العنوان الطريق لتحرير فلسطين
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1297
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-أبريل-1998
لم يعد خافيًّا على أحد أن المقاومة الضارية التي لقيتها إسرائيل من الشعب الفلسطيني المجاهد هي التي دفعتها إلى اتفاقية مدريد ثم أوسلو لتتخلص من هذه المقاومة التي أقضت مضجعها، وزعزعت أمنها.
لقد استطاع أطفال الحجارة ورجال حماس البواسل أن يُفهِموا إسرائيل أن لا بقاء لها في الأرض التي احتلتها ظلمًا وعدوانًا، وأخرجت أهلها من ديارهم ليعيشوا حياة التشرد والبؤس والشتات، فكان لا بد لها لتضمن أمنها واستقرارها من اصطناع سلطة فلسطينية مسلحة، تقوم بإخضاع المقاومة، وكسر شوكة المجاهدين.
وتم لها ما أرادت، ولكن أطماعها التي لا حدود لها، ونكثها بعهودها، وهو ما عُرِفت به أمة يهود في تاريخها الطويل، جعلها تتعرض بين حين وأخر لضربات موجعات بيد الأبطال الأشاوس، فعادت تردد شكواها من الإرهاب والإرهابيين، وتستنجد بأمريكا وغيرها ليعينوها على خضد شوكة الإرهابيين، وليضغطوا على السلطة الفلسطينية لسحق كل مقاومة تتصدى لها، بدعوى أنها إرهاب، وآخر هرولة لها في هذا السبيل إلى فرنسا، حيث طلب رئيس وزرائها من فرنسا التوسط لدى لبنان لإيجاد حل يحفظ ماء وجه إسرائيل، بسحب قواتها المحتلة لأرض الجنوب اللبناني منذ عام 1982م بعد أن ذاقت لطمات موجعات من أيدي حزب الله.
إن الذي يرضي إسرائيل أن تستلب الأراضي العربية التي احتلتها وفي مقدمتها القدس، وأن تجهض كل مقاومة تتصدى لها، وأن تجبر العرب على الرضوخ لإرادتها وأطماعها مستسلمين صاغرين، وأن يسود الأمن ديارها، لتتفرغ إلى مزيد من تحقيق أحلامها في التوسع والسيطرة على أسواق العالم العربي ومقدراته، ولقد كان من سوء حظ العرب أن يفتح الملف الفلسطيني وهم في حالة لا يحسدون عليها، من تفرق في الكلمة، وتفكك في الأواصر، وتخاذل في المواقف، ولم يكن في الجو العربي ما يعكر صفو إسرائيل، ويكدر عيش شعبها إلا تلك الضربات الموجعات التي تنزلها بها أيدي المجاهدين الصادقين.
ولذلك راحت تتآمر على رجال حماس وغيرها، وتجند رجال الموساد لاغتيال رموزها وأبطالها الصامدين، فاغتالت يحيى عياش -مهندس العمليات الاستشهادية لحركة حماس المعروفة باسم كتائب عز الدين القسام- وزعيم حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي، وأقدمت على محاولة خسيسة لئيمة لاغتيال خالد مشعل -رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- ولكن الله سلَّم، ونجاه من هذه المحاولة على النحو الذي عرفه القاصي والداني بفضل يقظة مرافقه البطل وصدقه وشجاعته.
وكانت آخر عملية إجرامية إرهابية هي العملية التي راح ضحيتها في رام الله محيي الدين الشريف -أحد قادة الذراع العسكرية لحركة حماس- ولا تزال التحقيقات قائمة في البحث عن مرتكبي هذه العملية الإجرامية حتى كتابة هذه السطور، وعادت إسرائيل تعلن تهديدها باغتيال خالد مشعل على لسان الإرهابي الصهيوني أرئيل شارون وزير البنى التحتية الإسرائيلي.
بل إن إسرائيل لتصب نقمتها الشديدة على السلطة الفلسطينية لأنها لا تقمع بشدة وشراسة المجاهدين، مع أن هذه السلطة -عافاها الله وردها إلى الصواب- لم تقصر في قمع حركة المقاومة، والوقوف في وجه كل ما من شأنه إغاظة اليهود.
تبين مما تقدم أمران مهمان، بل هما على غاية من الأهمية:
الأول: خوف إسرائيل من ضربات المجاهدين، وحرصها الشديد على تجنبها والخلاص منها، لأنها ضربات من أيد متوضئة طاهرة، يحرص أصحابها على الموت كما يحرص اليهود على الحياة، وليس أدل على ذلك من تعليق أحد كبار ساسة اليهود على إحدى العمليات الاستشهادية بقوله: ماذا يمكن أن نفعل إزاء رجل يهاجمنا وهو يريد أن يموت؟!.
الثاني: غنى أمتنا بهذا النموذج النادر من الأبطال القادرين على زعزعة أمن إسرائيل، وإجبارها على الرضوخ لمطالبنا العادلة، بل إرغامها على الرحيل ومغادرة الأرض المغتصبة.
فلماذا إذن لا تتاح الفرصة لهؤلاء الأبطال المغاوير في هز أمن إسرائيل حتى ترضخ للحق المغتصب وتعيده إلى أهله؟
لماذا لا توظِّف أمتنا هذه الطاقات البطولية الهائلة في حربها مع العدو لانتزاع حقها المسلوب، وتحرير الأرض المغتصبة؟ وها هي ذي تقف عاجزة أمام صلف اليهودي نتنياهو واستكباره وعتوه وطغيانه وتمرده على القرارات الدولية، وقد مضى على مدريد ست سنوات، وعلى أوسلو أربع سنوات، مضت كلها في المراوغة والمخاتلة ونقض العهود والمواثيق المكتوبة، وتبين لكل ذي لب أن العدو لن يعطينا إلا فتاتًا ضئيلًا من حقنا الكبير، مغموسًا بالمهانة والمذلة والخنوع والاستسلام، لماذا؟ لماذا؟ أسئلة كثيرة تزدحم أمام بصائر كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وتضعنا وجهًا لوجه أمام الحقيقة المرة القبيحة التي صارت إليها الأمة التي سماها القرآن: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ (سورة آل عمران: 110).
إن ضياع الأرض، والاستسلام الذليل للعدو، مع وجود تلك الطاقات البطولية التي ألمحنا إلى طرف منها أنفًا، ليضاعف من حجم الكارثة التي تحل بأمتنا، ويضخم من حجم المأساة التي تتعرض لها، وهي إلى جانب تلك الطاقات البطولية لا ينقصها المال ولا العدد ولا الإمكانات المادية والمعنوية، وهذا ما يجعل حكم التاريخ شديدًا قاسيًّا على الذين هم السبب في الحيلولة دون لقاء المجاهدين المتعطشين للشهادة بالعدو.
إن التاريخ ليناشد المسؤولين في دنيا العروبة والإسلام -وقضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين فحسب، بل هي قضية العرب والمسلمين قاطبة- ويستصرخ ضمائرهم أن يعملوا على إتاحة الفرصة لمحبي الاستشهاد -وما أكثرهم في دنيا العروبة والإسلام- ليتقدموا ويحرروا الأرض المغتصبة، ويطردوا العدو الدخيل، بعد أن سُدَّت الأبواب -أو كانت- أمام الحلول الانهزامية الذليلة.
وإن النداء الذي أرسله خالد مشعل من «قناة الجزيرة» منذ أيام إلى ياسر عرفات لشد الأيدي على الأيدي لانتزاع الحق المغتصب، لجدير بالوقوف عنده، لأنه يحمل في مفرداته معاني كبيرة تعيها أمتنا كلما ألم بها خطب، وحل بساحتها رزء، ونزل بمقدساتها بلاء، وسيَختَزِنُها عقلها الجمعي، ويبقيها حية في ذاكرة التاريخ، شاهدة على من أثاقلوا إلى الأرض، وفرَّطوا في الأمانة، ورضوا بالحياة الخانعة الذليلة المهينة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل