العنوان رسالة إلى المؤتمر الإسلامي: الإسلام يريد عملًا... لا دموعًا!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-1972
مشاهدات 57
نشر في العدد 89
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 29-فبراير-1972
رسالة إلى المؤتمر الإسلامي
الإسلام يريد عملًا... لا دموعًا!
معنى تجربة «التجمع الإسلامي».. إسلاميًا.. وعصريًا!
في جدة.. ينعقد اليوم مؤتمر الأمانة العامة لمنظمة الدول الإسلامية على مستوى وزراء الخارجية.
يعقد في جو من التجاهل والإهمال، أو الاهتمام الفاتر من قبل الإعلام العالمي، بل الإعلام الإسلامي والعربي.. وحين نقارن الدعاية الواسعة التي أحاطت بالمؤتمر الشيوعي الذي انعقد منذ أسابيع في بيروت -مثلًا- بالدعاية التي لمست -بطرف الأصابع- المؤتمر الإسلامي، نجد الفارق الهائل بين الأهتمام الكبير بكل ما هو غير إسلامي.. والأهتمام الصغير بكل ما هو إسلامي!! والفرق الهائل بين إيمانهم بالدعاية، وقدرتهم العجيبة على ربط الرأي العام العالمي بقضاياهم.. وبين عدم اكتراثنا بالإعلام.. وعجزنا المدهش في التعبير عن قضايانا. وربط الرأي العام العالمي بها.
ومن الوعي المستنير أن ينحى عن الذهن خاطر وهمي أو متعجل في إصدار الآراء والأحكام.. خاطر: أن النقد الموجه إلى التجاهل يعني المطالبة بأن يحاط المؤتمر الإسلامي بدعاية مفتعلة تحول -بالأكاذيب- جهدًا لا يزيد عن رطل.. أو قنطار.. إلى عمل يقدر بأنه ألف طن!!
تخلف ما بعده تخلف أن يطالب أحد بهذا، فمبادؤنا ترفض هذا الاتجاه التهريجي.. وهو من الجانب الإعلامي الحديث بدائية فاشلة.. ذلك إلى جانب أن عالمنا الإسلامي والعربي قد أوذي كثيرًا. وكاد ضميره أن يتلف.. ووعيه أن يضل بسبب الإعلام التهريجي الذي يدفع الإنسان إلى التعامل.. مع الأوهام.. لا مع الحقائق!!
لكن مع ذلك لا نستطيع أن نقول: لا يوجد تجاهل إعلامي لهذا المؤتمر.. فمقياس أن هذا المؤتمر حدث وقع في العالم، بهذا المقياس وحده كان المفروض أن يكون الاهتمام بهذا المؤتمر أكبر.
ولا نسرف في لوم العالم، فليس من العدل، ولا من المنطق أن يطالب من لم يقدم لنفسه خدمة أن يطالب العالم بخدمات!!
وإذا كنا مطالبين بأن نرى نورًا خلال الظلام.. وأن نطالع وجه الخير من ثقوب في جدران الشر.. فإن في هذا التجاهل نفعًا!!.. ولكنه نفع لمن يمثلون عزيمة العمل.. ولديهم القدرة على الإفادة من التجارب.
فلعل هذا التجاهل يعجل بإنشاء وكالة أنباء إسلامية لها جهازها المستقل.. وميزانيتها المستقلة.. ورجالها الذين يؤثرون مصلحة الإسلام على أي اعتبار آخر.. ويتحرقون شوقًا إلى خدمة قضايا المسلمين بأمانة وجد.
إن غياب الإعلام الإسلامي الذكي القوي لم يجعل المسلمين ينظرون إلى قضايا العالم نفسها بعيون وكالات أنباء أجنبية فحسب. بل جعلهم ينظرون إلى قضايا المسلمين نفسها بعيون رويتر.. وتاس.. إلخ
معنى التجربة
يبدو أن العلاقات الإنسانية ستأخذ في المستقبل بنظام العلاقات الكونية فتقوم مجموعات مؤلفة من أكثر من دولة مستقلة تشبه المجموعة الشمسية مثلًا.
بل نلاحظ أن هذه الظاهرة قد تحولت إلى واقع عملي الآن..
· فهناك مجموعة الدول الأمريكية.
· وهناك مجموعة الدول الشيوعية. و.. و.. و.. وحين أراد ديجول مواجهة النفوذ الأمريكي في أوروبا أدرك أن فرنسا منفردة لا تستطيع القيام بهذا الدور، ومن ثم أصر على تجميع أوروبا في مجموعة واحدة!!
· وسواء تم التجمع تحت شعار قارئ كمنظمة الوحدة الأفريقية أو تم بإملاء من المصلحة كتجمع أوروبا فإن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي: أن عصر التجزئة أو عصر العزلة قد انتهى. وحل مكانه عصر التجمعات الكبيرة!
إن هناك من يدعو ماوتسي تونج ونیكسون إلى تعاون عالمي عام بين الأمم والشعوب.. أو ليس من الأعقل والأكثر واقعيةً أن يقوم تعاون بين مجموعات معينة من الدول يعبر عن الاتجاه العالمي بواقعية، ويكون في نفس الوقت أساسًا لتعاون عالمي شامل؟!
هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا عند تجربة «التجمع الإسلامي»
إن المسلمين مهما قيل عن تخلفهم، وأن الأغلبية الساحقة منهم تقع في دائرة العالم الثالث أو العالم المليء بمعوقات التقدم من جهل وسوء تغذية ورداءة فرص.. فإنهم بلا شك يعيشون في هذا العصر، وإن ظاهرة «المجموعات الدولية» تسترعي انتباههم.. وإن ما يحدث من تكتلات يدق على وعيهم بشدة.. وباستمرار.
هذا سبب من أسباب تجمع المسلمين في هذا العصر.
وهناك أسباب أخرى جد قوية..
· سبب العقيدة الواحدة.
· وسبب المشكلات المتشابهة.
· وسبب «المهمة الواحدة» التي ينبغي أن يضطلع بها العالم الإسلامي، وهي مهمة «تبليغ» رسالة الله إلى الناس كافة.
لقد كان العالم الإسلامي أمة واحدة.. وبعامل الخلل الداخلي الذي حدث في بنيتها وبعامل التدخل الخارجي الذي تمثل في موجات الاستعمار المتتالية.. تمزقت الأمة.. وتقطع ما أمر الله به أن يوصل، والرجال الذين يتشكل منهم المؤتمر الآن يدركون.. بل كل رجل منهم يدرك أن الإسلام هو الذي نهض ببلاده وجعل لها رسالة ذات معنى في الحياة.. وحفظ كيانها من عمليات التشويه والطمس..
وأمدها بطاقات الكفاح والتضحية وهي تواجه الخصوم والغزاة.
· إذا سألنا ممثل إندونيسيا: ما الذي حرر بلادك بتوحيد الله وحررها بالجهاد من الاستعمار الهولندي.. ما الذي جعل لكم رسالة في الحياة.. ومنح وجودكم القيمة والمعنى؟ سيقول: الإسلام.
· إذا سألنا مندوب السعودية: ما الذي أحيا الجزيرة العربية بعد موات.. ونقلها إلى حياة الطهر والضياء والمعرفة... ورفع ذكرها برسالة عظمى، وجعل أبناء الجزيرة يخرجون إلى العالم ويفتحون البلاد باسم الله وهداه؟.. سيقول: الإسلام..
· وإذا سألنا ممثل الجزائر: ما الذي أدخل بلادك إلى موكب الخير والإيمان.. وما الذي حفظ شخصيتها طوال هذه القرون، وما الذي أوقد فيها جذوة المقاومة، وأمدها بالصلابة الباسلة أمام الاستعمار الفرنسي؟ سيقول: الإسلام..
· سل ممثل مصر بم شرفت بلاده؟ وسل ممثل السودان بم تحضر قومه؟.. وسل ممثل الكويت ما الذي أمدكم بخصائص متميزة.. وسل ممثل سوريا. والمغرب وليبيا واليمن والصومال. إلخ
سل كل هؤلاء: ما الذي وهبكم الحياة الصحيحة وميزكم بصبغة الله عن الوثنيين والمشركين، وأناط بكم مهمة حضارية لنقل العالم من الظلمات إلى النور؟ سيقولون: الإسلام..
وهنا أيضًا يتضح معنى تجربة «التجمع الإسلامي» أنه ليس تجمعًا سياسيًا صرفًا تجوز فيه المغامرة والمزايدة.. أو أخذ الأمور فيه بلا مبالاة لتكون النتيجة سلبية، إنه تجمع ذو صبغة إسلامية، وتجمع هذا شأنه يقتضي الحد الذي يليق بالاسلام والإخلاص العميق الذي هو شرط أساسي لصحة كل عمل إسلامي.
إن الشعوب الإسلامية المفجوعة من كثرة التجارب الأليمة التي مرت بها، ولا شك أن الجد في تناول قضايا العالم الإسلامي سيمنح هذه الشعوب أملًا جديدًا.. وجرعات من التفاؤل.. والعكس صحيح أيضًا..
وليس ثمة مسلم عاقل يطالب بالخوارق بيد أن المطلب الواقعي هنا يتلخص في دراسة القضية -أية قضية- دراسة عميقة جادة، ورصد الإمكانات المناسبة لعلاجها.. وتجنيد الرجال الأَكفاء المخلصين لتحويل الحل النظري إلى واقع عملي.
ومستبعد جدًا أن يكون هذا التجمع الضخم غير قادر على تحقيق هذا المطلب الواقعي، فالدراسة ممكنة، والإمكانات متوفرة والحصول على الكفاءات المخلصة المستنيرة ميسر... ولم يبق إلا صدق النية.. والإحساس بالمسؤولية.
وهاتان الفضيلتان هما محك التجربة.. وهما معيار نجاح المؤتمر..
العمل.. لا الدموع
سيذكر المجتمعون في جدة أن باکستان كانت عضوًا بارزًا في المؤتمر، وكان لها نشاط ملحوظ في الدورة الماضية.. وسترتسم أمام أذهانهم صورة التمزق والتفتيت والقتل والهزيمة التي حدثت لهذا البلد، ولا يملك مسلم أن يتجنب رؤية هذه الصورة، فتجاهل الواقع وهم يقود إلى حياة خيالية.
كذلك فإن البكاء على هذا الواقع موقف عاطفي يغرق المسلمين في بحر من الدموع التي لا تجدي شيئًا في مواجهة الواقع..
ومن الضروري لكي ينصرف الوعي لشيء إيجابي التجرد من الإحساس السلبي بالاضطهاد.. ومما يساعد على اتخاذ هذا الموقف اطلاع سريع على ما حدث للأمم والعقائد الأخرى من اضطهاد فليس المسلمون بدعًا.. أو شيئًا شاذًا عن هذه الظاهرة التاريخية.
· فقد اضطهد المسيحيون.. وحرقوا بالنار.. ومعهم أناجيلهم.
· وواجه الشيوعيون ظروفًا صعبة.. وخانقة.
· واضطهد اليهود. والتهمتهم الأفران بشكل جماعي.
وها نحن نرى الدول المسيحية تتقدم، بل استطاعت أن تخضع الآخرين لسيطرتها، ونرى الشيوعيين.. وقد أقاموا لأنفسهم أنظمة ضخمة، بل استطاعوا أن يمدوا نفوذهم إلى بقاع واسعة في العالم.
ونرى اليهود. وقد تجمعوا من كل مكان.. واحتلوا ديارنا ولا تزال أطماعهم تطلب المزيد من بلادنا.
هل معنى ذلك أننا ندعو إلى تقليد هؤلاء.. أو نقلد الرجل المظلوم الذي بعد أن تحرر من الظلم تحول إلى سفاح استجابةً لرد الفعل دون ضوابط..
لا.. بطبيعة مبادئنا، إنما الذي نلفت إليه الوعي هو أن إحساس هؤلاء بالاضطهاد كان إيجابيًا.. هذا الإحساس الإيجابي جعلهم يفجرون أقصى ما فيهم من طاقات العمل والإنتاج والتفوق لكي يواجهوا عمليات الاضطهاد والإبادة..
· وجعلهم يتكتلون ويتحدون لمواجهة الخطر المشترك بجهد مشترك، وهذا هو المطلوب من المؤتمر الإسلامي اليوم.. أن يحول الإحساس بالاضطهاد إلى شيء إيجابي فعال.
لقد بكى المسلمون أكثر من ألف عام، فما أعاد البكاء لهم حقًا. ولا أقام لهم دولة.. ولا حقق لهم نهضة.
ودومًا كان القرآن الكريم ينهى المسلمين عن الاسترسال مع الأحزان عقب الابتلاء الذي يقع عليهم، ذلك لكي يركز وعيهم على المستقبل، وينتزعهم انتزاعًا من دائرة الأسى الكسير إلى ساحة البناء والعمل المثمر، وإذا كنا قد ضربنا مثلًا بما حدث للباكستان، فإن في هذا المثل ذاته دروسًا تجيء في إبانها، بمعنى أنه يتضمن من المغزى ما يعين على تكوين إحساس إيجابي بالاضطهاد.
إن ما حدث لباكستان يمكن أن يحدث لأي بلد آخر في العالم الإسلامي.. والعمل الإيجابي الذي يحمي بلادنا من الوقوع في مثل هذه الكوارث هو الاستفادة من أحداث باكستان وهذه الاستفادة تتمثل في:
· إقامة عدالة اجتماعية صحيحة، تعصم كل بلد من الفتنة الطبقية وتجرد دعاة الهدم والتخريب من أمضى أسلحتهم.
· وتوحيد القوم -أي قوم- وبعمق ووعي، على أساس الإسلام.. ففي غياب الإسلام صحت النعرات العنصرية والإقليمية.. ومزقت باكستان.
اذكروا: المؤتمر الصهيوني..
· في جدة.. قريبًا من المسجد الحرام في مكة المكرمة ينعقد المؤتمر الإسلامي.. وكان المفروض الصلة العقائدية أن تعقد هذه الدورة في القدس.. بالقرب من المسجد الأقصى.
· إلا أن ذلك غير ممكن الآن، لماذا؟ لأن المسجد الاقصى محتل.. وفي قبضة اليهود.. لا في أيدي المسلمين.
وبدلًا من أن يعقد المؤتمر الإسلامي حول المسجد الأقصى عقد هناك المؤتمر الصهيوني.
فمنذ شهر تقريبًا عقد في القدس المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرون.. ولا شك أن معرفة نشاط هؤلاء تعين على ما ينبغي أن يفعله المسلمون.
إن أول ما يلاحظ على نشاط الصهيونية هو «طول النفس» في العمل والدأب على تنفيذ مخططاتهم.
وعلى الرغم من مضي عشرات السنين على النشاط الصهيوني فإن الأهداف التي أعاد المؤتمر توكيدها وتجنيد الطاقات لخدمتها هي هي منذ عشرات السنين.
وإذا كانت أهدافهم ثابتة فصبرهم على تحقيقها طويل.. طويل. وقد ضمن رئيس الإدارة الصهيونية خطابه هذه الأهداف الثابتة فقال: «ان المهمة المركزية للصهيونية في العالم هي تأمين استمرار الكيان اليهودي المهدد بخطر الاضمحلال أمام إغراءات المدنية الحديثة والابتعاد عن اليهودية.. مؤكدًا أن الطريق إلى ذلك في تقوية الثقافة اليهودية في صفوف أولئك اليهود، متى يأتي اليوم الذي يهاجرون فيه إلى إسرائيل» وشرح بيغال آلون مظاهر النشاط التي حققت أهدافًا كبيرة للحركة الصهيونية فقال:
«هي: إرجاع اليهود إلى بلدهم! واستيطان ودفاع ذاتي!! وتنظيم قومي سياسي لمؤسسات منتخبة، وعمل ذاتي، وإحياء ثقافي».
وطبيعي أنه من غير الممكن مواجهة نشاط الصهيونية إلا بعمل متكافئ على الأقل مع تخطيطها.
وأمام المؤتمر الإسلامي في جدة أن:
· يحدد أهدافًا ثابتةً، أو أهدافًا مرحليةً وأهدافًا عليا.
· ويعين وسائل علمية لتحقيق تلك الأهداف.
· وقبل ذلك وبعد ذلك أن يعهد بالعمل إلى رجال إخلاصهم للإسلام لا تشوبه شائبة..
رجال أكفاء يستطيعون خدمة دينهم وأمتهم بجدارة في هذا العصر الذي يتفجر ذكاء ودهاء.
إن أقوى عناصر النجاح في الحركة الصهيونية هو «إخلاص» رجالها لحركتهم. وأهدافهم.. ومبادئهم.
ولنعرف جيدًا أن الحركة الصهيونية حركة بشرية.. أي إنها ليست لغزًا.. ولا خارقةً، ولا تملك طاقة فوق طاقة البشر.
إننا نملك من الإمكانات المادية مثلما تملك.. أو ما نستطيع أن نحصل عليه، هي تملك.. المال.. والخبرة. والتنظيم.. والإعلام ولا ندري لماذا يجتمع المسلمون إذا لم يستطيعوا توفير هذه المقومات اللازمة لأي عمل. والممكنة في نفس الوقت؟
إننا نقرأ أن صهاينة كانوا يملكون عشرات الملايين من الدولارات رصدوها كلها لصالح الصهيونية!! فكيف يُخدم الإسلام إذن إذا لم يقم الأغنياء -الدول والأفراد- بهذا الدور؟.
والخبرة والتنظيم والإعلام كلها وسائل يمكن الحصول عليها لأنه لا يستطيع أحد من العالم أن يحتكرها.
وهَبْ أننا ملكنا ما تملكه الصهيونية من هذه الوسائل.
فهل نستطيع أن نعمل بنفس الجد والفَعَّالية.
لا.. حتى يتوفر لنا عنصر النجاح الأساس وهو «الإخلاص» للإسلام.
بدايات متواضعة
إن الذين يريدون القيام بأعمال كبيرة يبدأون بدايات متواضعة.
والمؤتمر الإسلامي في جدة ليس مطالبًا بحل مشاكل المسلمين في لحظات فهي مشاكل معقدة.. تشكلت من ميراث عصور الانحطاط.. ومن تعقيدات الحياة الحديثة معًا.
ونحن قد جربنا الشعارات الضخمة.. وجربنا القفز الذي يعقبه دق العنق بعد السقوط من عل!!
ونريد أن نجنب أمتنا هذه المزالق الخطرة.
إن هناك بدايات متواضعة أو «لبنات» بناء سليم..
إن الأجيال الحاضرة في العالم الاسلامي متناكرة غير متعارفة. ومتنافرة الثقافة.. والتربية. والتفكير.
وإذا لم يحدث شيء لإزالة هذا التفكير، واستبداله بتعارف حميم وتقارب ثقافي وفكري فإن جهد المؤتمرات الإسلامية يظل معزولًا عن هذه الأجيال.
نعم، اجتمع وزراء خارجية الدول الإسلامية، وقد يجتمعون غدًا وبعد غد.. فماذا يعني ذلك بالنسبة لأجيال علموها أن تتحد تحت أي شكل.. تحت أي راية.. إلا راية الإسلام؟ لكي يكون للمؤتمر جدوى، فليس ثمة بديل لتعميق معاني الإخاء والوحدة -بأي مفهوم من مفهوماتها- في أذهان وأفئدة هذه الأجيال.
وهذا التعميق لا يتأتى عن طريق خطبة طويلة.. ولا بفيلم عابر يصور جغرافيا وتقاليدَ المسلمين في بلد ما لشعب ما.
إن هذا التعميق لا يتأتى إلا بوضع:
· «منهاج تربوي ثقافي» موحد أو متقارب في العالم الإسلامي كله وهذه أول خطوة في البدايات المتواضعة.
· ولقد مضى القول عن الضرورة الملحة لقيام وكالة أنباء إسلامية.
· ومعروف أن العالم الإسلامي يعاني من الفقر والجهل.
ومن هنا فإن ضرورة قيام «بنك إسلامي للتنمية» ضرورة لا شك فيها.. بنك للتنمية بمعنى الكلمة.. والتوكيد هنا من أجل تجربة البنك من أن يكون «مركزًا» لتوزيع الصدقات.
بنك يقرض الدول الفقيرة قروضًا حسنةً.. مع مساهمة خبرائه في مساعدة البلد الفقير نفسه في استثمار القروض بطريقة علمية بناءة. والاهتمام بمشكلات سوء التغذية.
والعلاج والتعليم ليس اهتمامًا بمشكلات ثانوية، وإنما هو مواجهة لأخطر مشكلة تقلق بال المسلمين وهي مشكلة «التخلف».
إن تطبيق الإسلام ذاته لا بد من أن يمهد له بعلاج هذه المشكلات فتطبيق الإسلام يكون أیسر.. وأجدى في مجتمع صحي.. معافی.. متعلم وليس غريبًا أن يحصر الصهيوني «مناحم بيغن» العقبات التي تواجه اليهود في «الغذاء والكساء والعلاج والتعليم».
· ومن البدايات المتواضعة إنشاء جهاز خاص لمتابعة المشكلات الحادة وشبه المُزمعة التي يتعرض لها المسلمون.
كل المجتمعين في المؤتمر يعلمون ما نزل بالمسلمين في الفلبين.. ولكن ما هو مقدار العون الذي قُدِّمَ لمسلمي الفلبين؟
إذا قيس ما قدم بالشيء فإن العون الذي حصل عليه مسلمو الفلبين لا يكاد يُذكر.
وهناك المشكلات التي يعانيها مسلمو باكستان الشرقية -وغير الغاليين بالذات- ومشكلات أرتيريا وتشاد.
وإن جهازًا خاصًا يتابع أحوال المسلمين في هذه البلدان وفي غيرها لَهُو عمل يقتضيه الوفاء بحق الإخاء.. ويقتضيه الجد عند الحديث عن الإسلام والتجمع باسمه.
وقبل أن ننهي هذه الرسالة -للمؤتمر الإسلامي- نود توضیح حقيقة ينبغي أن تعرف، وأن يكون المسلك تطبيقًا لها.
هذه الحقيقة هي: أن الوحدة الإسلامية.. أو التجمع الإسلامي ليس شكلًا ظاهریًّا وإنما هو -بمقياس الإسلام- تعبير أمين عن الالتزام بالإسلام في كل شيء.. والاعتزاز به أبدًا.. والثبات فيه حتى النهاية.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى الخير وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾.