; معالم على الطريق: الإنترنت والمواقع والمدونات العربية | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق: الإنترنت والمواقع والمدونات العربية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 68

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 39

السبت 09-يونيو-2007

اهتمت السياسة الأمريكية والغربية بالمواقع والمدونات العربية التي يديرها أفراد ومؤسسات غير حكومية، والتي بلغت في الآونة الأخيرة حجمًا كبيرًا من حيث الكم، وتقدمًا عظيمًا من حيث الكيف وقدر المحللون عدد المدونات كرقم إجمالي 25000، وتتنوع تلك المدونات بين سياسية واجتماعية وعلمية وعنصرية وهجومية وإخبارية. 

وقد أصبحت هذه المدونات مصادر أساسية للأخبار، حيث يقوم بها نشطاء سياسيون وصحفيون نابهون أحرار، ونخب فكرية، واجتماعية، بالإضافة إلى بعض الجهات الأجنبية التي تريد توجيه الرأي العام إلى ما تريد، وقد تخطط هذه المدونات الخطوط الحمراء التي رسمتها الأنظمة واخترقت الستار الحديدي الذي ضرب على الفضائح، والفساد، والتجاوزات، التي تقوم بها طبقة معينة محمية ومسلطة على الشعوب لصالح نفسها، وصالح المتنفذين فيها، وصالح جهات مشبوهة، حتى أن بعض الصحف غير القومية مثل المصري اليوم والدستور في مصر، تشير إلى مدونات معينة بشكل دوري كمصادر لأخبارها. 

ويتحدى هذا الفضاء العام للمدونات «السلطة العامة» وبشكل مباشر، حيث تفقد النخبة المحصنة بعض قوتها، مما يحد من إملاء شروطها، وسطوة تأثيرها ودعاياتها وضلالاتها في الإعلام القومي الموجه لصالح شهواتهم، وتظهر بشكل معقول خطاب الجماهير الذي يراد تكميمه وتدجينه وإبعاده عن ساحة التأثير أو الاختيار، أو حرية الإعلان عن رأيه بحرية ودون خوف من سيف الإرهاب وسطوة المعز وذهبه.

هذا، وقد أصبح يقوم على هذه المدونات جيل من المواطنين المثقفين الأذكياء النابهين سياسيًا، والذين صمموا على أن يتحدثوا على الملأ حتى يكونوا بديلًا عن الصحافة القومية الفاشلة والمنافقة، ويملؤوا الفراغ الذي أوجده هذا الإعلام السائد.

كما أن الكثير من المدونات قد خصص مساحات لا بأس بها للحديث عن قضايا الساعة العربية الكبيرة، كمعاناة الشعب الفلسطيني، وتخلى العرب عن ذلك الشعب العظيم، وعدم مساندته، كما كشف تثبيط بعض الأنظمة بل واصطفافها في جانب المحتل، وسكوته على جرائمه بل ومساعدته على بذر الفتن بين إخوة الكفاح، كما كشفت كثيرًا من المخططات الغربية لاحتلال الشعوب وضرب مقدراتها، وغزوها عسكريًا، واستطاعت أن تجيش مقاومة لنزال المستعمر والمحتل. 

هذا، وإلى الآن لم يستطع النظام العربي الاستفادة من هذه المدونات، أو إدراك قيمتها في تنشئة الجماهير على الوعي السياسي، وعلى الحرية السياسية، والنقد البناء، وكشف الفساد الذي ينخر في جسد الأمة، واكتشافها كجهاز إنذار مبكر، لمعضلة ما، وقد فعل كثير من النظم الغربية ذلك واستفاد من معظم المدونات الموجودة كحل لكثير من المعضلات، واكتشاف كثير من التجاوزات، على حين عادتها الأنظمة العربية وجندتها خصومًا ألداء، وسعت لمحاربتها والنزال معها، وسمحت لأجهزتها المخابراتية والأمنية بالمضي في قمع الإعلام والنشاط السياسي لتلك المدونات، وصرحت بأن التسامح معها قد يحرض الجماهير على العصيان، وقد يكشف الكثير الكثير من التجاوزات التي تحرص على التستر عليها. 

وقد أدى ذلك إلى عداوة الكثير من المصلحين للدولة أو تخليهم عن موالاة المتنفذين فيها. 

وما لي من ذنب إليهم علمته             سوى أن قلت يا بلدي اسلمي 

ألا يا اسلمى، ثم اسلمي ثم اسلمي       ثلاث تحيات وإن لم تكلمي 

وكان مما زاد الطين بلة أن عمد البعض إلى ديكورات تنظيمية، أو سياسية، لمواجهة هذا النقد المتواصل، والكشف الدائم للأخطاء المستديمة، والتي أصبحت مزمنة ومستعصية على الحل:

لقد كان الظلم فوضى فهذبت               حواشيه حتى صار ظلمًا منظمًا 

وأصبح يرتكب باسم تعدد السلطات كل جرائم، وبالأجهزة التشريعية كل التجاوزات والكوارث، وبالقضاء المسيس كل القمع والتعديات، وبالدستور كل قهر ودكتاتوريات، وتلفيق، وإرهاب، وكأن هذه الأجهزة والسلطات خلقت وجعلت لتكون هي والقائمين عليها لعنة الزمان ونحس الأيام: 

خلقوا وما خلقوا لمكرمة                         فكأنهم خلقوا وما خلقوا 

رزقوا وما رزقوا سماح يد                        فكأنهم رزقوا وما رزقوا 

حتى قطع الكثيرون الرجاء فيهم، والأمل في رياستهم وحكمتهم، والتطلع في ريادتهم وحنكتهم، وهل: 

يرجون من ظلم أهل الظلم مغفرة           ومن إساءة أهل السوء إحسانًا؟ 

واختار الكثيرون السلام خوفًا على الأمة، والتحمل حدبًا على الناس والصبر على الأذى خوف الفتنة. 

وإن الذي بيني وبين بني أبي                وبين بني عمي لمختلف جدا 

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم            وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا 

وان ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم       وإن هووا غبي هويت لهم رشدا 

وإنك في الحقيقة لا يخفى عليك في حينك وأوانك هذا الأمر في كثير من المواقف والتجاوزات التي تسر العدو، وتحزن المخلصين والمؤمنين والوطنيين الغيورين، على حضارتهم، ومجدهم، ومستقبلهم، وهل هناك أبأس من الافتراء على أطهر ناس في الأمة، وتفصيل التهم لهم، واستحلال سجنهم، ومصادرة أموالهم، وتحويلهم إلى محاكم عسكرية، وتركهم نهبًا لعدوهم بعد أن برأتهم ثلاث محاكم مدنية؟ وهل هناك كارثة أفظع، وأبأس من محاكمة المخلص على إخلاصه، والمفكر على فكره الخلاق، والعمل على استغفال الأمة المسكينة التي سلمت عنقها الجزارين لا يراعون فيها إلًا ولا ذمة، حتى مات الشعور، وحار فيها النطاسي الماهرة؟! 

كم لي أنبه غافلًا من نومه                 يزداد نومًا كلما نبهته 

فكأنه الطفل الصغير إذا بكي              يزداد نوحًا كلما حركته 

وبعد، فهل ستظل الشعوب غافلة إلى الأبد؟ وهل سيستمر الاستغفال؟ لا أظن.

الرابط المختصر :