المصارف الإسلامية والشركات المساهمة، وهي رغم أنها ماتزال في طور التأسيس، إلا أنها قوبلت باهتمام شعبي كبير، ويتوقع أن تعمل على ضخ دماء جديدة في شرايين الاقتصاد اليمني، كما أنها تخفف من اعتماد الاقتصاد على الدولة!

 وأخيرًا، فإن هناك قناعة بأن الاقتصاد اليمني، إذا تمكن من تجاوز عقبات الاختلال الإداري، فإنه قادر على التغلب على عوامل الضعف فيه، ثم الانطلاق نحو آفاق جديدة، وبشرط ألا يدفع ثمن الخلافات بين فرقاء السياسة اليمنية.

الرابط المختصر :