العنوان الطريق إلى مؤتمر جنيف
الكاتب نبيه عبد ربه
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1975
مشاهدات 78
نشر في العدد 239
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 04-مارس-1975
تبذل جهود مكثفة من جهات متعددة في العالم لإحلال السلام في الشرق الأوسط كأمريكا وروسيا ودول السوق الأوروبية والدولية الاشتراكية، ودول العالم الثالث، وكأن العالم كله قد مل البحث في هذا الموضوع ويصر على إنهائه، كما يخشى لو بقيت أحداث الشرق الأوسط تسير في نفس الاتجاه التي سارت فيه في الماضي أن يؤدي ذلك إلى حرب عالمية ثالثة يكون فيها الدمار للعالم كله. وتبذل فيها الدول والكتل هذه الجهود المكثفة لأنها مقتنعة بأن فرص إحلال السلام في المنطقة لم تكن في أي فترة مضت أفضل مما هي عليه في الفترة الحالية، وقد لا تتهيأ ظروف مواتية للسلام كما هي مهيأة الآن، فالعرب واليهود أصبحوا في وضع متوازن من الناحيتين العسكرية والنفسية لقبول فكرة الصلح والسلام.
وإذا كان هدف جميع الأطراف المعنية إحلال السلام بين العرب واليهود، فما هو الطريق الذي يوصل إلى هذا الهدف، وما هي الوسائل التي ستستعملها الأطراف المعنية لتحقيق فكرة السلام؟!
وتحديد الطريق المؤدي إلى السلام ضروري وخاصة بالنسبة للعرب واليهود، إذ ليس من السهل إزالة الأحقاد والعداوات التي تعمقت جذورها في نفوسهم منذ أكثر من نصف قرن بل قرون في مؤتمر أو خلال مدة وجيزة، ويعبر عن هذه الحقيقة شمعون بيريز «وزير الدفاع الإسرائيلي» حين يقول «إننا لا نستطيع الوصول إلى سلام بين عشية وضحاها أو خلال سنة، ولهذا فإنني أقترح عقد اتفاق مدته عشر سنوات مع مصر تستغل في الإعداد لتسوية سلمية» أما الرئيس السادات «فإنه يعتقد أن خلال عشر سنوات لن نكون قد قلبنا صفحة الحرب مع إسرائيل فقط بل صفينا الكراهية أيضًا» «الرأي العام 27/١/75». لأن اليهود ليسوا حريصين على تصفية حالة الحرب فقط ولكنهم يهدفون إلى غزو العالم العربي اقتصاديًا ولن يتحقق لهم هذا إلا إذا رضي العرب بالتعايش السلمي معهم في المنطقة، ومن هنا نجدهم يطالبون بالتبادل الدبلوماسي مع العرب، ورفع الحصار الاقتصادي عن إسرائيل ومرور السفن والبضائع الإسرائيلية عبر قناة السويس والحدود المفتوحة بين إسرائيل والبلاد العربية بحيث يركب الإسرائيلي سيارته من تل أبيب ليشتري حاجاته من القاهرة «كما تقول جولدا مائير».
وتكاد جميع الأطراف المعنية تتفق على أن المفاوضات المباشرة بين العرب واليهود في مؤتمر جنيف هي أفضل وسيلة لإحلال السلام في المنطقة على أن تحضرها جميع الأطراف المعنية فالرئيس السادات يقول «إن ذهابنا إلى مؤتمر جنيف لا مناقشة فيه لأن هذا المؤتمر هو المكان الوحيد الذي نلتقي فيه- مع اليهود- لحل المشكلة ونتفق فيه على السلام، لأننا ملزمون جميعًا- أي العرب- بألا يكون هناك حل منفرد» (1/10/75) أما القادة السوريون فإنهم «سيلحون على كيسنجر لكي يتم عقد مؤتمر جنيف في شهر آذار على أقصى تقدير كما نصت على ذلك إحدى النقاط الأساسية في البيان المشترك السوري السوفياتي الصادر في (3/٢/75) (13/٢/75).
أما في إسرائيل فقد انقسم الرأي فيها بين المعارضة التي تؤيد المفاوضات في مؤتمر جنيف وبين الحكومة التي ترى سياسة «خطوة خطوة» التي يسلكها كيسنجر أفضل طريق لتحقيق السلام، وليس لدى الحكومة مانع من عقد مؤتمر جنيف إذا نجحت خطوات كيسنجر، فهذا مناحيم بيجن «زعيم كتلة ليكود» يرى «أن مؤتمر جنيف يعد أفضل إطار لمفاوضات السلام وهو أفضل من الترتيبات التي تحرم إسرائيل من أوراقها الرابحة واحدة تلو الأخرى» أما جولدمان «رئيس المؤتمر اليهودي العالمي» فيقول «إن طريقة الحل المرحلي التي يراها هنري كيسنجر قد تؤدي إلى الحرب وأن مؤتمر جنيف وحده هو الذي يمكن أن يؤدي إلى السلام» (29/١/75). أما رأي الحكومة الإسرائيلية فقد عبر عنه «إسحق رابين» حين قال «إن إسرائيل تفضل استراتيجية الاتفاقات الجزئية التي أعدها كيسنجر على العودة إلى مؤتمر جنيف» (9/1/75) ويبدو أن إسرائيل موافقة على حضور مؤتمر جنيف إذا طبقت بعض الإجراءات التي تؤدي- في رأى اليهود إلى نجاحه، وإسرائيل وأمريكا متفقتان على هذه الإجراءات فهذا «ألون» وزير خارجية العدو يقول «إن محادثاته مع المسؤولين الأمريكيين المتعلقة بالإجراءات أي أفضل وسيلة للدخول في مفاوضات بين إسرائيل ومصر بواسطة الولايات المتحدة، ولاحظ المراقبون من خلال حديث ألون أن إصرار إسرائيل فيما يتعلق بموضوع الإجراءات يرجع أساسًا إلى رغبتها في التوصل هذه المرة إلى اتفاقية لا تتسم بالطابع العسكري المحصن» (19/١/75) ولما سئل كيسنجر عن الكيفية التي يعتزم بها العمل في المراحل القادمة، أجاب:-
«أن المشكلات الأساسية هي تحقيق السلام في المنطقة بأسرها، ولا بد بالضرورة من اتخاذ خطوات فردية للتوصل إلى ذلك وأنا شخصيًا لدي فكرة معينة عما يمكن أن تكون عليه هذه الخطوات في إطار سلام شامل» (13/۲/75).
ويعلل الأمريكيون والإسرائيليون رأيهم هذا بأن هناك خلافات عميقة بين العرب واليهود وأنهم إذا ذهبوا إلى مؤتمر جنيف والحالة هذه كان مصير المؤتمر إلى الفشل ولهذا يجب أن تسوي مسائل الخلاف باتفاقات جزئية وتبقى مهمة مؤتمر جنيف تحقيق التسوية الشاملة، فإسحق رابين يقول «إننا إذا ذهبنا إلى جنيف الآن فإن مواقف العرب والإسرائيليين ستكون متنافرة» ولما سئل المستر «جوزيف سيسكو» وكيل وزارة الخارجية الأمريكية- عن سبب اقتناعه بأن سياسة السلام على أساس خطوة خطوة أفضل من الدعوة السوفياتية بوجوب استئناف محادثات جنيف؟ فرد قائلًا:- إن هدفنا هو خلق جو من الثقة لا غنى عنه للتعايش السلمي بين العرب واليهود» (24/١/75).
وفي الوقت الذي يوافق فيه العرب على حضور مؤتمر جنيف «إرضاء للاتحاد السوفياتي» يوافقون أيضًا على سياسة «خطوة خطوة» إرضاء لأمريكا، «فقد أكد الرئيس السادات ثقته بالرئيس فورد ووزير خارجيته كيسنجر، ورحب بأي عمل تحققه الولايات المتحدة خطوة خطوة قبل مؤتمر جنيف، أما إذا لم تستطع ذلك فنحن ذاهبون إلى جنيف ولا خلاف في ذلك» (10/١/75) «أما القادة السوريون فإنهم لا يعرضون وضع أي اتفاق جديد يسهل أعمال مؤتمر جنيف». (13/٢/75)، ويبدو أن الاتحاد السوفياتي قد وافق أخيرًا على الخطة الأمريكية للسلام والقائمة على الاتفاقات الجزئية فقد أعلن ذلك «بريجنيف» في خطاب له في (14/٢/75) «أن الانسحاب الإسرائيلي الجزئي مفيد بشرط أن يؤدي هذا إلى تسوية شاملة وسريعة في المنطقة» (15/٢/75).
فالطريق إلى مؤتمر جنيف سيكون خطوة خطوة على الطريقة الأمريكية، بحيث تتم في كل خطوة اتفاقات بين كل من إسرائيل من جهة ومصر وسوريا والأردن من جهة أخرى، ومن الطبيعي أن تشمل هذه الاتفاقات انسحابات إسرائيلية جديدة مقابل تنازلات سياسية من جانب الدول العربية «فقد أعلن الرئيس السادات أنه تم استعراض الموقف من كل جوانبه بالتفصيل مع كيسنجر وأن هناك خطوات محددة شأنها أن تؤدي نحو تقدم التسوية والسلام» (17/2/75). كما توقع السيد/ إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر- أن تنسحب إسرائيل من الجبهتين المصرية والسورية قبل نهاية حزيران المقبل، وأن يستأنف مؤتمر جنيف جلساته في منتصف العام الحالي (17/2/75). أما في إسرائيل فقد قال رابين أنه سيوصي إسرائيل بإعادة حقول نفط أبو رديس وممري ميتلا والجدي إلى مصر في مقابل تعهد مصري بعدم النزوع إلى الحرب» (9/٢/75) وقال أيضًا «بالتأكيد فإن كل تنازل ينطوي على مخاطرة ولكن لا يوجد حل آخر باتجاه السلام» (7/2/٧٥).
ويعتبر حكام عرب.. واليهود سياسة «خطوة خطوة» ضرورية لأنها امتحان لنوايا الطرف الآخر، وبرهان على مقدار التزام كل طرف بتنفيذ تعهداته، وتكتفي إسرائيل في المرحلة القادمة بإدراج عبارة «الامتناع عن أي عملية عسكرية» ضد إسرائيل وبتصريح عام تصدره مصر تعلن فيه عدم النزوع إلى الحرب من جديد كما تطالب في التسوية الشاملة إدراج عبارة «إنهاء حالة الحرب» بين العرب وإسرائيل وبتوقيع تعهدات من مصر تثبت ذلك. أما الرئيس السادات فقد رفض مطالب إسرائيل هذه وقال «إنه ينبغي على إسرائيل ألا تطالبنا بإنهاء حالة الحرب ما دامت تحتل أرضنا، وأكد أن حالة الحرب مع إسرائيل يجب أن تنتهي في جنيف وبحضور الأطراف المعنية و بضمانات دولية، وأن جنيف أكثر الأماكن ملائمة من أجل العمل على تحقيق سلام دائم، وأعلن رفضه لتقديم أي تعهد مكتوب بإنهاء حالة الحرب ولكنه قال إنني مستعد لقبول سياسة خطوة خطوة من جانب إسرائيل في شكل انسحاب يساعد على خلق مناخ جديد من أجل إقرار السلام الدائم» «الأخبار 18/٢/75»
«وأكد الرئيس السادات أن موافقة مصر- والدول العربية- على القرار رقم (٢٤٢) الصادر عن مجلس الأمن يشكل برأيه اعترافًا من جانب مصر بحق إسرائيل في الوجود، وأعلن أنه مستعد للموافقة على تدويل مدينة القدس كحل بديل لقيام قيادة عربية على القطاع الأردني السابق من المدينة، وصرح بأنه سيعيد فتح قناة السويس على أن تقوم إسرائيل بانسحابات جديدة» (الرأي 18/٢/1975).
هذا هو الطريق إلى مؤتمر السلام والحياة لإسرائيل، ومؤتمر الذل والهزيمة والعار للعرب والمسلمين.
مؤتمر يعترف فيه العرب لليهود باحتلال أوطانهم وسرقة ثرواتهم والاعتداء على عزتهم وكرامتهم.
مؤتمر يضحي فيه العرب بأرواح شهدائهم التي أزهقت ودماء الأبرياء التي سفكت، وأعراض الطاهرات التي هتكت والمقدسات التي أحرقت.
مؤتمر ينسى فيه الفلسطينيون التشرد الذي فرضه عليهم اليهود، والتشتت الذي كان سببه اليهود، والغربة التي كتبها عليهم اليهود.
فإذا لم يرض العرب والفلسطينيون بهذا الطريق فلينفوا عن أنفسهم جريمة الاشتراك بهذه المؤامرة وليعملوا على إحباطها. أما إذا رضوا بذلك، فلا يلوموا إلا أنفسهم، ولينتظروا بعد ذلك أيامًا سوداء يترحمون فيها على أيامهم السابقة ورحم الله من قال:
أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يعرف طهر الصنم
لا يلام الذئب في عدوانه
إن يك الراعي عدو الغنم
كفكفي الدمع فلولاك لما
كان في الحكم عبيد الدرهم
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (يوسف: ٢٢).
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل