; الصحفية الأمريكية جوديث ميللر تقود حملة غربية جديدة ضد الحركات الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الصحفية الأمريكية جوديث ميللر تقود حملة غربية جديدة ضد الحركات الإسلامية

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 65

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 02-يوليو-1996

* تقوم فكرة ميللر على أن المسلمين ممزقون ومشتتون في 99 اتجاهًا وأن الإسلام لا يمكن أن يكون مصدرًا عالميًا للقوة والهداية.

عقدت اللجنة اليهودية الأمريكية «AIC» يوم 22 مايو الماضي ندوة بعنوان: «الإرهاب الدولي وخطر التطرف الإسلامي»، تحدثت فيها الصحفية جوديث ميللر المعروفة بعدائها للتيارات الإسلامية، وقد دارت معظم النقاشات خلال الندوة حول كتابها الذي صدر في شهر أبريل الماضي «للرب تسعة وتسعون اسمًا.. تقارير عن الشرق المقاتل». 

وتعتبر جوديث ميللر من أكثر الصحفيين الذين قاموا برحلات إلى الشرق الأوسط وأقاموا فيه أحيانًا بحكم عملها كمديرة لمكتب صحيفة «نيويورك تايمز» بالقاهرة، أو مراسلة متجولة للصحيفة منذ عام 1977م، إضافة إلى زيارات أخرى خاصة ذات مهمات سرية لجمع وتوفير معلومات لجهات صناعة القرار في الغرب حول حركات أو شخصيات إسلامية معينة في المنطقة العربية. 

ويعزي البعض إليها ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن استعداد صدام حسين للصلح مع إسرائيل في مطلع التسعينيات عندما التقته في بغداد، ونقلت ذلك إلى حكومة شامير آنذاك.. ولقد تكشف الوجه الحقيقي لجوديث ميللر - وهو الوجه المعادي للظاهرة الإسلامية – بعد حادث التفجير الذي وقع في مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك عام 1993م، حيث أخذت تتحدث في وسائل الإعلام المختلفة عن تيارات الإسلام السياسي باعتبارها مسؤولة عن تغذية كل مظاهر التطرف والإرهاب بالمنطقة، واتهمت الحركات الإسلامية - بدون استثناء - بأنها على مستوى الفكر والممارسة هي اتجاهات تدعو إلى العنف ومعاداة الأنظمة الحليفة والصديقة للغرب.

وقد حاولت ميللر في كتابها التأكيد على أن كل الحركات الإسلامية لها «أجندة» تدعو إلى المواجهة العسكرية للأنظمة القائمة، وإن كان البعض يحاول التخفي وراء مظاهر وشعارات الانفتاح والتسامح والمشاركة مع الآخر، وتدعي ميللر أنها تتفهم حقيقة الظلم الواقع على الإسلاميين، إلا أنها تعتقد أن الإسلاميين ليس لهم من هدف إلا الوصول إلى السلطة!! ثم بعد ذلك احتكارها بيد تلك الأقلية الإسلامية، وتعطيل أية عملية ديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى انتزاع هذه السلطة!!

أشارت جوديث ميللر إلى أنها اختارت هذه التسمية لكتابها لأن «الرب» في القرآن له تسعة وتسعون اسمَا وهي بلا شك رؤية قاصرة وتفسير مغلوط واستشهاد غير دقيق، لأن الأسماء هي لصفات المولى سبحانه مستقاة من القرآن والسنة، وإن ميللر إنما أرادت بهذه التسمية التشكيك والغمز بأهداف الإسلاميين، وإنهم وإن تعددت أسماؤهم إلا أن أصل وحقيقة ما يدعون إليه ذو جوهر واحد، وهو الوصول إلى السلطة واحتكارها!! 

ويمكن للمرء من خلال حديثها في هذه الندوة فهم مغزى الرسالة التي تطمح إلى إيصالها إلى قراء الكتاب، وهي أن الإسلاميين وجوه متعددة لعملة واحدة.

وقد عقبت الأستاذة أنيسة عبد الفتاح - رئيسة المؤسسة العالمية للمرأة المسلمة في الولايات المتحدة - على الكتاب بالقول: «إن جوديث ميللر تريد الإيحاء بأن الإسلام لا يمكن أن يكون مصدرًا عاليًا للقوة والهداية، وذلك لأن المسلمين ممزقون ومشتتون في تسعة وتسعين اتجاهًا، وتتنازعهم أحوال وخلافات بلدانهم، وكذلك الأهداف الشخصية لزعاماتهم السياسية».

وخلال الشواهد التي تعرضها «ميللر» للاستدلال على دموية الظاهرة الإسلامية، العملية الاستشهادية التي تمت ضد مبنى قيادة المارينز في لبنان عام 1983م، والتي خلفت وراءها 243 قتيلًا وعشرات الجرحى من الأمريكيين، وتقول إنها عندما ذهبت لمناطق الجنوب اللبناني فقد اكتشفت مصادر التحريض التي قادت إلى تلك العمليات «الانتحارية»، حيث يتم إعداد الأطفال وتدريبهم وتعبئتهم ليكونوا بعد ذلك شهداء باسم الإسلام.

وقد ذكرت ميللر أنها تعتقد أن الأصولية الإسلامية ليست متماسكة ومتراصة كما يحاول البعض أن يوحي لنا في الغرب، ولكنها ذات اتجاهات متباينة مثل تباينات بلدان الشرق الأوسط، وإن كل نظام عربي له طريقته الخاصة في محاربة الأصولية الإسلامية بالشكل والأسلوب الذي يضمن بقاءه في السلطة والحكم.

أساليب محاربة الحركات الإسلامية:

وترى ميللر أن محاربة هذه الحركات الإسلامية من قبل أنظمة الحكم تتم بواحدة من إحدى ثلاث:

1- سياسة القمع المكشوف: ولها أمثلة ومشاهدات في كل من العراق وسوريا، حيث قام النظام في بغداد بقتل كل من أبدى معارضة له في سياساته الداخلية أو الخارجية، وكذلك حافظ الأسد الذي لم يتورع عن القيام بمجزرة حماة التي راح ضحيتها 25 ألفًا من أهلها، وتعتقد ميلر أن هذه السياسة «مؤثرة وفعالة» طالما أن القائمين عليها ما زالوا في السلطة. 

2- نزع الصفة الإسلامية عن الإسلاميين: وهي سياسة تهدف إلى تسويق الإسلام الرسمي الحكومي وقطع الطريق على الآخرين، وأعطت میللر مثالًا على ذلك بمصر، حيث تقوم الحكومة باستخدام الدين بمفهومه الحكومي لسحب الشرعية عن المطالبة الإسلامية والادعاء بأن هؤلاء الإسلاميين إنما هم متطرفون وإرهابيون وتحركهم جهات خارجية.

3 - سياسة الاستيعاب: وهي السياسة التي تسمح للإسلاميين بالمشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان وأجهزة الدولة المختلفة بأمل تحييدهم واحتوائهم، وتدجين المغالين والمتطرفين منهم، وتشير ميللر إلى أن هذه السياسة هي المحببة للإدارة الأمريكية كونها تمثل الضمان في وجه انفجار الأوضاع بطريقة قد يصعب التكهن بعواقبها، إلا أن هذه السياسة لها - كما تعتقد ميللر - أيضًا مخاطرها، وتضرب مثالًا على ذلك بالجزائر، حيث ساقت هذه السياسة إلى سرعة استجابة الناس للخطاب الإسلامي مما شكل خطرًا على النظام السياسي، دفعه إلى تعطيل العملية الديمقراطية والدخول في مواجهة دامية مع الإسلاميين، أما في الأردن فإن الإسلاميين لا يشكلون حاليًا أي تهديد للنظام، ولذلك فإن التحدي أمام الملك ليس كبيرًا، وهي إشارات توحي من جانبها بأن هذه السياسة في توجه فاشل، إذ إنها تساعد على تقوية شركة الإسلاميين ومكاسبهم، وأنهم إذا ما اشتد ساعدهم كانت الرماية.

وفي إجاباتها حول إمكانيات وقف الظاهرة الإسلامية «الجهادية» أشارت ميللر إلى أن شعوب المنطقة في التي يجب أن تقف لمواجهة الظاهرة الأصولية ورفض المتطرفين، وذكرت أن هناك ثلاث مجموعات سوف تتعرض للاضطهاد وتقاسي إذا ما وصل الإسلاميون للسلطة وهي الأقليات المسيحية، والمرأة والمثقفون، وذلك لأن هؤلاء - حسب مزاعم ميللر - لا يتمتعون بحقوق متساوية في ظل الدولة الإسلامية.

ملاحظات على أطروحات ميللر:

وبعد مراجعة مجمل الأطروحات التي تناولتها میللر في الندوة حول كتابها، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

أولًا: أن جوديث ميللر ليست صديقة أو متعاطفة مع الخطاب الإسلامي، وإن حاولت من خلال ابتساماتها الادعاء بغير ذلك، فآراؤها وفهمها للإسلام والحركة الإسلامية تم تشكيله بهدف خدمة أغراض جهات صهيونية ذات نفوذ بالولايات المتحدة وإسرائيل، وإنها تعتمد في استشهاداتها – غالبًا – على تصريحات وأقوال جهات علمانية معادية للنهج الإسلامي أو من المسيحيين، وبعض العناصر المغالية من المسلمين، وهي في مجموعها لها مواقف وآراء سلبية للحركة الإسلامية بشكل عام.

ثانيًا: إن الرسالة التي تريد توطين القناعة بها من خلال كتابها وأحاديثها الصحفية هي «أن الإسلاميين هم أعداء السلام»!! وهي نفس الأفكار التي يحاول الصحفي الأمريكي ستيفن إيمرسون صاحب الفيلم الوثائقي «جهاد في أمريكا» تسويقها واستعداء العالم الغربي – وخاصة الولايات المتحدة -ضد كل ما هو إسلامي، لأن الإسلاميين يشكلون «شبكة إرهاب عالمية» تهدف إلى ضرب المصالح الغربية وزعزعة الأوضاع - من وجهة نظره - في العالم الصناعي بأسره.. وقد استطاع «إيمرسون» النجاح نسبيًا في حملته على المسلمين داخل الولايات المتحدة، وقد تسببت الإجراءات والقوانين التي تم اتخاذها لمكافحة الإرهاب في أجواء الهلع والفزع بين المسلمين، وتحاول جوديث في حملتها من خلال هذا الكتاب والمقالات الصحفية التي تنشرها في جريدة «نيويورك تايمز» تسويق هذه الأفكار على المستوى العالمي ليتكامل بذلك مع الجهد الذي يقوم به إيمرسون على المستوى المحلي داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

 ثالثًا: إن الحملة المنظمة التي تقوم بها جهات صهيونية، تتخفى خلف واجهات إعلامية، مستخدمة أطروحات جوديث ميللر وإيمرسون في تصوير أن الإسلام والمسلمين هم شيء غير الأصوليين، وأن هؤلاء الأصوليين مطلوب محاربتهم لأنهم يمثلون التطرف والإرهاب ومعاداة عملية السلام!! والهدف من وراء هذه الحملة هو تشويه تشويه صورة الإسلاميين ونضالاتهم وعزلهم عن قواعدهم الجماهيرية العريضة. وإذا ما تم تحقيق هذا الفصل والاستثناء، فإن من السهل بعد ذلك التخلص من القوى المتحركة والناشطة إسلاميا بالتصفية الجسدية والاعتقال باعتبارها قوى إرهابية عميلة ومعادية للسلام.

رابعاً : إن اتهامات ميللر بأن المثقفين مهددون من قبل الإسلاميين في نظرة قاصرة، لأن الحقيقة هي أن معظم طبقات الإنتلجنسيا والتكنوقراط التي هي عصب الطبقة المتوسطة في بلدان الشرق الإسلامي - هي الآن من الإسلاميين أو المتعاطفين معهم من القوى الوطنية والقومية، وتشهد على ذلك نجاحاتهم في انتخابات النقابات المهنية كالمهندسين والأطباء والمحامين، وكذلك داخل الاتحادات الطلابية بالمعاهد والجامعات وباقي المؤسسات التعليمية المختلفة.

ويعتبر الإسلاميون الآن، وبشهادات الكثير من المفكرين الغربيين هم بحق الذين يقودون مجتمعاتهم نحو التطوير والإصلاح التطوير والإصلاح، وإن مساعيهم في التغيير تلقى استحساناً، وتدفع في اتجاه توسيع قاعدة المشاركة السياسية والانفتاح ومحارية كل مظاهر التخلف والفساد على المستويين الرسمي والشعبي.

لا شك أن جوديث ميللر تقود حملة لتشويه العمل الإسلامي والتحريض عليه، ولها أجندة مبطنة تخدم بها جهات صهيونية توفر لها المعلومات الاستخباراتية، ولها مصلحة في تجريم التيارات الإسلامية بحكم أنها آخر القلاع الباقية في وجه المشروع الصهيوني لاختراق المنطقة. وتحقيق الهيمنة والعلو الدولة إسرائيل، وطبقاً لمصادر موثوقة فإن جوديث ميللر ودانيال بايبر هم من أنشط العناصر اليهودية التي تلعب دوراً مهما في صناعة السياسات المتوجب اتباعها لدى الأجهزة التنفيذية والأمنية ضد تيارات الإسلام السياسي، تلك السياسات التي تنادي برفع صفة الإسلامية، عن هذه الجماعات القطع باب التعاطف معهم، والنظر إليهم فقط كمتطرفين وإرهابيين وأعداء للسلام، ولا نجاة منهم إلا بالقهر والاستئصال وللأسف فقد استطاعت جوديث ميللر استغلال بساطة الكثير من الدعاة، وعفوية المغالاة، الوعظية أحياناً لإظهار أن الإسلاميين هم أعداء للغرب وأمريكا، وأنهم دعاة صدام مع الحضارة الغربية .

لقد آن الأوان للعمل الإسلامي أن يبلغ رشده على مستوى التوجه وضبط الخطاب، فما من قول إلا ويتم ترجمته في اليوم التالي لصانعي السياسات في الكونجرس ومتخذي القرارات في البيت الأبيض، وإن الكثير من عنتريات الدعاة العاطفية أصبحت لا تأتي بخير على انطلاقة العمل الإسلامي وصحوة جماهيره، وإذا ما أردنا لهذا الدين أن يظهر للعالمين فإن الحكمة مطلوبة في كل ما يصدر من قول أو عمل، لتظل عوراتنا وثغورنا محصنة في وجه الحملة ومخالبها الإعلامية الحادة والمترامية في وجه مسيرة الاستشراف الحضاري لأمتنا الإسلامية القادمة .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين