; الصومال الغربي مواجهة حضارية | مجلة المجتمع

العنوان الصومال الغربي مواجهة حضارية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980

مشاهدات 87

نشر في العدد 490

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 22-يوليو-1980

● الملا محمد عبد الله حسن مجنون لأنه حارب ثلاث دول أوربية مع الحبشة بقوة بسيطة!

● للشيوعية العالمية مطامع قيصرية قديمة في السيطرة على القرن الإفريقي. ●تصاعد نشاط الثوار يقلب موازين الحسابات الاستعمارية.

● الصومال الغربي بلد مسلم 100%

● أخفق الهجوم الشيوعي الكبير، والثوار يسيطرون على أكثر من ٧٠٪ من الأراضي المحررة.

● جهاد الثوار الصوماليين يصب في حركة الجهاد الإسلامية العالمية ضد مظاهر الاستعمار والعمالة والهزيمة.

يلاحظ القارئ العربي المتتبع للأخبار السياسية هذه الأيام نشاطًا ملحوظًا لثوار الصومال الغربي الذين تقودهم جبهة تحرير الصومال الغربي فقد نقلت الصحف المحلية في الأسبوع الماضي أخبارًا وتقريرًا عن نشاط الجبهة خلال الشهرين الماضيين «نيسان وأيار» وقد جاء في التقرير: مقتل ۸۰۸ جنود إثيوبية وأسر ٧٢ جنديًا آخر في صحراء أوغادين، ومقتل الحاكم الإثيوبي لمقاطعة دوقا في منطقة هرر.. الخ.

ولمعرفة أبعاد الصراع الإثيوبي الصومالي ولإلقاء ضوء على جبهة التحرير الصومالية، نقدم للقارئ الكريم هذه المقالة التي اعتمدت أساسًا على ما قدمه السيد عبدالله محمود سعدي ممثل الجبهة في الكويت من معلومات ووثائق خلال مقابلة أجريت معه في الأسبوع الماضي في إدارة المجلة. 

الصومال الغربي.. والثورة المنسية

ثورة الصومال الغربي ليست جديدة، ولكن التعتيم الإعلامي غطّى على أخبار انتصاراتها، ذلك أنها تمثل صراعًا حضاريًّا واضحًا بين طرفين متمايزين، ورغم أن العدو الإثيوبي بدَّل جلده الصليبي بعد هيلاسيلاسي إلى جلد أحمر على يد منغستو مريام الشيوعي فإن جوهر الصراع بقي واحدًا دائمًا، المطامع الاستعمارية المدفوعة بأحلام قيصرية «بيضاء أو حمراء» يغذي ذلك كله حقد تاريخي على الإسلام الذي يمتد سلطانه في القارة العذراء.

الموقع الاستراتيجي

تنبع أهمية الصومال الغربي من كونه يقع في منطقة القرن الإفريقي ذات القيمة الاستراتيجية العالية لقربها من البحر الأحمر والخليج العربي، مع ما تمثله هذه المنطقة من أهمية دولية نتيجة احتوائها لمعظم ما يحتاجه العالم من النفط فضلًا عن أن منطقة القرن الإفريقي مرتبطة بشكل مباشر بالشرق الأوسط.

ولذلك حرص الاستعمار العالمي والمحلى على إبقاء هذه المنطقة في توتر دائم حتى لا تتمكن شعوبها من العيش بسلام وبناء تقدمها الاقتصادي والحضاري.

جبهة التحرير

عرف السيد سعدي الجبهة بقوله: إنها جبهة تحارب ضد الغزو الشيوعي لكي تجد استقلالها وحريتها من الاستعمار الإثيوبي المدعم بالسوفييت والكوبين!! 

وقد نشأت الجبهة بعد إخفاق المساعي للحل السلمي مع حكومة الحبشة وقد بدأت الجبهة كفاحها المسلح منذ حزيران ١٩٦٣ بقيادة «مقتل طاهر» ولقد سبق الجبهة قيام منظمات سريَّة للكفاح المسلح مثل «حزب نصر الله» في عام ١٩٥٠ وقد قام بعمليات فدائية ضد مراكز قوات الشرطة وجيش الاحتلال الحبشي في المدن والمناطق الريفية، ومع اقتراب موعد استقلال الصومال الإيطالي والبريطاني سابقًا، نشطت التحركات السياسية في المنطقة المحتلة لضم حزب نصر الله مع حزب وحدة الشباب الصومالي الذي كان أول حزب سياسي تَشَكَّل عام ١٩٤٣ ومنهما تكونت «جبهة تحرير الصومال الغربي». 

لقد حققت الثورة خلال عشرة أشهر فقط انتصارات عسكرية رائعة هزت حكومة الإمبراطور هیلاسیلاسي فسحبت قواتها من الريف والمناطق النائية، ووجهت ضربة ضد جمهورية الصومال الفتية في شباط سنة ١٩٦٤ وكان الهدف تحويل الأنظار عن ثورة الصومال الغربي مع تجاهلها.

الثورة والشيوعية!!

الانقلاب الشيوعي الذي أتي بمنغستو مريام ١٩٧٤ لم يأت بجديد بالنسبة للثورة، بل كان مجرد عملية تغيير للأدوار، سقط منها أسد يهوذا العجوز ليحل محله الثعلب الأحمر، وقد خاب أمل الجبهة بحصول أي تغير في سياسة الحبشة وسقطت بذلك ادعاءات الشيوعية العالمية بتأييد حركات التحرر الشعبية، ولذلك صعدت الجبهة من عملياتها وحررت في عام ۱۹۷۷ عدة مدن رئيسية إضافة إلى معظم الريف، ولم ينفع تجاهل الثورة فقد فرضت نفسها على الأخبار عندما اقتربت من مشارف أكبر مدينتين في الصومال الغربي هما «دریداو وهرر» وعطلت خط سكة الحديد الذي يربط أديس أبابا بجيبوتي مرورًا بمدينة دريدوا.

فكرة عن الجبهة

يبدو أن الوجه السياسي للجبهة غير واضح الملامح تمامًا، فقد أفاد ممثلها هنا بأنها حركة تسعى إلى الحرية والاستقلال «وبعد الاستقلال يتحدد التوجه السياسي عن طريق الشعب نفسه» وهي تتوقع أن يكون توجهًا عربيًّا إسلاميًا يطلب الانضمام إلى بقية الحركات العربية الإسلامية وفي سؤال صريح للسيد سعدي: هل تعتبر الجبهة إسلامية؟!

أجاب: هذه الجبهة تحارب لأجل حريتها وهي متمسكة بعقيدتها. 

والشعب في الصومال الغربي شعب مسلم كافح لأجل دينه لمدة طويلة، إنه يعيش وسط شعب إثيوبي نصراني، حاول هدم عقيدته بهدم المساجد وبناء الكنائس «كما في هرر» وقد حاولوا تنصير الشعب ولكن لم ينتصر أحد وبقي مسلمًا 100%

صراع حضاري

إذن المعركة قديمة بين الطرفين، ولقد قامت حروب كثيرة بين الصومال وبين الحبشة، واضحة الأهداف متميزة المعالم، وفي كل مرة تبدأ الحرب بين الطرفين كان الأحباش ينهزمون دائمًا ويستنجدون بالدول النصرانية دائمًا.

1- ففي القرن السابع عشر استنجدوا بالبرتغال بعد أن هزمهم الشيخ المجاهد أحمد إبراهيم «جري».

2- وفي القرن التاسع عشر استنجدوا بالإيطاليين.

3- وفي القرن العشرين استنجدوا بالإنكليز بعد أن أذاقهم الشيخ محمد عبد الله حسن «الملقب بالملا المجنون!!» الويل والهوان على مدى عشرين سنة من مطلع القرن حتى ۱۹۲۱ مع أنه حارب ضد ثلاث قُوى أوربية استعمارية إضافة إلى الحبشة.

4- وفي الثلث الأخير من القرن العشرين استنجدوا بالشيوعية العالمية ومع هذا فإن الثوار حرروا أكثر من ٥٠٪ من الأراضي وفي الليل يسيطرون على أكثر من 70% ولكن المدن الرئيسية ما تزال محتلة وهي محاصرة بقوات الجبهة.

الهجوم الكبير

لقد توصلت الجبهة منذ بداية ١٩٧٦ وحتى أواخر شباط ۱۹۷۸ إلى تحرير ٩٥٪ من أراضي الصومال الغربي بعد أن تكبد العدو الإثيوبي خسائر فادحة في الأرواح تقدر بأكثر من مائة ألف إضافة إلى تدمير مئات من آلياته ودباباته وأسلحته الثقيلة، وعندما لم يبق أمام الثوار سوى تحرير مدينتين رئيسيتين هما «دريدوا وهرر» تدخل السوفييت والكوبيون لإنقاذ عميلهم منغيستو وبدأ الهجوم الكبير وأنزلت الطائرات السوفييتية الضخمة الدبابات والمعدات والمدافع والجنود على امتداد طريق يزيد على «1000» كم شطروا فيها قوات الجبهة، وانسحب الجيش الصومالي الذي كان يدعم الثوار بخسائر طفيفة، واحتلَّ الغازون المدن الرئيسية.

هدف الهجوم الشيوعي:

لقد ارتكب السوفييت هذه الحماقة لرغبتهم في السيطرة على القرن الإفريقي وليصلوا إلى مواقع على البحر الأحمر الذي كاد ينغلق تمامًا ليصبح «البحر العربي» الخالص، ولكن الأهداف أخفقت لأن الشعب الصومالي قاتل ببسالة ولكنهم نجحوا في احتلال المدن الرئيسية.

مأساة اللاجئين

ولكن هذه الحرب المستمرة أفرزت مشكلات كثيرة، أبرزها مشكلة اللاجئين، وهي مأساة إنسانية مؤثرة، فإضافة إلى القحط والجفاف الذي أصاب منطقة أوغادين هاجر الآلاف إلى الصومال الغربي هربًا من كل هذا، وبدأت الأحباش على تهجير السكان ليفرغوا الريف من أهله وليحرجوا الثوار وليزيدوا في متاعبهم وليربكوا جمهورية الصومال التي تجد نفسها -على فقرها- مضطرة لإيواء مليون ونصف المليون من اللاجئين، الذين يضربهم الجوع والمرض ويموت منهم العشرات يوميًّا، والمساعدات العربية لهم تبدو ضعيفة أمام نشاط الجماعات التبشيرية الغربية التي تحاول تحت ستار الغذاء والدواء جلب المعتازين والمحتاجين إلى عقائدها المشبوهة.

ماذا عن المستقبل؟

رغم الاستعدادات الهائلة التي يقوم بها الأحباش والدعم الكبير من الشيوعية العالمية، فما يزال الثوار يتقدمون، وقد ورد في الأنباء أخيرًا أن السوفييت يجهزون بعض الأسلحة الكيماوية والجرثومية الجديدة- ربما لتجريبها على ثوار الصومال وإرتيريا أيضًا، ولكن ذلك كله لن يمنع من استمرار الثورة حتى النصر بإذن الله.

الثورة والقضايا العربية:

إن التحديات الخطيرة التي تواجه شعب الصومال الغربي لن تؤثر عليه فقط، ولكنها ستؤثر على مجمل قضايا المنطقة العربية خصوصًا؛ بسبب التدخل الأجنبي وحرب الإبادة الحبشية، وعلى هذا فإن على الحكومات العربية أن تنظر جديًّا في مسألة التهديد الشيوعي في منطقة القرن الإفريقي وحل مسألة اللاجئين، لأن آثار هذه الحرب لن تكون محلية أبدًا بل إنها ستؤثر على مجمل الأحداث الجارية في المنطقة العربية وعليه فإنه لا يجوز النظر إليها كقضية منفصلة عن قضايا أمتنا الرئيسية. 

الرابط المختصر :