; الطفل المعاق وكيفية التغلب على المخاطر النفسية والسلوكية | مجلة المجتمع

العنوان الطفل المعاق وكيفية التغلب على المخاطر النفسية والسلوكية

الكاتب نهاد الكيلاني

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997

مشاهدات 122

نشر في العدد 1233

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 07-يناير-1997

إعداد: نهاد الكيلاني وهناء محمد

رعاية المعاق مبدأ إسلامي والسخرية منه نقص في العقل والدين 

الطفل نواة المجتمع ومستقبله يزيدنا تعلقًا به حاجته إلينا، ويتعاظم هذا الشعور كما يتعاظم تحمسنا للقيام بالمسؤولية تجاهه إذا كان هذا الطفل معاقًا، حيث تختلط البراءة بالعجز وتتراجع نظرات الحيوية المتدفقة والمتطلعة لتحل محلها نظرات منكسرة تطلب العون والمساعدة على تحدي الإعاقة.

ويقصد بالمعاقين عمومًا، أولئك الأفراد الذين يعانون من مشكلات وصعوبات نتيجة أنهم أقل بدرجة معينة من متوسط أقرانهم العاديين- كما يحدده المجتمع- في جانب أو أكثر من جوانب شخصياتهم كالجانب الجسمي أو الحسي، أو العقلي، أو الانفعالي، بحيث يحتاجون إلى نوعية خاصة من الخدمات المختلفة عما يقدم للعاديين، وذلك بهدف مساعدتهم على تحقيق أقصى ما يمكنهم الوصول إليه من نمو وتوافق. ويؤكد هذا التعريف أن الإعاقة يجب أن تجاوز حدًا معينًا عن متوسط ما يتمتع به العاديون في الجانب موضع الاعتبار من جوانب الشخصية- يحدده المجتمع- تبعًا لمستواه الثقافي ولطبيعة الحياة فيه ومتطلباتها ودرجة تعقدها. وتعتبر أهم التحديات والصعوبات التي ينبغي مواجهتها والتغلب عليها تعديل وتغيير الاتجاهات السلبية نحو الإعاقة والمعاقين وتبني نظرة موضوعية إليهم، لأن هذه الاتجاهات قد ترفع من قدرتهم تارة وتحط من قيمتهم تارة أخرى لذلك لا بد من تبني اتجاهات إيجابية لنهيئ المناخ للمعاق ليتكيف مع نفسه ومع مجتمعه، لأن صعوبة التكيف الإيجابي للمعاق لا تكون نتيجة وجود خلل في نمط السلوك التكيفي لديه بقدر ما هي نتاج لبناء اجتماعي تسوده اتجاهات سلبية قاسية تعتبر من المعوقات الرئيسة لتكيفه واندماجه، وحول الرؤية الإسلامية للمعاق يؤكد الدكتور أبو اليزيد العجمي- أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- اهتمام الإسلام بالمعاقين وحثه على العناية بهم فيقول:

الأصل أن المجتمع المسلم يرعى ضعفاءه سواء كانوا مرضى أو فقراء أو معاقين ويأثم المجتمع إذا لم يوفر لهم سبل الحياة الكريمة على اعتبار أن المسلمين يطبقون ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، وفي الوقت نفسه فإن الإسلام يحث على التكافل، والتكافل معناه أن الغني يكفل الفقير والسليم يكفل ذوى العاهات والقوي يكفل الضعيف. 

والمعاق قد تكون إعاقته بسبب خلقي ولد به وحينئذ يجب على المجتمع المسلم أن يوفر له سبل الحياة الكريمة من خلال الزكاة والتبرعات ويقيم له ولأقرانه مؤسسات تقدم لهم ما يحتاجونه وتؤهلهم للعمل وخدمة المجتمع، والحصول على أجر يكفيهم حتى لا يشعروا بنقمة على المجتمع. وإذا كان صاحب الإعاقة قد أصيب بها في حادثة أو أمر آخر كلنا نتعرض له فلابد أن يلتف حوله إخوانه من المسلمين ويقدموا له كل ما يستطيعون حتى يستطيع مواجهة الحياة مرة أخرى وهكذا يشعر من تعرض للإعاقة بأنه لم يفقد الكثير، ويصبح عضوا صالحًا في المجتمع وليس العكس. 

في المجتمع النبوي

وفي تاريخ الدعوة الإسلامية لم تمنع الإعاقة أحدًا من أن يحظى بمكانة اجتماعية في ظل احترام الإنسان في المجتمع النبوي، وهنا يقول د. العجمي: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على المدينة حين يخرج في غزوة عبد الله ابن أم مكتوم «الضرير»، ويقول عن قدم عبد الله بن مسعود إنها أثقل عند الله من جبل أحد، فيغرس بهذا صلى الله عليه وسلم الثقة في نفس المعاق، ويعلمه أن الله إذا كان قد حرمه من شيء فإنما قد من عليه بنعم أخرى كثيرة.

وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أن الخط العام في احترام الإنسان لأخيه الإنسان هو: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وليس أقواكم فالتقوى هي ميزان التكريم عند الله وليس غيرها من الصفات الجسمية، ولذلك لا بد أن يعلم المسلم أن المكانة عند الله وعند المسلمين بتقوى الله وطاعته، ولا ينبغي أبدًا أن نسخر من المعاق أو نحقره ونتجاهله، ولا يقع في هذه الرذيلة الأخلاقية ويسخر من المعاق إلا إنسان عنده نقص في العقل والدين.. في العقل لأنه لا بد أن يعلم أنه معرض في أي لحظة لأن يحدث له مثل ما حدث لمن يسخر منه. وفي الدين لأنه يخالف تعاليم الإسلام بحسن معاملة ذوي العاهات. 

ويضيف الدكتور محمد عبد المؤمن حسين- أستاذ مساعد الصحة النفسية، ورئيس قسم التربية الخاصة بجامعة الخليج العربي- أن الإسلام اعترف بالفروق بين الأفراد سواء من الناحية الجسمية أو العقلية وافترض وجود الخير في كل من القوي والضعيف على حد سواء «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، كل حسب قدراته وإمكاناته، فكل ميسر لما خلق له، وأنه لا دخل للإنسان في إعاقته أو عجزه، وعلى الإنسان أن يقبل قضاء الله بالرضا والصبر والحمد، وقد راعى الإسلام كذلك شعور المعاقين كما بين قدرتهم على فهم تعاليم الإسلام والذكر ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَه الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيْكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّي أَوْ يَذَّكَرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى(عبس: 1- 4)، وفي عصر الخلفاء الراشدين والدول الإسلامية من بعدهم زاد الاهتمام بالمعاقين، حيث وفرت لهم سبل الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية ومن ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمر بإجراء إحصاء للمعاقين، وخصص مرافقًا لكل كفيف وخادمًا لكل مقعد لا يقوى على القيام لأداء الصلاة كما أنشئت في الدول الإسلامية للمعاقين المستشفيات (البارامستانات)، وعينت لهم حصص من بيت المال لرعايتهم اجتماعيًّا وتعليميًّا إلى غير ذلك من أشكال الرعاية 

مخاطر الإهمال النفسي

وتؤكد بعض الدراسات والأبحاث النفسية أن للطفل المعاق حاجات نفسية واجتماعية أساسية لا بد منها، وهذه الحاجات هي: 

1- حاجته إلى الأمن والطمأنينة النفسية والشعور بالانتماء إلى محيطه الأسري والاجتماعي، والسبب في شدة حاجته هذه يرجع إلى أن هذه الفئة من الأطفال هم أكثر من سواهم تعرضًا لمواقف الإحباط وما يترتب عليها من مواقف الإخفاق والفشل.

فالطفل المعاق يشعر دائمًا بالخيبة عندما يعجز عن القيام بما يطلب منه من أعمال في المواقف الاجتماعية المختلفة، وهذا يجعله لا يشعر بأنه عضو نافع في الجماعة التي يعيش فيها.

ويشتد الألم على نفسه حينما يحس بأنه مهمل من قبل الأسرة، أو بأن الآخرين يسخرون منه.

٢ - الحاجة إلى العمل والنجاح، والمعروف في علم النفس أن الإنسان عندما يقوم بعمل معين ويستطيع تحقيقه فإنه يشعر بالسعادة والرضا عن نفسه. وسبب عدم إشباع حاجته هذه في جو البيت أو في المدرسة أو بين أقرانه وزملائه يرجع إلى أن الآباء يتوقعون منه أكثر مما يستطيع عمله، وأصدقاؤه يريدون منه أن يقوم بأشياء لا يستطيع القيام بها ولا يمكن أن يفعلها، كما أن المدرسين يعتبرونه من عوامل إضاعة أوقاتهم في المدرسة، كل هذا يجعله يعتقد في قرارة نفسه أنه أقل شأنًا من الآخرين.

والنتيجة المترتبة على عدم إشباع هذه الحاجات الأساسية عند الطفل المعاق أن يصبح عاجزًا عن التكيف مع نفسه ومع ظروف البيئة التي يعيش فيها، والقيام بأنواع مختلفة من السلوك غير المقبول اجتماعيًا مثل النزعة العدوانية والانحرافات السلوكية، مثل الغش والسرقة، كما نجده ينسحب من المجتمع، فيصبح منعزلًا ناقمًا. وتؤكد الدراسات أن المعاقين هم من أبناء المجتمع الذي ينبغي أن يوفر لهم الإمكانات التي تمكنهم من العيش فيه ضمن الحدود التي تسمح بها طاقاتهم، ووفق ما يمكنهم الوصول إليه؛ ولهذا فإن تربية هذه الفئة من الأطفال تتطلب براعة وعناية وصبرًا.

بين الدابة والإنسان 

ويطرح الدكتور صلاح عبد المتعال- أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- رؤيته في هذه القضية فيقول: الإعاقة موجودة بنسب متفاوتة ومعروفة في كل المجتمعات، لكنها تختلف في الدول المتقدمة عن غيرها، والإعاقة إما أن تكون بدنية أو نفسية، والمجتمع عليه عبء كبير تجاه المعاقين، عليه أولًا أن يهيئ كل الوسائل والإمكانيات للوقاية من الإعاقة التي قد تكون وراثية أو بيئية، فبالنسبة للإعاقة الوراثية يمكن تقليل نسبتها كما يمكن تجنبها، وذلك بالفحص الطبي قبل الزواج، أما الإعاقة البدنية الناتجة عن عيب خلقي أو بتر في أحد الأطراف، وهي كثيرًا ما تحدث نتيجة غياب الأمن المهني والصناعي، لذلك يجب على كل مؤسسة أن تحرص على عمالها، ويكون هناك تدريب جيد على استخدام الآلات، هذا إجراء وقائي، كما أن لحوادث المرور وفوضاه دوراً كبيراً في زيادة نسبة الإعاقة، وأقول: «الوقاية خير من العلاج».

ويضيف الدكتور صلاح عبد المتعال أن هناك حالات إعاقة أسرية تكون نتيجة التفكك الأسري وسوء معاملة الطفل، مما يسبب له أمـراضًــا وإعاقات نفسية.

ويؤكد أهمية دور المجتمع في استيعاب هؤلاء المعاقين نفسيًّا وفكريًّا، والمفروض أن يرتقي الوعي لدى المجتمع، بحيث يكون هناك تعامل مع هؤلاء باحترام وليس بإشفاق، فمثلًا نجد في بعض وسائل المواصلات لافتات مكتوب عليها مخصصة لكبار السن، أو... إلخ. ولكننا نجد بعض الناس لا يحترم هذا ويظل كبير السن واقفًا والشاب جالسًا في غير مكانه، فهذا يعتبر تدنيًا في مستوى الفهم، ويرى د. صلاح أن المعوَّق يجب أن يكون له من الحقوق ما يفوق حقوق الشخص السليم فليست المسألة مسألة إشفاق إنما يجب أن تكون هناك مساعدة حقيقية، كما أن الهيئات الحكومية والأهلية واجبها تسهيل أمور الحياة للمعاقين، وحل مشكلة هؤلاء يجب أن يكون حلًا جماعيًا، وهذا من منطلق التراث الإسلامي والعربي، فليس بالضرورة أن يكون المعاق مسلماً.

وهذا سيدنا عمر -رضى الله عنه- يقول: «لو عثرت ناقة في العراق لظننت أن عمر سيُسأل عنها»، وهذه دابة فما بالنا بالإنسان الذي كرمه الله؟

الإعلام والطفل المعاق 

ويؤكد د. إلياس أنطون نعيم- مدير مركز القلب الفرحان للقاصرين ذهنيًا- أهمية استغلال وسائل الإعلام في مساعدة الطفل المعاق في التكيف مع إعاقته فيشير إلى: التلفزيون: ذلك الجهاز عظيم الأثر في نفوس الناس بتغطيته بعض النماذج من الإعاقات المختلفة ولكن هذه التغطية تتم بطريقة عشوائية بدون هدف واضح ومحدد. وهناك أيضًا تركيز على إرادة المعاقين وتحديهم لهذه الإعاقة ولكن كيف نتعامل معهم؟ هذا السؤال يحتاج لإجابة من القائمين على هذه البرامج. كذلك ومن الأشياء المهمة جدًا وجود برامج موجهة للطفل المعاق ذاته، وكذلك لأسرته وأهله والمحيطين به، ومسلسلات تتناول مشاكل أولياء الأمور مع أولادهم المعاقين. أما السينما ففي الماضي كانت تظهر شخصية المعاق بصورة سيئة، فهو إما متسول أو عضو في عصابة أو معقد نفسيًا، وينتقم من المجتمع. 

والإنسان المعاق ذهنيًا هو «عبيط القرية». أو يدعي الإعاقة للقيام بأغراض شريرة، وحديثًا بدأ التطرق لهذه المنطقة الحساسة- «الإعاقة»- بصورة أفضل في عدة أفلام مثل: «توت توت» أو «ديك البرابر». 

ويقترح د. إلياس أن يبرز الإعلام المكتوب ما يقدم للطفل المعاق من مساعدات كافتتاح مركز جديد يهتم بقضايا المعاقين وبمشكلاتهم، وينتقد عدم تعرض مجلات الأطفال لهذا الموضوع مع أنها من أكثر الوسائل إيجابية وتأثيرًا على الطفل، فلماذا لا تُعرّف الطفل كيف يعامل طفلًا معاقًا؟ إن زرع هذه التصرفات في سلوك الطفل العادي يؤدي لنقلة حضارية وسلوكية لمجتمعنا، نحن في أمس الحاجة إليها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1360

77

الثلاثاء 27-يوليو-1999

المجتمع الأسري- العدد (1360)