; الصراع العربي الصهيوني بين التصرف الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الرابعة» | مجلة المجتمع

العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصرف الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الرابعة»

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أكتوبر-1986

مشاهدات 77

نشر في العدد 786

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 07-أكتوبر-1986

  • الولايات المتحدة تعطي الضوء الأخضر لعدوان صهيوني جديد.
  • ماذا وراء المشروع الذي قيل إن عرفات قدمه إلى تشاوشيسكو؟
  • الجيش الصهيوني يستعد لضربة جديدة.

قلنا في الحلقة السابقة إن أمام الولايات المتحدة خيارين: إما قبول فكرة المؤتمر الدولي وبالتالي قبول مشاركة الاتحاد السوفيتي في عملية التسوية، وإما الإيعاز للعدو الصهيوني بهجوم شامل يقلب طاولة اللعبة السياسية، بحيث يحقق في النهاية مزيدًا من التوسع الصهيوني في الأرض العربية، ومزيدًا من الهيمنة الأمريكية الخالصة للولايات المتحدة على المنطقة.

وحتى لا ينصرف ذهن القارئ إلى أننا نسهم في عملية التخويف والترويج لفكرة المؤتمر الدولي نقول: إن الخيارين المذكورين ليسا هواجس من هواجسنا وإنما هما -كما نعتقد- هواجس أمريكية نتناولها لإلقاء الضوء عليها والتحذير من نتائجها التي نعتقد -وهذا مما لا يقبل الجدل- أنها تنطوي على نتيجة واحدة بالنسبة لنا، وهي تثبيت أقدام الكيان الصهيوني في الأرض العربية الإسلامية، سواء في نطاقه الحالي كما تريد الولايات المتحدة أو في نطاق خطوط عام 1967، كما يريد الروس، أو في نطاق ما بين النيل والفرات كما يريد الصهاينة.

وهذه النتيجة إلى أي من الخيارين انتهت نتيجة مرفوضة جملة وتفصيلًا، ذلك أن المنهج الإسلامي الذي نتبعه يدعونا بحزم إلى رفض الكيان الصهيوني من أساسه، والعمل بشتى الوسائل على تحطيم هذا الكيان الاستعماري الدخيل، وتحرير فلسطين المباركة من دنسه، وعلى رأس هذه الوسائل الجهاد.

قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 39-40).

ولعل الحشود الصهيونية المكثفة على حدود فلسطين الشمالية، والقصف الصهيوني المتواصل لمخيمات اللاجئين، وقرى المسلمين في جنوب لبنان، تشير إلى قرار الولايات المتحدة العمل بالخيار الثاني الذي مهدت له الإدارة الأميركية بإلصاق تهمة الإرهاب على الفلسطينيين والإسلاميين معًا، وتفيد التقارير أن الفرقة الأميركية 83 قد وضعت في حالة تأهب، وأن وحدات برية وجوية أميركية غادرت الموانئ والمطارات الإيطالية، وستعتمد الخطة على الإغارة السريعة والمحدودة والبعيدة، وستأخذ معظم المهمات القتالية التي تنفذها الوحدات "الإسرائيلية" طبيعة العمليات المشتركة بين أسلحة الجيش الثلاثة، وستكون منطقة صيدا محور العمليات الرئيسية، وأن فرقة مدرعات "إسرائيلية" كاملة وصلت إلى ما يسمى بالحزام الأمني، كما ألحق بها لواء مشاة ميكانيكي، هذا وقد أعلن سلاح الجو "الإسرائيلي" حالة التأهب من صباح يوم الخميس 25/9/1986.

وأكدت معلومات قيادة منظمة التحرير أن عشرين طائرة هليكوبتر من طراز سوبر كوبر سيتم نقلها من القواعد الأمريكية في ألمانيا الغربية إلى منطقتي صفد ونهاريا، كما يجري الآن تجهيز ثلاث سفن إنزال جنوبي نهاريا، وصدرت الأوامر لثمانية زوارق صواريخ باتخاذ مواقعها بالقرب من الساحل الممتد بين صيدا ورأس الناقورة، واتخذت بارجة حربية موقعها مقابل عدلون، وتتوقع القيادة الفلسطينية أن يتم الهجوم "الإسرائيلي" قبل السادس من تشرين ثاني «نوفمبر» المقبل، أي قبل تنفيذ اتفاق التناوب وتسلم شامير رئاسة الوزارة.

وفي الوقت الذي استنفرت فيه القوات الفلسطينية والإسلامية في جنوب لبنان، بدأت الاشتباكات بين قوات نبيه بري وبين الفلسطينيين في مخيم الرشيدية قرب صور، في هذا الوقت نسبت وكالة رويتر إلى وزير الحرب الصهيوني إسحاق رابين قوله لصحيفة يديعوت أحرونوت أن اقتراحًا "إسرائيليًا" قد عرض على نبيه بري زعيم حركة أمل عن طريق وسطاء من الولايات المتحدة والأمم المتحدة يعطي السيطرة تدريجيًا في جنوب لبنان الحركة أمل، وقالت منظمة التحرير الفلسطينية في بيان لها من تونس إن البحرية "الإسرائيلية" تقوم بمحاصرة مخيم الرشيدية وتقصفه بالمدفعية الثقيلة.

وسط هذه التهديدات والضغوط العسكرية في لبنان، قال راديو العدو الصهيوني في تعليق له، ليلة الخميس 2/10/86، إن السلطات التونسية تضغط على كوادر وعناصر منظمة التحرير المتواجدة في تونس فيما يتعلق بالتسليح والتنقل، وإنها في سبيلها إلى استرداد مقر قيادة المنظمة ومطالبة هذه القيادة بمغادرة تونس.

وأعلن مصدر فلسطيني مطلع في عمان أن منظمة التحرير الفلسطينية نقلت بعض هيئاتها الموجودة في تونس إلى العراق والسودان واليمن الشمالية خلال شهر سبتمبر «أيلول» الماضي.

وقالت صحيفة «الاتحاد» الصادرة في «أبوظبي»، يوم الأربعاء الماضي، إن الفلسطينيين بدأوا بمغادرة تونس، وأن عملية الرحيل تشمل كل الدوائر التابعة للمنظمة بما فيها الدائرة السياسية ووكالة الأنباء الفلسطينية.

إن الضغوط العسكرية والسياسية -كما نری- ذات هدف واحد في النهاية وهو الوصول إلى «تسوية لمشكلة الشرق الأوسط» تضمن بقاء الكيان اليهودي وتنهي القضية الفلسطينية، وهكذا فإن الاختيار العسكري الذي تسعى إليه الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ليس بالضرورة نقيضًا للاختيار الأول «المؤتمر الدولي» الذي يسعى إليه الاتحاد السوفيتي والدول العربية ومنظمة التحرير، بل إن الضغوط العسكرية ربما أدت إلى الإسراع بعقد هذا المؤتمر سواء تم الهجوم العسكري المتوقع أو لم يتم.

ولكن هناك فرق بين أن يعقد المؤتمر بوجود منظمة التحرير كما تسعى المنظمة يدعمها الاتحاد السوفيتي، وبين أن ينعقد المؤتمر بدون المنظمة كما تسعى الولايات المتحدة ومعها العدو الصهيوني ولا تمانع في ذلك بعض الأطراف العربية.. والفرق أن يكون للفلسطينيين كيان ولو كونفدرالي مع الأردن أو لا يكون، ومعنى وجود كيان ما للفلسطينيين في نظر اليهود وجود تهديد مستمر للكيان اليهودي في المستقبل، لأن اسم الفلسطينيين واسم "الإسرائيليين" نقيضان لا يجتمعان على أرض واحدة هي أرض فلسطين يطلق عليها اليهود اسم «أرض إسرائيل».

وإذا كان هناك ثمن باهظ مطلوب من الاتحاد السوفيتي أن يدفعه مقابل قبوله في المؤتمر الدولي وهو تهجير أربعمئة ألف يهودي إلى فلسطيني، فإن هناك ثمنًا باهظًا ينبغي على المنظمة أن تدفعه مقابل قبولها في هذا المؤتمر، وهو اعترافها الصريح بالقرار 242 دون تعديل، ومعنى ذلك شطب القضية الفلسطينية من قائمة الصراع في الشرق الأوسط، واعتبار الأمر نزاعًا على الحدود بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني ووجود حل لمشكلة «اللاجئين الفلسطينيين» دون أن يمس هذا الحل سيادة العدو الصهيوني على أرض فلسطين.

وكما هي العادة أن يكون الرئيس الروماني نيقولاي تشاوشيسكو وسيطًا مقبولًا لدى العرب واليهود والأمريكان والروس لخصائص مميزة قلما اجتمعت في غيره، وهي أنه يهودي وشيوعي وغربي، وأنه لم يقطع علاقاته مع الكيان اليهودي أسوة بالدول الاشتراكية عام 1967، وأنه لا يقف في مواجهة الولايات المتحدة، ويستمع جيدًا إلى السيد ياسر عرفات، وكان له دور تمهيدي في اتفاقيات كامب ديفيد.

وسط هذه الظروف المعقدة كان لابد أن يبرز دور الرئيس الروماني «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر!» فقدم إليه السيد ياسر عرفات -كما ذكرت مصادر دبلوماسية عربية من بيروت- مشروعًا للحل، قالت صحيفة «الخليج» في الشارقة إنه يتضمن اقتراحًا بعقد مؤتمر دولي تحضره منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب الأطراف المعنية الأخرى والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن..

والشيء الجديد في هذا المشروع أنه يتضمن أيضًا تشكيل لجان تمهد لعقد هذا المؤتمر ومنها لجان فلسطينية- "إسرائيلية" تخوض مفاوضات مباشرة تمهيدًا للمؤتمر.

وذكرت الصحيفة أن الرئيس الروماني عرض المشروع على رئيس وزراء العدو وعلى الإدارة الأميركية.

ويبدو أن منظمة التحرير بهذا المشروع -إن صح- تحاول أن تحل عقدة المفاوضات المباشرة التي يصر عليها الصهاينة، وتحاول أن تتفادى الضربة العسكرية التي تعد لها الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، والضربات السياسية التي تواجهها في بعض أرجاء الوطن العربي.

ولكن.. على فرض أن المؤتمر الدولي قد تحقق، وأن منظمة التحرير قد قبلت عضوًا مشاركًا فيه فهل يمكن أن يحصل الفلسطينيون من خلال هذا المؤتمر على حقوقهم المشروعة كحق تقرير المصير على التراب الوطني الفلسطيني؟ إن حق تقرير المصير يعني أن يعطي الشعب الفلسطيني الحق في تقرير مصيره السياسي والوطني عبر استفتاء حر ونزيه، فهل يتوقع المؤتمرون -إن اجتمعوا- أن يتنازل الفلسطينيون بمحض اختيارهم عن ترابهم الوطني أو حتى عن جزء منه إلى اليهود؟ وهل يتنازل الفلسطينيون باختيارهم عن كيانهم السياسي ليذوبوا في کیانات أخرى إلا إذا كان الذوبان متبادلًا من أجل قيام كيان عربي إسلامي موحد؟!

وإذا كان الجواب عن السؤالين الأول والثاني بالنفي فمعنى ذلك أن المؤتمر الدولي المنشود -إن تم- سيحرم الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير، وسيكرس معاناة الفلسطينيين في ديار الغربة وسيضفي الشرعية الدولية على وجود صهيوني غير شرعي في فلسطين، وسيصبح جهاد الشعب الفلسطيني لتحرير وطنه مستقبلًا عملًا إرهابيا ليس فقط في نظر الولايات المتحدة والعدو الصهيوني بل في نظر العالم كله شرقه وغربه.

إن الطريق الوحيد إلى فلسطين الحرة العزيزة هو الطريق الإسلامي، طريق الجهاد وإذا كان اليهود لم يستحوا أن يعلنوا -وهم على باطل- أن الصهيونية حركة دينية تستمد مبادئها من التوراة والتلمود، وأن اسم نبي الله «إسرائيل» اختير ليكون اسمًا لكيانهم الاستعماري العدواني فكيف نخجل من القول إن صراعنا مع يهود صراع ديني حضاري؟ إما أن تكون أمة وعقيدة أو لا نكون.. لا انفصال بيننا كأمة وبين عقيدتنا الإسلام، نحن لا نكون أمة بدون العقيدة ولا تكون العقيدة بدوننا كأمة، ومن العيب أن يدرك اليهود هذا وهم على باطل، ولا ندركه نحن، ونحن على حق قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ (المائدة: 82)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 51)، وقال تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ (التوبة: 12).

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: 38-39)، وقال عليه الصلاة والسلام: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.».

(يتبع)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل