; المجتمع التربوي: 1136 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1136

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 83

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 31-يناير-1995

الصوم.. تربية للإرادة عبودية لله

  • من خير ما يشغل به الصائم نفسه تلاوة القرآن وتدبر معانيه تأسيًا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث كان جبريل يدارسه القرآن كل ليلة.

بقلم: محمد عبد الله الخطيب

"الله أكبر.. اللهم أهله علينا باليمن والإيمان.. والسلامة والإسلام.. والتوفيق لما تحبه وترضى ربي وربك الله.. هلال خير ورشد".

إن لله في أيام دهركم نفحات والسعيد من يعرض نفسه لهذه النسمات الطيبة بعد رحلة شاقة طوال العام فيسترد أنفاسه، ويزكو قلبه، وتتحرر إرادته، ويحل ضيفًا على أرحب ساحة وأكرم جوار.

ورمضان شهر يباهي الله ملائكته فيه بعبده الصائم: "يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي".

ولا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها ومربيها، وهذه المحبة سرور النفس ونور القلوب يجدها المؤمن في رمضان حين يرتقي بطاعته لله، يقول أحد العارفين: "إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها، إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب" وقال آخر: "إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له".. وقال ثالث: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف".

ولبلوغ هذه المنازل لا بد من أن نعيد النظر في الأسلوب الذي نعايش به أيام رمضان ولياليه.. إنه شهر مجاهدة وكفاح جعله الله زادًا للقلب والروح، فلا نجعله للمعدة والأمعاء... جعله للحلم والسكينة والوقار فلا نجعله للغضب والشجار.

جعله الله لنشاط الجسم وصفاء الذهن، وطاقة للعمل والإنتاج فلا نحوله إلى الكسل والنوم وتغيير مواعيد العمل.

فهل صمنا حقًا وأدركنا سر الصيام، وتقبلنا المنحة الربانية وانتفعنا بها.. لقد عاش أسلافنا من رمضان أحلى الثمار، ويستمدون منه أعظم طاقة للعمل والسعي والجهاد، فلا مجال لعبث ولا للغو ولا لباطل، ومتى عرف المسلم الحق هذه التفاهات؟

لقد صامت القلوب عن الآثام.. وصامت النفوس عن المعاصي، وصامت الأيدي عن الأذى والسوء، يقول الحسن البصري: "إن الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر المبطلون" قيل لسيدنا يوسف - عليه السلام - وكان يكثر من الصيام: "لم تجوع وفي يدك خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع".

إننا نرجو أن نخرج من شهرنا هذا بثواب الصابرين وأجر الطائعين العابدين.

أحكام رمضان

ومن أحكام رمضان: فرض الله رمضان في العام الثاني من الهجرة، والصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، وهو أحد أركان الإسلام، يقول -صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان". (رواه البخاري)

وهو فرض عين على كل مكلف، قال الله -عز وجل-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۖ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ) (البقرة: 185).

ويشترط لوجوبه:

الإسلام، والبلوغ، والعقل، والخلو من الحيض والنفاس والولادة، والقدرة على الصوم، والصحة، والإقامة.

ويستحسن أن يدرب الأطفال والفتيات على الصوم قبل البلوغ حتى يتعودوه بعد ذلك.. "فإن من شبَّ على شيء شاب عليه".

النية

ولا يصح الصوم إلا بالنية ومحلها القلب، وتكفي النية الواحدة في أول كل صوم يجب تتابعه كصوم رمضان والكفارة.

ويقوم مقام النية الاستعداد للصيام وتحري وقت الفجر لترك الطعام وغير ذلك.

الأعذار التي تبيح الفطر

  • المريض يباح له ترك الصوم إذا ترتب عليه ضرر أو زاد المرض أو طالت مدته، بل يجب عليه الفطر إذا كان العلاج يقتضيه.
  • المسافر سفرًا طويلًا تقصر فيه الصلاة.
  • الحائض والنفساء لا يصح الصوم منهما.
  • الحامل والمرضع، إذا كان الصوم يضر بهما أو بالطفل الرضيع.
  • الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم له أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه لكبره.

ما يفسد الصوم ويوجب القضاء

يفسد بوصول شيء ولو صغيرًا إلى جوف الصائم عن عمد واختيار وعلم، على أن يكون وصوله إلى الجوف من طريق طبيعي في الجسم معتبر شرعًا، كالفم والأذن والأنف، ومن ذلك:

1- الدخان بجميع أنواعه والنشوق الذي يؤخذ عن طريق الأنف.

2- الحقنة الشرجية وهي ما تعطى من الخلف، أما الإبرة التي تعطى في الجلد أو في الشريان فليست بمفطرة، والأفضل استعمالها بعد الفطور إذا تيسر ذلك.

3- إذا بقي شيء بين أسنانه من أثر الطعام فابتلعه أثناء النهار وهو قادر على إلقائه.

4- إذا بالغ في المضمضة والاستنشاق فسبق الماء إلى جوفه.

5- خروج شيء من المعدة كالقيء -ولو قليلًا- إذا تعمده الصائم، أما إذا غلبه القيء فلا يفسد صومه.

6- الإنزال إذا تعمده الصائم بسبب من الأسباب التي تؤدي إليه عادة بخلاف الاحتلام فلا شيء فيه.

ما يوجب القضاء والكفارة

أجمع الأئمة على أن الجماع يوجب القضاء والكفارة بشرط أن يكون الصائم عامدًا مختارًا عالمًا بالتحريم، ويرى الإمام أحمد أن الجماع موجب للقضاء والكفارة مطلقًا سواء أكان الصائم عامدًا أو ناسيًا عالمًا أو جاهلًا مختارًا أو مكرهًا.

ويرى الإمام مالك أن القضاء والكفارة أيضًا في الفطر المتعمد وكذلك الإمام أبو حنيفة إذا كان الفطر لغير عذر شرعي.

والكفارة هي:

1- عتق رقبة.

2- صيام شهرين متتابعين.

3- إطعام ستين مسكينًا.

وهي واجبة على هذا الترتيب.

أشياء ليست مفطرة ولكنها مكروهة

1- مضغ الطعام أو ذوقه ثم مجه، إلا لحاجة كأن يكون الصائم يطهو الطعام.

2- الاكتحال أو القطرة في العين بغير ضرورة ويستحب أن يكون ليلًا.

الصيام الكامل

وحتى يكون الصيام سليمًا مقبولًا محققًا للغاية منه ينبغي أن تراعي الآتي:

1- الاستعانة بالسحور للحديث "تسحروا فإن في السحور بركة"، والحديث: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل".

2- تعجيل الفطر بعد التحقق من الغروب: "ولا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور".

3- أن تستغل فرصة وجود هذا الشهر فتشغله بخير ما نزل فيه القرآن الكريم، تلاوة - وتدبرًا وتفكرًا فإن جبريل -عليه السلام- كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة فيدارسه القرآن.

4- أن تصوم عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور لقوله -صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".. وقول عمر - رضي الله عنه - "ليس الصيام من الشراب والطعام وحده ولكنه من الكذب والباطل واللغو".

5- ألا يخرجك الصيام عن حدك فتتمادي في الغضب والثورة لأتفه الأسباب بحجة أنك صائم لأن الصيام أساسه سكينة النفس لا ثورتها، وإذا ابتليت بجاهل أو شتام فادفعه بالتي هي أحسن كما جاء في الحديث: "فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم".

6- أن تخرج من صيامك بإجازة العابدين ومراقبة رب العالمين وأن تظل معك هذه الجائزة ما حييت فإن "لعلكم تتقون" هي ثمرة الصيام والحكمة من فرضه.

7- أن تصون جميع الجوارح من الشهوات، قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء".

8- وإذا كنت تتورع عن الحرام في غير رمضان، ففي هذا الشهر التورع أولى ولا معنى لأن - تصوم عن الحلال وتقتر على الحرام.

9- أن تكثر من الصدقة وأن تكون بارًا بأهلك، فقد كان رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان.

10- أن تعتكف ولو قليلًا في أحد المساجد، والاعتكاف سنة، وهو في العشر الأواخر من رمضان أفضل لطلب ليلة القدر، قالت عائشة -رضي الله عنها- كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر".

11- أن تسمي عند فطرك وأن تفطر على تمرات وترًا، فإن لم تجد فعلى الماء.. وتقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله"، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول عند فطره: "اللهم إني أسألك برحمتك أن تغفر لي".

صلاة الليل "التراويح"

صلاة القيام في كل ليلة من رمضان سنة مؤكدة وتسن فيها الجماعة، ووقتها بعد صلاة العشاء وهي 8 ركعات سوى الوتر وما زاد على ذلك فهو مستحب ولو أراد أن يزيد على الثماني ركعات فله ذلك ولا حرج على فضل الله وهي عبادة يستكثر منها المسلم ما شاء حسب طاقته ومن الأفضل أن ينتهي من قراءة القرآن في القيام بانتهاء الشهر متى تيسر ذلك وروحها الخشوع وطول القراءة والسجود.

وسميت بالتراويح لأن الإمام يجلس بعد 4 ركعات للاستراحة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي الحديث أيضًا: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن".

زكاة الفطر

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد الحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين" وقد شرعها الله لتكون طهرة للصائم مما عسى أن يكون وقع فيه من اللغو والرفث ولتكون للفقراء والمعوزين.. إغناء لهم عن السؤال في هذا اليوم وتجب على كل مسلم حر مالك لمقدار صاع يزيد عن قوته وقوت عياله يومًا وليلة -والصاع- 4 أمداد -والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل ويساوي قدحًا وثلثًا أو قدحين -ويجوز إخراج القيمة، وتجب في آخر رمضان.

وأجاز جمهور الفقهاء أن تعجل قبل العيد بيوم أو يومين -وهي لا تسقط بالتأخير بعد وجوبها، بل تصير دينًا في ذمة من وجبت عليه حتى تؤدى ولو في آخر العمر.

يخرجها المسلم عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقتهم من الزوجة والأقارب وهم، الوالدان الفقيران والأولاد الذكور الذين لا مال لهم والإناث والخدم.

هذا التفاعل القوي

إعداد: عبد الحميد البلالي

الاستعداد للموت، وتقديم أغلى ما يملك الإنسان وهو نفسه في سبيل المعتقد الجديد، يدل على إيمان شامخ فوار، إيمان يهون في سبيله كل ما على هذه الأرض من متاع وزينة، ويتضاءل أمامه كل ما يستعظمه المخلوق من أمور الدنيا، هذا النوع من الإيمان يبدو أنه لا يتكرر كثيرًا في هذه الحياة، ونماذج الممارسين لهذا التفاعل الإيماني العظيم منذ اللحظات الأولى من إيمانهم قليل أيضًا في التاريخ البشري، فمن هؤلاء ما قصه علينا القرآن الكريم في شأن سحرة فرعون والذين ما إن لامس الإيمان شفاف قلوبهم حتى هانت عليهم الدنيا كلها بما فيها، وها هو فرعون يهددهم بما يملكه البشر من أنواع التهديد المرعب بتقطيع الأطراف، وصلب الأجساد، والتمثيل بالجثث، فيردون عليه: (لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه:72).

وعلى منوالهم ما روت لنا كتب السيرة عن الصحابي الأصيرم بن عبد الأشهل الذي جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في أرض المعركة يعرض عليه إسلامه، وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا علي الآن؟ فرد عليه: القتال، فقذف بنفسه بين جموع المقاتلين فقاتل حتى استشهد، ولم يصل لله ركعة.

ولنا أن نسأل ما الذي يجعل المسلمين الجدد في العالم لا يملكون هذا الإيمان العظيم عند دخولهم الإسلام، ولا أظن الجواب سيكون بتلك الصعوبة إذا ما علمنا أن هذه القضية إنما تحدث إذا ما تم التناسب الطردي بين الداعي والمدعو، فهل يملك دعاة اليوم إيمانًا صلبًا كما كان يملك الدعاة آنذاك؟! عند الإجابة على هذا التساؤل يمكننا أن نعرف سبب اختفاء هذا اللون من الإيمان الشامخ.

أبو بلال

 

الرابط المختصر :