العنوان العلاقات اليمنية الأمريكية في مأزق «كول» واليهود اليمنيين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1458
نشر في الصفحة 33
السبت 07-يوليو-2001
ما يزال حادث تفجير المدمرة الأمريكية «كول» في ميناء عدن اليمني يوم 12 أكتوبر 2000م يلقي بظلاله على العلاقات اليمنية الأمريكية التي كان الطرفان يظنان أنها قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التعاون ولا سيما العسكري قبل أن يهز انفجار «كول» عددًا من المسلمات التي بدا أنها استقرت.
وعلى الرغم من أن الزيارة المرتقبة للرئيس اليمني علي عبد الله صالح للولايات المتحدة لم تزل قائمة رسميًّا وفق تصريحات السفيرة الأمريكية في صنعاء، إلا أن الشائع في اليمن أن الزيارة تم تأجيلها من قبل الأمريكان ما دفع اليمنيين إلى إلغاء مناورة عسكرية مشتركة بين قوات يمنية وأمريكية.
ثم تلا ذلك إعلان الخارجية الأمريكية إغلاق القسم القنصلي في سفارتها وتخفيض عدد الدبلوماسيين العاملين فيها ونصح رعايا الولايات المتحدة بعدم البقاء في اليمن أو السفر إليها، وفيما كانت اللقاءات اليمنية الأمريكية تتسارع في صنعاء لكي لا تأخذ القرارات أبعادًا أكثر سلبية أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالية سحب المحققين التابعين له والمتواجدين في اليمن بصورة مفاجئة.
الجانبان: اليمني والأمريكي حاولا عدم الانجرار وراء التأويلات الصحفية التي فسرت ما يجري بأنه تدهور مفاجئ في العلاقات الثنائية بينهما.. وحرص كل طرف على القول بأن ما جرى كان نتيجة احترازات أمنية وقائية أعاد الأمريكيون سببها إلى تلقيهم تهديدات جدية فيما فسرها اليمنيون بأنها بسبب خوف الأمريكيين من أعمال انتقام توقعوا حدوثها بعد صدور الأحكام في قضية تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام.
لكن في كل الأحوال تبقى حادثة «كول» هي ما لا يمكن تجاهله في التطورات الأخيرة.. فقد ظهر خلال الفترة الماضية أن ثمة خلافًا بين صنعاء وواشنطن حول طبيعة التعامل مع التحقيقات الجارية منذ شهور طويلة مع المتهمين بتدبير حادثة «كول». فالجانب اليمني يصر على أن التحقيقات المطلوبة قد تمت ولا يبقى إلا إحالة المتهمين للقضاء، لكن الجانب الأمريكي يرفض هذا الأمر وتدخل أكثر من مرة لدى اليمنيين لإيقاف تحويل القضية للقضاء.. كما يصرون على أن هناك ضرورة لإجراء تحقيقات مع عدد من المسئولين اليمنيين الذين وردت أسماؤهم في التحقيقات مع المقبوض عليهم.. لكن يبدو أن ذلك أمر يثير غضب اليمنيين وخاصة أن ورود الأسماء لا يعني اتهامهم بشيء محدد.. ومن المؤكد أن الجانب الأمريكي وجد أنه لا توجد دلائل يستطيع بها أن يوجه اتهامًا واضحًا ضد المنفذين وخاصة أسامة بن لابن.. فمنفذا العملية قُتلا في الحادث نفسه.. والرؤوس الكبيرة سبق لها مغادرة اليمن - كما تؤكد المعلومات- قبل الحادث ولم يبق إلا أشخاص قدموا خدمات أو تسهیلات دون قصد أو معرفة بالهدف الحقيقي لها!.. وربما ظن المحققون الأمريكيون أن التحقيق مع المسئولين الذين وردت أسماؤهم ربما يفتح لهم بابا للوصول إلى ما يريدون أو على الأقل يعوضهم عن الفشل في الوصول إلى المنفذين الحقيقيين!
الخطوات الأمريكية كانت حديث الوسط السياسي اليمني.. وعكست صحف المعارضة كلها تعاطفًا مع موقف الحكومة اليمنية، كما أن الرأي العام اليمني نفسه ما يزال يحمل شحنات غضب ضد الولايات المتحدة بسبب موقفها المنحاز للكيان الصهيوني وموقعها العدائي لانتفاضة الأقصى المستمرة منذ نهاية سبتمبر الماضي..
ولا شك أن التطورات السلبية التي تشهدها العلاقات اليمنية الأمريكية لا ترضي فريقًا رئيسيًّا في الحزب الحاكم يشار إليه -عادة - باسم اللوبي المساند لتقوية العلاقات مع واشنطن.. وهو تيار يمثله عدد من الوزراء والمستشارين وفي مقدمتهم د. عبد الكريم الإرياني رئيس الوزراء السابق وأمين عام حزب المؤتمر الشعبي الحاكم.
ولا حظ مراقبون أن صحيفة الحزب الحاكم شنت الأسبوع الماضي هجومًا حادًّا ضد تيار الإصلاح الإسلامي بسبب مقال نشر في صحيفة (الصحوة) الإسلامية وتضمن تحليلاً عن التطورات الأخيرة وأسباب التوتر في العلاقات بين صنعاء وواشنطن.. واعتبرت صحيفة الحزب الحاكم في مقال افتتاحي لها أن ما ينشره «الإصلاح» هو محاولة للكيد ضد العلاقات مع الولايات المتحدة التي تحكمها مصالح مشتركة أكبر من أي أزمة وفق تعبير الصحيفة.
ويبدو أن أشد ما ألمّ بعض رموز الحزب الحاكم هو ما جاء في (الصحوة) من أن مستوى المساعدات الأمريكية لليمن لا يتناسب إطلاقًا مع الأهمية التي تعطى للعلاقات مع واشنطن في الوقت الذي دعمت الولايات المتحدة من تعاونها «عسكريًّا» مع اليمن حتى صارت زيارة قيادات عسكرية أمريكية لليمن أمرًا دوريًّا، كما كان الطموح الأمريكي واضحًا في الاستفادة من الميزات الإستراتيجية التي يوفرها موقع اليمن على المحيط الهندي والبحر الأحمر وطريق النفط العالي المتجه نحو أوربا.
وتداولت الصحافة أنباء وتقارير عن رغبة الأمريكيين في الحصول على قاعدة عسكرية في جزيرة «سقطرى» لكنها لم تتأكد وبدت كأنها بالونات اختبار تطلق لجس نبض الرأي العام أو تسريبات من جهات معارضة بغرض المكايدة والتشهير السياسي! ومع ذلك فإن قاعدة عسكرية، أو مناطق ثابتة لخزن الوقود والمعدات والذخائر سوف يظل هدفًا دائمًا ومطلبًا أمريكيًّا ببحث عن ثغرة أو مبرر.
المصادر اليمنية تعلن -عبر الصحافة- أن هناك أسبابًا للإجراءات الأمريكية الأخيرة غير تلك المتعلقة بالحذر من عمليات إرهابية ضد السفارة الأمريكية ورعايا الولايات المتحدة الأمريكية، وتحدد أسبابًا أخرى مثل الموقف اليمني الرسمي المؤيد للانتفاضة وكذلك الموقف اليمني الرافض لإعادة فتح باب الزيارة لأفواج اليهود اليمنيين أو غير اليمنيين الذين كانوا قد حصلوا على تصريحات بالإذن بزيارة اليمن تحت ستار العودة إلى مناطق اليهود من أصل يعني...
لكن الأمر تحول إلى السماح لكل يهودي- ولو كان من داخل فلسطين المحتلة- بزيارة تحت ستار الأفواج السياحية؛ وهو ما أثار ضجة كبيرة في العام الماضي وسبب إحراجًا للنظام في صنعاء جعلها تقفل الباب نهائيًّا دون تفريق بين اليهود.. ولا شك أن الموقف اليمني لا يرضي الولايات المتحدة التي جعلت من صلب مهام سياستها في اليمن تليين سياسته للسير نحو عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني.
ومع أن الحالة الراهنة للعلاقات اليمنية الأمريكية ليست طبيعية.. إلا أن ذلك لا يعني أنها لن تعود إلى مستواها الأول... وفي كل الأحوال سوف يبقى كل طرف يحمل انطباعًا عن أن الآخر لا يأبه - في بعض القضايا - أن يراعي مصلحة الآخر طالما أنها تسبب له مشاكل ولذلك فالعلاقات ستكون علاقات صداقة ممزوجة بشيء كثير من الحذر وشيء ما من عدم الثقة.