; اليمن.. ما بعد مؤتمر «لندن» وما قبل مؤتمر «الرياض» | مجلة المجتمع

العنوان اليمن.. ما بعد مؤتمر «لندن» وما قبل مؤتمر «الرياض»

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010

مشاهدات 60

نشر في العدد 1891

نشر في الصفحة 22

السبت 27-فبراير-2010

  • النظام يكشف أوراقه.. وقرار دولي غير معلن بإيقاف حرب «صعدة»
  • حرب صعدة السادسة خرجت عن إطارها المحلي فأصبحت مشكلة إقليمية أكثر منها يمنية. 
  • لا ضمانات حقيقية لعدم تجدّد المعارك.. والمسألة متوقفة على ما يدفعه المانحون.
  • مدير الـ (CIA): حكومة صنعاء ربّما لا تكون حليفا قويا ضد «القاعدة» مثلما يعتقد المسؤولون الأمريكيون.

مسارعة الحكومة اليمنية إلى إغلاق ملف حرب «صعدة» (السادسة)؛ وفقا للنقاط الست التي كانت عرضتها سابقا على المتمردين الحوثيين وقبلوها مؤخرًا، يعد إحدى نتائج مؤتمر «لندن» الذي عُقد أواخر يناير الماضي برعاية أمريكية بريطانية مشتركة؛ للتباحث حول الأوضاع اليمنية المتأزمة، بما فيها التحديات الأمنية التي تواجهها حكومة «صنعاء» وحلفاؤها الدوليون والإقليميون؛ بسبب تحول اليمن إلى «وجهة عالمية للإرهاب الدولي»، بحسب المزاعم الغربية.

طيلة ستة أشهر مضت منذ اندلاع الحرب السادسة مع الحوثيين في مطلع أغسطس عام ۲۰۰۹م، ظلت الحكومة اليمنية تتحدث عن حسم وشيك للمعركة، ونهاية مؤكدة لفلول التمرد الحوثية، وبقيت ترفض بإصرار كل الدعوات الموجهة لها من قبل أحزاب «اللقاء المشترك» (المعارضة) لحل الأزمة عبر الحوار والتفاهم بل واعتبرت مثل تلك الدعوات مساندة سياسية واصطفافًا إلى جانب الحوثيين.. لكن بعد مؤتمر «لندن»، تغيّر الموقف الرسمي وتحول بمقدار ۱۸۰ درجة؛ باتجاه القبول بالحوار، والجنوح للسلم والوفاق الذي صار اليوم ضرورة وطنية ومصلحة عليا للبلد.

أهداف الحرب
من الناحية الفعلية فقد حققت حرب صعدة أهدافها، وأثارت مخاوف حلفاء النظام داخل الإقليم وخارجه، الذين تداعوا لتقديم الدعم له لإنقاذه من كارثة الفشل والسقوط الوشيك الذي تنبؤوا به وحذروا منه، كما أن الحرب نفسها خرجت في نسختها السادسة عن إطارها المحلي لتكتسب بعدًا آخر جعل منها مشكلة إقليمية أكثر منها مشكلة يمنية وبالتالي صار يتعين على الجوار اليمني أن يساهم في سداد فاتورة تلك الحرب إذا كان حريصا على عدم وصول شررها إليه مرة أخرى، وهذا ما يؤمله نظام صنعاء عبر مؤتمر الرياض المقرر عقده يومي السابع والعشرين والثامن والعشرين من فبراير الجاري. 
وعلى هذا الأساس، كانت الحكومة اليمنية حريصة جدًا على الوصول إلى موعد هذا المؤتمر، وقد انتهت بشكل كامل من طي ملف صعدة وإغلاقه؛ لإقناع الداعمين بأن الوقت قد حان لضخ أموالهم لإعادة إعمار اليمن وتحريك عجلة التنمية، كي يستعيد البلد أنفاسه ويتفرغ من ثم لحرب «الإرهاب» بحسب مقررات مؤتمر لندن.. فالحكومة اليمنية تعتبر نفسها خط الدفاع الأول عن مصالح جيرانها وحلفائها الدوليين في مواجهة «الإرهاب»، وهو ما يتطلب بالتالي إسهامهم في تأمين مصالحهم تلك. 
وفي واقع الأمر، ليس ثمة ضمانات حقيقية لعدم تجدد المعارك مرة أخرى في صعدة، فالنقاط الست التي من خلالها تم الاتفاق على وقف المواجهات لا تفي بتلك الضمانات، ولا تعني بالضرورة انتصار طرف على آخر أو فرض شروطه عليه بقدر ما تعني قبول طرفي الحرب الدخول في هدنة عبر تعليق العمليات العسكرية، وتجميد ملف الأزمة وترحيلها إلى أجل غير مسمى.. وتبقى المسألة متوقفة على «كم سيدفع المانحون؟ وما حجم دفاتر شيكاتهم؟».
ويبدو أن قرار وقف الحرب لا يحظى بإجماع كل دوائر القرار داخل السلطة، فقد اعتبر قائد قوات الأمن المركزي العميد «يحيى محمد عبد الله صالح» - ابن الشقيق الأكبر للرئيس صالح - شروط الحكومة لوقف الحرب ضعيفة، وقال: إن «أي مصالحة مع الحوثي تعد تفريطًا في الوطن»، متوقعًا - في الوقت نفسه – اندلاع حرب «سابعة». 
وعلى الجبهة الجنوبية، قال مسؤولون يمنيون: إن حوارات غير معلنة تجري مع بعض قادة الحراك الجنوبي للتوصل إلى حل بشأن القضية الجنوبية ومطالب أبناء الجنوب، وتأتي هذه المباحثات كاستجابة أخرى لتوصيات مؤتمر لندن.
وفي هذا الاتجاه قال المتحدث باسم الحكومة البريطانية في تصريحات صحفية: «نحن نعتقد أنه من الممكن حل المشكلات بين الجنوب والشمال عن طريق المفاوضات وندعو الجانبين إلى إجراء حوار جاد للتوصل إلى حلول مقبولة من الطرفين».

آخر المكاسب السياسية
اشترط زعيم التمرد «عبد الملك الحوثي» مشاركة أحزاب المشترك (المعارضة) في لجان الإشراف على تنفيذ البنود الستة، بما في ذلك: وقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب في صعدة.. لكنه ذهب أبعد من ذلك، حينما أعلن عن رغبته في التحالف مع أحزاب «المشترك (المعارضة) في المرحلة القادمة، وهي خطوة فسرت من قبل الكثيرين بأنها تجيء ضمن سياسة ولعبة خلط الأوراق، ومحاولة التعمية والتمويه على طبيعة التحالفات الحقيقية القائمة بالفعل بين مختلف الأطراف في دائرة الصراع والأزمة. بالإضافة إلى صرف اهتمام الرأي العام اليمني عن الإخفاق الذي منيت به السلطة في مواجهة التمرد والخسائر الكبيرة التي تكبدتها البلاد جراء توريطها في حروب لا معنى لها، عدا أنها تخدم مصالح شخصية وحزبية خاصة. 
وسواء أقصد «الحوثي» أم لم يقصد، فإن خطوته تلك - باتجاه التحالف مع «المشترك» - تصب في نهاية المطاف في جيب السلطة، التي ستجدها فرصة سانحة لتفصيل عباءة الحوثيين على «المشترك»؛ بقصد تنفير الشارع منه.. وحين تكون البلاد مقدمة على انتخابات برلمانية قريبة، فإن السلطة ستبدو ساعتها كما لو أنها حققت مكاسب سياسية في رصيدها الانتخابي.. وقد ذهب آخرون إلى القول: إن جماعة «الحوثي» قررت نقل معركتها مع السلطة إلى المواجهة السياسية بدلًا من المواجهة العسكرية.

القبضة الأمنية الأمريكية
كان من نتائج مؤتمر لندن أن عززت الولايات المتحدة من قواتها في اليمن بعناصر قتالية من القوات الخاصة، ومدربين، وعناصر من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) وبحسب المصادر، فقد وصل قوام القوات الأمريكية في اليمن إلى ٥٠٠ جندي، وتقوم هذه القوات بزيارات استطلاعية إلى عدد من المحافظات برفقة القوات اليمنية وفق اتفاق بين صنعاء وواشنطن لمكافحة الإرهاب. 
كما أن التعزيزات الأمريكية الأخيرة شملت أيضا طائرات أمريكية بدون طيار لتنفيذ مهام خاصة بالمراقبة والاستهداف وتشرف الولايات المتحدة على تدريب قوات مكافحة الإرهاب اليمنية وخفر السواحل وقوات الأمن والاستخبارات والعمليات الخاصة والاستطلاعات الجوية وتقدم للحكومة اليمنية مساعدات عسكرية و«لوجستية» وصورًا عبر الأقمار الاصطناعية وخرائط ثلاثية الأبعاد.
لكن برغم ما أبدته الحكومة اليمنية من تعاون أمني لا محدود مع الجانب الأمريكي، إلا أن هذا الأخير مازال يطمح بالكثير ويمارس المزيد من الضغوط لإجبار الجانب اليمني على تقديم المزيد من التنازلات والتسهيلات لنشاطه الأمني المتعاظم في اليمن.
وفي هذا السياق، قال «ليون بانيتا» مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في جلسة استجواب بمجلس الشيوخ الأمريكي: إن الولايات المتحدة تساعد حكومة اليمن ضد الإرهاب وتقدم لها مساعدات عسكرية ولوجستية»، إلا أن الـ (CIA) تعتقد أن حكومة اليمن ربما لا تكون حليفًا قويًا ضد تنظيم القاعدة مثلما يعتقد المسؤولون الأمريكيون. 

كبش فداء! 
وقد أخذت الحكومة اليمنية تستشعر تلك الضغوط المسلطة عليها في الجانب الأمني تحديدًا من قبل حلفائها، وهو ما تطلب منها أن تكون أكثر شفافية في قضايا كهذه لتعزيز ثقتهم بها ولضمان استمرار دعمهم لها.
وفي هذا السياق قدمت الحكومة ما يمكن تسميته بكبش الفداء لإنقاذ سمعتها ومحاولة التنصل من تهمة التواطؤ مع القاعدة، حيث اعترف مسؤولون يمنيون بارزون بأن مسؤولين من جهاز الأمن السياسي متعاطفين مع تنظيم القاعدة ساعدوا على هروب عناصر من القاعدة من سجن الأمن السياسي بصنعاء في فبراير ٢٠٠٦م. وقال عبد الكريم الإرياني، رئيس الوزراء اليمني الأسبق والمستشار السياسي الحالي للرئيس اليمني علي عبد الله صالح: «لم يكن هذا ليحدث من دون مساعدة أشخاص نافذين من داخل جهاز الأمن السياسي».
ويبدو أن الضغوط الشديدة التي مورست على النظام من قبل حلفائه أجبرته على كشف بعض من أوراق علاقاته الغامضة بتنظيم القاعدة، لكنه حاول التنصل من تلك العلاقة ورميها على كاهل بعض ضباط جهاز الأمن السياسي الذي من المتوقع أن تبادر السلطة إلى حله لإثبات براءتها من تهمة التواطؤ مع القاعدة، بعدما استكملت بناء جهاز الأمن القومي (المخابرات) تحت إشراف الخبرات الأمريكية. 
ومن المؤكد أن الأيام القادمة ستكشف المزيد من أسرار تلك العلاقة، وستضع النظام وجهًا لوجه أمام حلفائه الذين طالما دفعوا له الأموال لينخرط في الحرب على ما يسمى بـ«الإرهاب»، فيما هو منخرط في لعبة من نوع آخر!

الرابط المختصر :