; الصيام منهج حياة.. يحقق مقاصد الشريعة والعبودية لله | مجلة المجتمع

العنوان الصيام منهج حياة.. يحقق مقاصد الشريعة والعبودية لله

الكاتب داود حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 06-يناير-1998

* الصفاء الروحي وضبط النفس يسموان بالمسلم في رمضان:

يرتبط الصيام في حياة المسلم بتحقيق خصائص التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة، كما يرتبط بتحقيق مقاصد الشرع الخمسة: حفظ الدين والنفس والمال والنسل والعقل، وهو بذلك يسمو بالمسلم من مرتبة الحيوانية إلى الشفافية والصفاء الروحي الذي يجعله يستكشف آفاق معرفة الله بتحويله شهر رمضان الكريم من شهر طعام وشراب كبقية الأشهر إلى شهر عبادة وقراءة قرآن وقيام بالليل وضرب في الأرض بالنهار، وفيه يتكامل عنصراه الروح والجسد، والحكمة من العبادات.

في البداية توضح الدكتورة سعاد صالح- أستاذة ورئيس قسم الفقه بكلية البنات الإسلامية بجامعة الأزهر- أن أحكام الشريعة بصفة عامة تقصد تحقيق ضرورات خمس للإنسان وهي: المحافظة على الدين والنفس والنسل والعقل والمال، فكل تشريع إلهي جاء لتحقيق أحد هذه المصالح الخمس ومنها الصيام نفسه.

كما أن العبادات شرعت لإظهار التذلل والطاعة لله سبحانه وتعالى، ولكل عبادة أسرارها المعلنة والباطنة فالصلاة قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: 45) والصوم قال فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، والتقوى هي اجتناب ما حرمه الله من قول أو فعل والالتزام بأوامره.

والصيام- والكلام للدكتورة سعاد صالح- فيه تهذيب للنفس وكسر لشهوتها ومن أجل ذلك جعله الله مضافًا إليه دون سائر العبادات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة» متفق عليه، ذلك لأنه عبادة خاصة بين العبد وربه لا يطلع عليها أحد، ففي تحقيقه حفظ الدين، حيث نرى الصائم يلتزم بالتقوى ونرى الصائم يصون نفسه عن الوقوع في المحرمات وفيه وجاء ووقاية من كل أمراض العقل، كما شرع الصوم لحفظ المال والطعام وعدم الإسراف والتبذير ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: 31).

وهكذا نجد أن عبادة الصوم تحقق المصالح الخمس فضلًا عن التيسيرات والرخص التي شرعت في هذا الشهر كالفطر للمسافر والحامل والمرضع.

ويقول الشيخ سيد عسكر- الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف: إن الصيام أحد مظاهر الخضوع والعبودية لسلطان الله وعندما يلتزم المسلم بأمر الله في الصوم فإنه يحقق الهدف الأول منه وهو العبودية والاهتمام بشعائر الدين.

والصيام يحقق للإنسان القدرة على ضبط النفس ويقوي عزيمته وإرادته فيجعله قادرًا على الأمتثال للأوامر واجتناب النواهي وبذلك يرتقي الإنسان، وبدون هذا الالتزام يهبط إلى مستوى الحيوان.

والإسلام حين أمرنا بالصيام بين لنا الحكمة منه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، وعندما نظر إلى حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأصحن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، إذن فالصيام من أسراره وحكمه أنه يبعد الإنسان عن المنكرات ويقربه من الطاعات ويضعه في الوضع اللائق به كإنسان.

كما أن الصيام يعين الإنسان على التخلص من العادات السيئة التي يصعب عليه التخلص منها في غير أوقات الصيام، كما يسهل عليه التعود بالعادات الحسنة.

ويضيف الشيخ عسكر: هناك أيضًا العديد من الحكم المستترة للصيام منها تلك القوة الروحية للإنسان، الذي إذا قويت روحه واستطاع التحكم في مشاعره وغرائزه أصبح إنسانًا سويًا، أما مع ضعف الروح والجسد فستكون النتيجة سيئة جدًا.

ومن هذا الحكم إحساس المسلم بانتمائة إلى الأمة من خلال ما نراه من إفطار وصيام جماعي، وهو أمر نحتاجه جدًا هذه الأيام لنقوي به أنفسنا ونواجه أعداءنا، ومنها أن الصائم يتعامل مباشرة مع ربه دون رياء أو سمعة كما يمكن أن يحدث مع المسلم في العبادات الأخرى.

ويرى الدكتور يحيى إسماعيل- أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر-: أن المغزى الإساسي للصيام هو الاحتفال بنزول القرآن من بيت العزة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بالصيام في نهار رمضان والاستعداد للقيام في ليله، وقد خفف الله عنا أعباء الطعام والشراب حتى تتهيأ القلوب للاحتفال الحقيقي الذي قال تعالى فيه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (الأنبياء: 10)، فتدبر الآيات هو علة إنزال الكتاب ولهذا فإننا نلفت النظر لجهود خصومنا وأعدائنا لما عجزوا عن إبطال الفريضة فإنهم تحولوا إلى تفريغها من مضمونها وتحويل الشهر إلى فوازير ومسلسلات والتباهي في الأطعمة والزينات والملابس ولا ضير في أن يتحول الليل إلى نهار والنهار إلى ليل.

ويضيف الدكتور يحيى إسماعيل بأن الصيام يقدم أسسًا عقائدية تقوم عليها كل الشعائر ومنها التسليم لله والاعتقاد بصحة ما أنزل إلينا واللجوء إلى الله واليقين فيه والتوكل عليه، وإكمال النقص في تأدية العبادات، فلا عبادة شرعها الله لخلقه إلا وربطها بما يجبر ما وقع فيها من نقص أو خلل حتى تؤدي دورها في تهذيب النفس والطبع وإقامة أمر الله في الأرض ففي الحج قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ (البقرة: 199)، حيث يجب بعد الحج أن يستغفر الحجاج عما حدث من خلل منهم في الحج، والصيام كذلك: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: 185)، فكمال العدة وذكر الله بعدها بالتكبير لتوقير أمره وزيادة شكره ومعرفة حقه علينا.

ويقول الدكتور أحمد شلبي- أستاذ ورئيس قسم الحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة-: إن شهر رمضان للمسلمين هو الفرصة العظمى لاستدراك تاريخهم ومواجهة التحديات التي يعيشونها الآن لما فيه من آيات وحكم اكتشفها الأولون والتابعون، فكانت أكثر انتصاراتهم التاريخية فيه، وذلك لأن الصيام يعلم الصبر والصفاء والبعد عن العوائق الأرضية والمادية.

ويستطرد الدكتور شلبي: بأن شهر رمضان يختص بعدد من الخصائص التي لا توجد في أي شهر آخر ومنها أن يعلم المسلمون أن النصر مع الصبر، وأن القوة الروحية أقوى من المادية وهو ما يكذب إدعاءات الغرب من أن الصيام يضعف المسلمين، وأنه لا يستطيع أحد أن يؤدي عمله إلا بالإفطار.

الرابط المختصر :