; العثمانيون ما زالوا محط الدراسة بعد ٧٠ عامًا على انهيار إمبراطوريتهم | مجلة المجتمع

العنوان العثمانيون ما زالوا محط الدراسة بعد ٧٠ عامًا على انهيار إمبراطوريتهم

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

مشاهدات 58

نشر في العدد 1319

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 29-سبتمبر-1998

المجتمع الثقافي 

النظرة إليهم متأثرة بالحقد والتشكك ومحاولات الإلغاء

لندن: المجتمع

عمرت الإمبراطورية العثمانية أكثر من خمسمائة عام، ومنذ وفاة السلطان سليمان القانوني، حتى إنشاء تركيا الحديثة، بعد إلغاء الخلافة في عام ١٩٢٤م، فإن الدولة العثمانية جمعت في أطرافها العديدة، أعراقًا وأجناسًا، وثقافات مختلفة، إذ امتدت من إسطنبول إلى مكة والقاهرة والقدس وسراييفو وبوخارست وغيرها من الدول الأوروبية.

وتعرضت الدولة العثمانية في تاريخها للعديد من أشكال التغيير فالانحدار، ثم الانهيار الذي تم على يد القوميين الأتراك من أعضاء حزب الاتحاد والترقي.

وظلت الدولة العثمانية في كثير من الأدبيات العربية رمزًا للتسلط والدكتاتورية، حيث كان معظم هذه الكتابات مدفوعًا بحس قومي كبير، كما أن الكتابات عن العثمانيين في اللغات الأوروبية، طبعت بطابع القسوة، وصورت العثمانيين كأشرار يقفون على أبواب العواصم الأوروبية، ولديهم استعداد كبير للقتل والتعذيب والغزو والنهب، ومن هنا جاء تعبير «العثماني الشرير».

الهوية العثمانية

وقد حاول بيتر ويتشكر في كتابه الذي صدر عام ۱۹۹۲م، الإجابة عن سؤال حول الهوية العثمانية، وكيف أن هذه الهوية لا تزال جزءًا أساسيًا من الثقافة التركية، على الرغم من التوجه الراديكالي الذي اختطه مصطفى كمال أتاتورك لتغيير الطابع الثقافي والديني لتركيا، وتقريبها بشكل أكبر من المحيط الأوروبي، وتحضر هذه الصورة بشكل كبير كلما تم الحديث عن موقع تركيا في أوروبا، ومطالبة حكومتها بالانضمام لمنظمة الوحدة الأوروبية، وهو ما لم يحالف الأتراك النجاح فيه منذ أعوام طويلة، ومع نشوء اتجاه لإعادة قراءة التاريخ العثماني في العالم العربي ورد الاعتبار لماهية الدولة العثمانية، كما يظهر في مركز دراسات العثمانيين في تونس وفي بعض الدراسات التي قدمها الخبير محمد حرب عن الدولة العثمانية، إلا أن الصورة ما زالت تدور حول مفهوم التسلط والقتل ودنيا الحريم العثماني.

ويحاول جاسون جودوين في كتابه الصادر عن دار تشاتو في لندن التصدي لإشكالية ترتبط بصورة العثمانيين، ولكنها معنية بشكل أدق بالتعرف على الطريقة التي تعايشت بها الأعراق والثقافات المختلفة في محيط عثماني واحد، وينطلق جودوين من مدخل يبتعد كثيرًا عن النقاش الأكاديمي والنقاش الخاص لعرض صورة أوسع لتاريخ الدولة العثمانية في كتاب يحمل عنوان «أسياد الأفق: تاريخ الإمبراطورية العثمانية».

ويقدم جودوين من خلال هذا المدخل حسًا دراميًا وتركيزًا أكثر على التفاصيل عوضًا عن الدخول في كثير من القضايا الجدلية ذات الطابع الجاف المتعلقة بالدولة العثمانية، ويبدأ جودوين تفصيله لتاريخ العثمانيين من اللحظة التي قررت فيها القبائل العثمانية في القرن الحادي عشر الميلادي الوصول إلى أطراف الإمبراطورية البيزنطية، والتي كانت كما يقول جودوين «طرية مثل اللبن» الذي أحب العثمانيون تناوله.

ويحلل الكاتب الطريقة التي امتد بها التأثير العثماني شرقًا وغربًا، حيث امتدت الإمبراطورية على أطراف بحر قزوين والخليج العربي ووصلت أبواب فيينا، وظل التقدم العثماني متواصلًا حتى فشل الحملة العثمانية على أبواب فيينا، وخسارة الأسطول العثماني المعركة ليبانتو الشهيرة، وفي نهاية القرن السابع عشر توقف الزحف العثماني. ويقدم جودوين الذي كتب سابقًا كتابي رحلات، تقريرًا للأسباب التي دفعت العثمانيين للتقدم نحو تخوم جديدة بقوله: إن العثمانيين لم يكن لديهم دافع حضاري سوى الوصول إلى آفاق جديدة، ولم يكونوا عارفين بأهمية سياسة الملك التي كانت تتمحور حول قصر توب كابي سراي في إسطنبول، كما أنهم لم يقدموا- على حد تعبير جودوين- قوانين جديدة، بل أقاموا ملكهم على الشريعة، في الوقت الذي منحوا فيه الحرية الكاملة لغير المسلمين لتطبيق قوانينهم الدينية. 

ويقول جودوين: إن الطبيعة الرعوية للعثمانيين أجبرتهم أو جعلتهم أكثر اعتمادًا على الأجانب، فالبنايات الضخمة التي أقاموها اعتمدت كثيرًا على الإغريق والأرمن، كما أن التجارة والاقتصاد ظلت في أيدي هذه الطبقات الأجنبية، بل إن الجيش الانكشاري الذي كان محورًا أساسيًا لنشاط الدولة العثماني العسكري، كان مكونًا من رجال ينتمون في السابق لعائلات مسيحية.

كما أن هذه الرعوية- على حد تعبير جودوين- كانت مسؤولة عن غياب الزمن، وتقلص أهميته لدى العثمانيين، حيث يقول: إن الدولة العثمانية لم يكن فيها سوى ساعة واحدة موجودة في ساحة عامة، مشيرًا إلى الساعة الموجودة في سكوبي عاصمة سلوفانيا، ولكن الكاتب ينسى الحديث عن بقية الساعات التي أقامها العثمانيون في عدد من العواصم والمدن العربية، مثل ساعة المنارة في نابلس وساعة مدينة حيفا وكلتاهما في فلسطين.

لعبة الوصف

ولأن المؤلف متخصص في كتب الوصف والرحلات، فإن كتابه يفشل في تقدير الأصول الحقيقية للدولة العثمانية، حيث يجيد الكاتب لعبة الوصف، ولا سيما في مجال التاريخ الاجتماعي للدولة العثمانية، مثل الأزياء، واللباس الذي كان العثمانيون يلبسونه، والذي شكل صورة عن طبيعة اللباس الذي تلبسه كل طائفة تابعة للدولة العثمانية.

وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت الدولة العثمانية -كما يقول جودوين- بالانهيار، ويقدم جودوين صورة عن انهيار الدولة الكامل من خلال بروز عدد من السلاطين مارسوا لعبة المؤامرة فيما بينهم، وحينما انتهت الدولة العثمانية، فإن انتهاءها يقدم صورة عن صعودها.

ومع أن جودوين يكتب بانطباعية شديدة، إلا أن تفاصيله وملاحظاته الاجتماعية، تقدم صورة عن طبيعة هذا الانهيار، وطبيعة الميراث الذي خلفه العثمانيون وراءهم، وهو ميراث لا يزال ينظر إليه من خلال منظور الحقد والكراهية في العالم الغربي ومن خلال النظرة الشاكّة في كثير من الدوائر العربية، وعبر الإلغاء التام والتنكر في دولة أتاتورك التي نشأت على أنقاض الميراث العثماني.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل