; الصهيونية.. ماذا أنجزت في مائة عام؟-الحركة الصهيونية.. عوامل النهوض والانهيار- | مجلة المجتمع

العنوان الصهيونية.. ماذا أنجزت في مائة عام؟-الحركة الصهيونية.. عوامل النهوض والانهيار-

الكاتب قدري حفني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

مشاهدات 55

نشر في العدد 1266

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

الحركة الصهيونية أصبحت في عيون المجتمع الإسرائيلي: عظامًا جافة...حركة عجوز.. شعور بالانزواء!.

السبب الأساسي لمشكلة اليهود ليس معاداة السامية وإنما فقدانهم للإحساس بالوحدة والترابط.

حلم «من النيل إلى الفرات»...  هدف تحقق عشية حرب ١٩٦٧م لكنه بدأ في التآكل عشية حرب ۱۹۷۳ م ومازال التآكل مستمرًا.

الصهيونية «حركة سياسية» تطالب بإعادة توطين اليهود في فلسطين المحتلة كوسيلة لحل المشلكة اليهودية، ذلك هو التعريف القاموسي الشائع، والصحيح أيضا للصهيونية ولعل أفضل وسيلة لتتبع مسار الحركة الصهيونية هو أن نبدأ بهرتزل باعتباره البداية المجسدة للعمل الصهيوني السياسي المنظم. 

ولد هرتزل في المجر عام ١٨٦٠م، وكان الابن الوحيد لتاجر ثري، وانتقلت أسرته إلى فيينا حيث درس القانون، ولعله مما يستوقف النظر أن هرتزل قد قضى حياته لا يعرف اللغة العبرية، ويقال إنه أراد مرة أن يترك أثرًا قويًا على نفوس المجتمعين في المؤتمرالصهيوني الخامس الذي انعقد في بازل في ديسمبر عام ١٩٠٦م، فتلا الشعار الصهيوني حول عدم نسيان أورشليم بالعبرية بعد أن كتبت له الكلمات بالحروف اللاتينية.

وقد بدأ انشغال هرتزل بالمشكلة اليهودية خلال عمله بالصحافة التي اشتغل بها منذ عام 1884م حين ذهب إلى باريس؛ ليغطي قضية الضابط الفرنسي اليهودي درايفوس الذي اتهم بالخيانة العظمى والتجسس لحساب ألمانيا، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن اكتشفت براءته عام ١٨٩٦م، بعد أن قضى عامين في السجن وثارت القضية من جديد باعتبارها تجسيدًا للمشكلة اليهودية بما تعنيه من اضطهاد لليهود، وهو مضمون سلسلة المقالات الشهيرة التي كتبها إميل زولا تحت عنوان «إني أتهم».

وفي هذا العام أي عام ١٨٩٦م، أصدر هرتزل كتابه الشهير «دولة اليهود» الذي طرح فيه بوضوح أن الحل الوحيد للمشكلة اليهودية هو حل سياسي يتمثل في إنشاء دولة 

صهيونية وثمة ملاحظات أربع تستوقف النظر في مضمون هذا الكتاب التاريخي:

الملاحظة الأولى: أن الكتاب لم يتضمن تحديدًا لمكان الدولة المقترحة طارحًا على اليهود المفاضلة بين الأرجنتين وفلسطين

الملاحظة الثانية: أن هرتزل لم يستشهد في هذا الكتاب بأي نصوص توراتية بل إنه لم يشر إلى اليهودية باعتبارها ديانة بل هوية قومية.

الملاحظة الثالثة: أن الكتاب لم يتعرض من قريب أو بعيد لقضية إحياء اللغة العبرية الملاحظة الرابعة: أن هرتزل قد أكد في هذا الكتاب أنه لكي يتحقق قيام تلك الدولة الصهيونية فلابد من أن يحظى ذلك بموافقة ومساندة إحدى الدول الكبرى.

لقد مات هرتزل عام ١٩٠٤م في سن الرابعة والأربعين، إثر إصابته بانهيار جسدي مفاجئ لم تعرف أسبابه، وكان آنذاك قد عقد تحت رئاسته ستة مؤتمرات صهيونية متتالية.

ومن الجدير بالذكر أن دعوة هرتزل لإقامة دولة صهيونية لم تحظ بإجماع اليهود على تأييدها بل أثارت ردود فعل يهودية عنيفة العداء ولعلنا نستطيع أن نرصد فيما يلي بعضًا من تلك التيارات اليهودية التي عارضت دعوة هرتزل من منطلقات مختلفة متباينة.

أولًا: أتباع ما يعرف باسم تيار الصهيونية الثقافية ويرفض أصحاب هذا التيار التسليم مع هرتزل بأن السبب الأساسي لمشكلة اليهود في معاداة السامية، بل يرجعون تلك المشكلة إلى فقدان اليهود للإحساس بالوحدة والترابط، وبالتالي فإن المطلوب لحل المشكلة لا يتمثل في دولة يهاجر إليها اليهود بل هي إقامة مركز روحي صهيوني لليهود، ولقد انتهى هؤلاء الصهاينة الثقافيون إلى اتهام هرتزل بأنه يحاول حل مشاكل اليهود على حساب يهوديتهم.

ثانيًا: أتباع ما يسمى بتيار الصهيونية العملية، وعلى رأسهم وايزمان، وكان أصحاب هذا التيار يأخذون على هرتزل إصراره على ضرورة الاعتماد بشكل أساسي على المفاوضات الدبلوماسية مع الدول الكبرى، وكانوا يرون أن حل المشكلة اليهودية لن يتأتى عن طريق الاعتماد الكامل على المناورات السياسية والدبلوماسية، ولا عن طريق الضمانات الدولية، بل عن طريق جهود اليهود الذاتية في سبيل إعادة بناء الوطن القومي.

ثالثًا: لقد عارض قادة يهود شرق أوروبا هرتزل باعتباره صهيونيًّا إقليميًّا لأنه لم يكن حاسمًا في اختيار فلسطين كوطن قومي لليهود، بل طرح بدائل عديدة تراوحت بين الأرجنتين وقبرص والعريش، وأوغندا وفلسطين، ويتفق ذلك مع طرح تيار الصهيونية الإقليمية والتي كان رائدها الروائي الإنجليزي زانجويل والتي ترى أن الاختيار الأفضل لإقامة وطن قومي لليهود هو أوغندا، وأن فلسطين بالذات غير مناسبة نظرًا لأنها مأهولة بالعرب.

ورغم كل ذلك فقد نجح هرتزل في شق مساره ليحول الفكرة الصهيونية إلى حركة صهيونية لها بناؤها التنظيمي، ولعل الوسيلة المُثلى لرصد مسار الحركة الصهيونية في مراحلها الأولى هي تتبع أهم مؤتمراتها في تسلسلها التاريخي:

المؤتمرالأول: انعقد المؤتمر الصهيوني الأول بناء على دعوة هرتزل وتحت رئاسته في مدينة بازل في أغسطس ١٨٩٧م، وقد أعلن هرتزل في هذا المؤتمر أنه لا يمكن حل المشكلة اليهودية حلًّا جذريًّا من خلال التوطين البطيء أو التسلل إلى الوطن القومي المختار دون مفاوضات سياسية بل إن هذا الحل يتطلب بالضرورة مفاوضات سياسية وضمانات دولية، واعترافًا قانونيًا بالمشروع الاستيطاني من قبل الدول الكبرى.

المؤتمر الثاني: انعقد في بازل في أغسطس 1898م، وذلك بعد أن أعلن بعض قادة

 اليهود في أوروبا الغربية معارضتهم للحل الصهيوني للمشكلة اليهودية، وقد كان التركيز الأساسي في هذا المؤتمر على ظاهرة معاداة السامية باعتبارها خاصية لصيقة بكافة أشكال المجتمعات التي يتواجد فيها اليهود كأقلية مهما كانت ليبرالية هذه المجتمعات.

المؤتمر الثالث: انعقد في بازل أيضًا في أغسطس ۱۸۹۹م، وعرض فيه هرتزل لنتائج اتصالاته مع القيصر الألماني في إسطنبول وفلسطين والتي عرض فيها على القيصر أن تقدم الحركة الصهيونية خدماتها الاقتصادية والدعاية – للإمبريالية الأثمانية الصاعدة آنذاك في مقابل تبنِّي الإمبراطور الألماني للأطماع اليهودية في فلسطين وتزكيتها لدى السلطان التركي.

المؤتمر الرابع: انعقد في لندن في أغسطس١٩٠٠م، واتضح فيه أن هرتزل قد أدرك تعاظم مصالح بريطانيا في المنطقة فحول اتجاهه إليها كما استشرف المؤتمر احتمالات الحاجة لاستخدام العنف في الاستيطان، فوضع بذور إنشاء الحركة القومية للرياضة اليهودية للمساعدة في تكوين الإنسان اليهودي الجديد القادر على القتال.

المؤتمر الخامس: انعقد في بازل في ديسمبر١٩٠١م وأعلن فيه هرتزل عن مقابلته للسلطان عبد الحميد الثاني، وفشله في إقناعه بالسماح بموجات هجرة يهودية واسعة إلى فلسطين التي كانت آنذاك إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية.

المؤتمر السادس: انعقد في بازل في أغسطس ١٩٠٣م، ويعد من أهم المؤتمرات الصهيونية وفيه عرض هرتزل لمباحثاته مع جوزيف تشميران حول مشروع الاستيطان اليهودي في شبه جزيرة سيناء كوسيلة لمواجهة الثورة الشعبية المصرية التي رآها هو- أي هرتزل- وشيكة الحدوث مما يستدعي وجود كيان سياسي حليف لبريطانيا على حدود مصر الشرقية ولم تقبل بريطانيا هذه الفكرة، وعرضت عوضًا عنها مشروعًا للاستيطان اليهودي في أوغندا، وهو ما عرف باسم «مشروع شرق إفريقيا» وقد خاض هرتزل معركة عنيفة الكسب التأييد لهذا المشروع  واستصدر من المؤتمر قرارًا بإرسال بعثة استكشافية لاستطلاع الموقف على الطبيعة وذلك بأغلبية ٢٩٥ مقابل ۱۷۸ وامتناع 9٨ عن التصويت ويورد حسابيم وإيزمان في مذكراته أن خريطة فلسطين التي كانت تعلق عادة على الحائط خلف المنصة الرئيسية في قاعة المؤتمر قد حلت محلها خريطة المشروع الأوغندي وأن قاعة المؤتمر قد شهدت بعد انتهاء الجلسة الأولى اندفاع إحدى السيدات نحو المنصة ممزقة خريطة المشروع صارخة بانفعال باللغة الفرنسية سيادة الرئيس إنك خائن، كما أن شابًا يهوديًّا حاول اغتيال هرتزل بعد انفضاض المؤتمر، وقد كان هذا المؤتمر هو آخر المؤتمرات التي حضرها هرتزل قبل وفاته.

المؤتمر السابع: انعقد في بازل في أغسطس 1905م ورسه ماكس نوردو وكانت قضية المؤتمر الأساسية هي مسألة الاستيطان اليهودي في شرق إفريقيا، حيث أبدت اللجنة الموقعة إلى هناك عدم صلاحية المنطقة لهجرة يهودية واسعة، ورغم ذلك فقد دافع بعض أعضاء المؤتمر عن ضرورة الاستمرار في قبول العرض البريطاني، وذلك حتى لا تفقد الحركة علاقتها ببريطانيا، وحين رفض المؤتمر بالأغلبية هذه الفكرة انسحب أصحابها من المنظمة مؤسسين «المنظمة الصهيونية الإقليمية» ولقد حسمت الأغلبية في هذا المؤتمر اختيارها لفلسطين مؤكدة أهمية البدء بالاستيطان الزراعي عن طريق شراء الأراضي من العرب وبناء اقتصاد يهودي مستقل داخل فلسطين.

المؤتمر الحادي عشر: انعقد في فيينا في سبتمبر۱۹۱۲م برئاسة دافيد ولفسون وكان أهم ما اتخذه المؤتمر من قرارات هو قراره بإنشاء الجامعة العبرية في القدس وكذلك قراره بتعريف الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها واجبًا والتزامًا صهيونيًّا على كل من يملك القدرة المادية على خلق مصالح اقتصادية ملموسة في فلسطين وأنه يجب على كل يهودي أن يضع مسألة الاستيطان في فلسطين كجزء من برنامج حياته وسعيه لتحقيق مثاليته وكماله الخلقي.

المؤتمر الثاني عشر: انعقد في كارلسيار عام ١٩٢١م، وكانت أبرز أحداث المؤتمر ترحيبه بوعد بلفور الشهير الذي كان قد صدر عام ۱۹۱۷م، وما يذكر بشأن وعد بلفور أنه حين عرضه على مجلس الوزراء البريطاني، عارضه أدوين مونتاجو العضو اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية آنذاك، وذلك خوفًا من اعتبار اليهودية وفقًا لذلك الوعد قومية وليس مجرد ديانة ومن ثم معاملة يهود الشتات مستقبلًا باعتبارهم أجانب.

المؤتمر السابع عشر: انعقد في بازل في يونيو- يوليو 1931م عقب المظاهرات العنيفة التي شهدتها فلسطين عام ١٩٢٩م، واتجاه بريطانيا إلى وضع بعض القيود على الهجرة اليهودية وعمليات شراء اليهود للأراضي في فلسطين، وذلك لتهدئة الخواطر العربية، وقد أعلن المؤتمر احتجاجه على هذا الاتجاه، ولكن حين طالب جابوتنسكي المؤتمر أن يعلن في وضوح قاطع أن المطلب النهائي للحركة الصهيونية هو إقامة دولة يهودية في فلسطين رفض منظمو المؤتمر مجرد طرح الاقتراح للتصويت لخطورة مثل هذا الإعلان المبكر على الأهداف الصهيونية، ونتيجة لذلك فقد انسحب جابوتنسكي من المنظمة معنا عن تكوين المنظمة الصهيونية الجديدة، التي تنادي بعدم الاعتماد على حكومة الانتداب البريطانية والسعي إلى تنظيم الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين، وقد عارضت هذه المنظمة الجديدة، والتي ظلت قائمة حتى عام ١٩٤٦م – بشكل قاطع فكرة اقتسام فلسطين مع العرب وكان من أبرز تلامذة جابوتنسكي فيما بعد مناحم بيجن.

المؤتمر العشرون: انعقد في زيوريخ في أغسطس ۱۹۳۷م، تحت رئاسة وايزمان، وقد دارت مناقشات المؤتمر الأساسية حول فكرة طرحتها بريطانيا قبيل انعقاده تدعو إلى تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وقد أيد وايزمان إجراء مفاوضات مع الحكومة البريطانية بهدف التوصل إلى خطة تمكن يهود فلسطين من تكوين دولة يهودية مستقلة وثارت في مواجهة اتجاه وايزمان عاصفة من الاحتجاج رأى أصحابها فيه خسارة للجزء الأعظم من فلسطين، كما وردت بالتوراة وأن الشعب اليهودي لا يملك أن يتنازل عن حقه في أي جزء من وطنه التاريخي، ولذا فإن الدولة اليهودية لابد أن تشمل فلسطين كلها، وانتهى المؤتمر بتبنِّي حل وسط تمثل في اعتبار مشروع التقسيم غير مقبول، إلا أنه فوض المجلس التنفيذي في التفاوض مع الحكومة البريطانية لاستيضاح بعض النقاط.

المؤتمر الثاني والعشرون: انعقد في بازل في ديسمبر ١٩٤٦م تحت رئاسة وايزمان، وهو آخر مؤتمر يعقد خارج فلسطين وقبل قيام الدولة وقد دار الحوار الرئيسي في المؤتمر حول الضغط على بريطانيا لخلق الدولة الصهيونية، ورغم وفاة جابوتنسكي عام ١٩٤٠م، فإن أنصار اتجاهه قد تزعموا الدعوة إلى تبنِّي سياسة متشددة حيال بريطانيا، بدعوى أنها لم تف بجهودها في صك الانتداب وفي المقابل فقد تبني وايزمان فكرة الدخول في حوار مع بريطانيا باعتبارها القوة العظمي في المنطقة.

وفي ٢٩ من نوفمبر ١٩٤٧م صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين وبدأت حقبة جديدة، يبدو معها وكأن أحلام الصهيونية قد تحققت بقيام دولة يهودية على أرض فلسطينية، دولة اسمها إسرائيل ولقد تمثلت تلك الأهداف المتفق عليها للحلم الصهيوني فيما يلي: 

1-أن تتحقق صهيونية كل اليهود، بانتهاء ظاهرة الرفض اليهودي الصهيونية، والحقيقة فإنه منذ قيام الدعوة الصهيونية وحتى الآن ظل ثمة رفض يهودي للصهيونية قد يتفاوت تكثيره من وقد تباين منطقات النظرية، ولكنه على قائمًا يومًا إلى الحد الذي لا يستطيع معه غلاة الصهيونية إنكار وجوده، وإن لم يكفوا عن إدانته بشراسة.

2- أن تضم دولة إسرائيل كافة اليهود بانتهاء ظاهرة يهود الشتات، ولعله من الحقائق المعروفة أن إسرائيل حتى اليوم لا تضم يهود العالم، ولا حتى أغلبيتهم، وأن اليهود كانوا ومازالوا أقليات متفرقة متناثرة.

3-أن يتحقق النقاء السكاني لدولة اليهود، بانتهاء الوجود البشري الفلسطيني، ولعلنا لسنا في حاجة إلى إيراد الشواهد على عدم تحقق هذا الحلم.

4-أن يتحقق الانسجام السكاني اليهودي داخل الدولة بانتهاء التمايز العرفي بين اليهود. ولعلنا أيضًا لسنا في حاجة إلى إيراد ما تتداوله المصادر الإسرائيلية نفسها من جهود مازالت تبذل لتقبل يهود الفلاشا مثلًا، أو تعديل الصورة السلبية السائدة عن اليهود السوفييت وبخاصة فيما يتعلق بنسائهن.

5-أن تتطابق الخريطة الدينية مع الخريطة السياسية لدولة اليهود، بتحقق مقولة امتداد أرض الميعاد من النيل إلى الفرات، وهو هدف تحقق مشية حرب ١٩٦٧م، وظل كذلك إلى أن بدأ في التآكل عشية حرب ١٩٧٣ ومازل الشكل مستمرًا فلننظر إلى آخر مؤتمرات الحركة الصهيونية العالمية المؤتمر الثاني والخمسون الذي انعقد في القدس عام ١٩٩٢م ترى ما طبيعة الانطباعات الإسرائيلية عن هذا المؤتمر؟

يقول الكاتب الإسرائيلي أوري جوردون في مقال له نشر في صحيفة دافار في6/8/1992م بعنوان «تأملات مع انتهاء المؤتمر الصهيوني52»

وهناك من يقولون إن الحركة الصهيونية قد استنفدت أغراضها بتحقيق هدفها الأساسي إلا وهو إقامة دولة اليهود في فلسطين ولو نظرنا لأحداث المؤتمر الصهيوني الثاني والخمسين الذي انعقد في القدس مؤخرًا، فقد يحق لنا القول إنه قد حان الوقت لإطفاء الأنوار في الحركة الصهيونية، وأن يذهب كل إلى حال سبيله، لقد كان افتتاح المؤتمر الصهيوني فيما سبق بمثابة حدث حقيقي في حياة الشعب اليهودي تخصص له الصحف صفحاتها الأولى في حين انزوت أخبار المؤتمر الحالي وأصبحت على الهامش ولقد عبر مراسل الإذاعة عن ذلك في تقريره بقوله؛ هل مازالت هذه المؤسسة قائمة؟ إنما لا يجب أن تغضب من نظرة الجمهور الإسرائيلي الساخرة إلى المؤتمر الصهيوني فمنذ إقامة الدولة قل اهتمام جماهير إسرائيل باجتماعات المؤتمر، وكنا نشعر كل أربع سنوات كيف تنزوي الصهيونية وإلى أي حد تحظى بالسخرية.

لقد غاب عن المؤتمر ذلك الجدل الأصيل حول أهداف الحركة الصهيونية، كان ثمة إحساس بالضياع في عالم يعيش نهاية القرن العشرين.... والجدير بالذكر أن المؤتمر الصهيوني مازال هو الجسر المهم الوحيد الذي يربط بين يهود إسرائيل ويهود الشتات.

يتضح من البيانات التي طرحت أمام المؤتمر أن هناك صورة مخيفة حول مستقبل يهود الشتات لقد وصلت نسبة الزواج المختلط في الولايات المتحدة إلى٥٢% من إجمالي الزيجات اليهودية، وهناك نسب أعلى بكثير في أماكن أخرى وهناك من يصفون الزواج المختلط بأنه «مأساة ديموجرافية».

ومن غير المتوقع -دون تزايد كبير في معاداة السامية- أن تفلح في إحضار طوائف بأكملها إلى إسرائيل، إن الوضع الاقتصادي ليهود الدول الغربية أفضل لهم من الهجرة إلى إسرائيل، ولقد أحسن سیمحاديتر رئيس الإدارة الصهيونية.

عندما حدد أحد أهداف الحركة للسنوات القادمة بأنه «يجب إحضار مائة ألف شاب من دول الرفاهية» من الضروري إيجاد حركة شباب صهيونية راديكالية تتطلع إلى إسرائيل وتضم في عضويتها متدينين وعلمانيين من اليمين واليسار يوحد بينهم النضال ضد الوضع الراهن لظاهرة التنكر لإسرائيل.

كلمة اليهودية مرفوضة

لم يكن في الاتحاد السوفييتي السابق تعليم صهيوني، وكانت كلمة «اليهودية» كلمة مرفوضة والنتائج تراها الآن متجسدة في هؤلاء اليهود الذين يصلون إسرائيل، كثيرون منهم لا يعرفون أي شيء عن عيد الحانوكا، ولم يمارسوا أبدًا طقوس عيد الفصح، وهرتزل بالنسبة لهم مجرد اسم شارع... أما العلاقة مع اليهود الذين سيبقون داخل الكومنولث فإنها سوف تتقلص، وسيؤدي الزواج المختلط إلى فناء الطائفة؛ إن الحركة تقصر جهدها على الهجرة دون توجيه اهتمام مماثل لمن سيبقون وبالتالي يأتي متدينون معادون للصهيونية ويسيطرون على التعليم اليهودي، وهو أمر ينبغي أن نمنعه بأي ثمن.

لقد أصبحت الحركة الصهيونية في السنوات الأخيرة تحت سيطرة أصحاب رأس المال، وحسبما يقول المثل إن من يدفع أجر الفرقة الموسيقية يحدد لها ما ينبغي عزفه، ولكن هناك أيضًا حق المايسترو أن يرفض ما لا يريد عزفه، إننا حقًا في حاجة لآمال وتضامن المتبرعين من الخارج، ولكن هناك خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها.

أما الكاتب الإسرائيلي يتسائيل عميعام، فقد كتب في الموضوع نفسه في صحيفة على همشمار في 3/7/1992م، يقول لا يبدي مواطنو «دولة اليهود» أي اهتمام بما يحدث في المؤتمر الصهيوني، رغم احترامهم للحركة الصهيونية العجوز ويبدو أن زعيم الحركة الإصلاحية الحاخام الشير فيرش قد أصاب عندما وصفها بأنها مثل العظام الجافة، إن التدهور الذي ألحق بمصداقية الهستدروت الصهيونية في عهدنا ينبع من فشلها في مهمتها الأساسية، وهي القضاء على الشتات فلقد اختار يهود الاتحاد السوفييتي سابقًا، ويهود إثيوبيا الهجرة إلى إسرائيل دون حاجة لجهود رجال الحركة الصهيونية لتحفيزهم.

إن المؤتمر الصهيوني الذي سيختتم أعماله هذا الأسبوع في القدس هو المؤسسة العليا للهستدروت الصهيونية وكان من المقرر انتخاب أعضاء المؤتمر من الخارج بواسطة أعضاء المنظمات الصهيونية، ولكن لم تجر الانتخابات هذه المرة، وتمت صفقة وزعت بمقتضاها المقاعد.

كذلك فقد نشر النكثر في صحيفة دافار في 30/7/1992م مقالًا بعنوان «الهستدروت الصهيوني العالمي ضربات من زعماء الطوائف» يشبه فيه محالة التداعي، التي يمر بها الهستدرون الصهيوني العالمي بما حدث للمجتمع السوفييتي ولحزبه الشيوعي، حيث يقول: إن هذا الحزب الهرم الذي عمل في دائرة مغلقة وفق مضموناته الأيديولوجية، وكان كل همه هو أن يظل الحاكم الأبوي اضطر فجأة للدخول في مواجهة مع قوى جديدة أرادت القضاء عليه لترسيخ سلطتها، ويمكن قول المثل عن الصراع الدائر بين الهستدروت الصهيوني، وبين مؤسسات الطوائف في الوكالة اليهودية الموسعة وفي أجهزة مثل الهيئة المشتركة للتعليم.

وتقول ليلى جاليلي في مقال لها بعنوان «هذه المرة لم يقذفوا الأصيص» نشر في صحيفة ها ارتس في 30/7/1992م

«نعم مازالت هناك مثل هذه المنظمة رغم أن الدولة قد قامت منذ زمن» وردت هذه الكلمات على لسان مقدم برامج شاب في إذاعة الجيش عن افتتاح أعمال المؤتمر الصهيوني الثاني والخمسين هذا الأسبوع في القدس.

لقد خصص أغلب الوقت لتدابير التعيينات في المناصب والصراع على الوظائف ولألعاب القوى بين التكتلات والمنظمات.

لقد ذكر أعضاء المؤتمر قبل انعقاده أنه ينعقد في أيام تاريخية تشهد الهجرة الكبرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأعربوا جميعًا عشية الافتتاح عن تعاطفهم مع أولئك المهاجرين ولكن في اليوم التالي لم يسمح المنظمون لرئيس المنظمة العليا لمهاجري الاتحاد السوفييتي سابقًا ميخائيل تشلنوف أن يلقي خطابه، وقالوا إنه مجرد مراقب وليس عضوًا له حق الانتخاب والترشيح.

ذلك هو ما انتهت إليه الصهيونية داخل إسرائيل، وهو ما نشر بأقلام إسرائيلية داخل إسرائيل ترى والأمر هكذا هل يمكن اعتبار احتفالات بازل ۱۹۹۷م محاولة مستميتة من اليمين الإسرائيلي الحاكم لإعادة النظر بعد مرور قرن كامل في جدوى انتصار علمانية هرتزل؟ هل هي مناسبة لتدشين قيادة ذلك اليمين الصهيوني الديني الحركة الصهيونية أم أنها ستكون مجرد احتفالات بذكرى غابرة؟


 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل