الثلاثاء 12-سبتمبر-1972
الصفحات الأخيرة من حضارتنا
الاندفاع غير الموضوعي وغير المتناسق مع روح التطور لا مصير له إلا الموت السريع
تاريخنا الإسلامي العظيـم ،كتاب كامل من التكاملية التاريخية، يضم بين صفحاته كل صور التقدم والتأخر .
وهو معلم عظيم، اشتملت تجاربه على نوعيات من كل تجارب التاريخ البشري، وليس ذلك لأن القرآن العظيم قد حكى على نحو تركيبي كل صور التقلب والحركة والنشوء والارتقاء التي مر بها الموكب البشري، والتي تعني التطور التاريخي الإسلامي وتكفل له الاندفاعة العاقلة .. ليس مرد الأمر إلى ذلك وحسب ،بل لأن كتاب التاريخ الإسلامي نفسه قد شاء الله له أن يكون من التكاملية والحبكة والتنوع بحيث يصلح كمرجع تال للقرآن والسنة، يرجع المسلمون إليه ويتعلمون منه، ويتلقون تلقي التلميذ من الأستاذ .
• • •
إننا لا ندعو إلى رفض تأمل الموكب البشري المتحرك الذي يتحرك إلى جانبنا ومن حولنا، أبدًا، فكل ما هنالك أننا لابد أن ندرس أنفسنا قبل أن ندرس الآخرين.
• • •
والعجيب في الدولة العباسية التي عاشت أكثر من خمسة قرون، استاذا وقائدا زمنيا وروحيا - مع اختلاف في الدرجة - العجيب أن هذه الدولة قد اشتملت على باب كامل من أبواب تاريخنا تكاملت له البداية والعقدة والنهاية .
• • •
وكما تعرضت هذه الدولة لعلل الانفصال عنها بوضوح منذ منتصف القرن الثالث الهجري، ببروز الدولة الطولونية في مصر ، فانها كانت تتعرض على امتداد النصف الثاني من القرن الثالث المذكور لهذه العلل على امتداد أرضها كلها، كانت حركات الانفصال بارزة في المغرب العربي، وبدلًا من حركات الانفصال التي كانت لا تزال تخطب في المغرب باسم الخليفة العباسي « حركات الأغالبة والرستميين والأدارسة » بدلا من هذا أصبح الفاطميون حركة عصيان وتمرد علني .. بل وخروج على الأيديولوجية العباسية ...
• • •
ومن الغريب أن حركة خروج تحمل نفس العـــــــــداء السياسي والعسكري للخليفة العباس، وإن كانت لم تخرج ايديولوجيا، كانت قد برزت في خراسان ، وتمخضت عن صراع عسكري اتبعه انفصال عن الدولة، في سنة 254 هـ وهي السنة نفسها التي برزت فيها الدولة الطولونية وسميت حركة الانفصال في خراسان هذه باسم « الدولة الصفارية » !
• • •
وكان لخراسان - كما هو معروف - وضع خاص في الدولة، إذ كان هؤلاء الخراسانيون يشعرون بأنهم أصحاب فضل على الدولة العباسية، وبأن سيدهم « ابو مسلم الخراساني » هو المؤسس الأكبر في رأيهم للدولة العباسية ، لكنهم - وهذا رأيهم كذلك - جوزوا جزاء سنمار حين قتل أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين أبًا مسلم هذا .
وقد تجاوزت الخلافة العباسية عن خراسان بعض الشيء بدافع من الوفاء والمجاملة، وتركت لطاهر بن الحسين الذي قدم للدولة خدمات جليلة فرصة التحكم في خراسان له ولأبنائه من بعده في إطار الخلافة الجامعة والسمع والطاعة لدولة الخلافة، عاصمة وخليفة، حربًا وسلمًا .
• • •
لكن منتصف القرن الثالث شهد بروز جماعة من المجاهدين الحريصين على بقاء هيبة الخلافة، تمكن « يعقوب بن الليث الصفري » من الاتصال بها والسيطرة عليها وتحويلها إلى جماعة خادمة له نجح بها في تأسيس « الدولة الصفارية » .
وقد استطاع يعقوب أن يجتذب إلى تأييده عددًا من المتطوعين الجدد فعظم جيشه، واستطاع أن يحدث القلق لدى دولة الخلافة، وبالقلق وإظهار تعاونه مع الدولة، وحروبه تظاهرًا لمصلحتها، ثـم باصطدامه بها اصطدامًا فاشلا كاد يلقى حتفه فيه، بكل هذا سكتت الخلافة عن هذه الحركة التي قامت لتموت ولم يلبث يعقوب أن مات متأثرًا بجراحه سنة 256 هـ فـي جديسابور .
وخلفه أخوه عمرو بن الليث ،وأقرت الخلافة ولايته على خراسان ولواحقها كالسند وسجستان وکرمان وفارس وأصبهان، فأظهر عمرو الطاعة الكاملة للخلافة لكنه - أمام کرم إمام الخلافة - قد زاد في أطماعه، ودخل في معارك مع السامانيين في بلاد ما وراء النهر ، واستطاع السامانيون بقيادة اسماعيل نصر الساماني أسره في إحدى المعارك وسيروه مكبلا إلى الخليفة العباسي المعتضد .
وأُحضر إلى مجلس الخليفة المعتضد محمولاً على جمل ذي سنامين ، وسجن حتى مات في سجنه سنة 287 هـ .
واضطرب أمر الصفارين لمدة ثلاثة أعوام بعد ذلك وسقطوا تسقط كل حركة انفعالية ترتكز على طموح شخصي وتفتقد الوعي بحركة التاريخ وبأيديلوجية قتالية واضحة تستاهل الموت في سبيلها .
• • •
ودائمًا يعلمنا التاريخ الإسلامي العظيم من تجربة الإنقلاب الذي سماه المؤرخون غير المحدودين بعمق لرصيد المصطلحات « الدولة الصفارية » يعلمنا التاريخ الإسلامي العظيم أن: « الاندفاع غير الموضوعي وغير المتناسق مع روح التطور لا مصير له إلا الموت السريع » .