العنوان الصحابة رضى الله عنهم.. مشاعل الحق والهدى
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013
مشاهدات 66
نشر في العدد 2047
نشر في الصفحة 52
السبت 06-أبريل-2013
لا معنى لأن يخرج علينا بين الحين والآخر ناعق أو مدع أو جاهل لكي يتطاول على الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل قتل وسبق في نشر الدعوة الإسلامية لقول الحق تبارك وتعالى:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100).
ولا معنى لأن يشكك أحد في هؤلاء الأخيار، وهم كانوا يشكلون القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم في عهد النبوة, وفي الحقب التي تلتها، وكانوا حملة مشاعل الهداية ونور الحق واليقين في وقت المحنة والمنحة على حد سواء.
إنهم كانوا المهاجرين الذين أخرجوا إخراجًا من ديارهم وأموالهم, دون ما ذنب ارتكبوه, ولا إثم اقترفوه, إلا أنهم قالوا: «ربنا الله, يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله»، لم تثنهم التحديات والأخطار عن مواصلة طريق الحق, ولم تحل التهديدات عن القيام بواجب الدعوة إلى الله تعالى.
إنهم صدقوا في قولهم وعملهم؛ فكانوا صادقين مع الله في إيمانهم به سبحانه, وصادقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم في اتباعه, وصادقين مع الحق في التزامهم به, وصادقين في كل شان يتصل بدينهم, حتى صاروا صورة حية للإيمان تدب على الأرض ويراها الناس, وقد تواترت أخبارهم ووصلت إلينا، وكلما قرأنا مواقفهم واطلعنا على سيرهم العطرة ترضينا عليهم، لنبلها وتفردها وتميزها وسموها قولًا وعملُا.
كما كانوا أيضاً معشر الأنصار الذين نفردوا بصفات خاصة, ولولا أنها كانت حقًا, وسجلها القرآن الكريم لحسبها الناس أحلامًا وخيالًا, فهم الذين تبوؤوا الدار والإيمان, وهذا الوصف ذو دلالة واضح في تصوير موقف الأنصار من الإيمان الذي كان نزلهم الذي تعيش فيه قلوبهم, وتسعد به أرواحهم, وتسكن إليه نفوسهم، ويثوبون إليه كما يثوب الإنسان إلى داره ويستقر!.
ولم يعرف التاريخ البشري حادثًا جماعيًا يشابه حادث استقبال للمهاجرين, بهذا البذل السخي, وبهذا الحب الوفي, وبهذا التسابق الرضي, حتى كانت القرعة سبيلًا إلى أن ينزل مهاجري على أنصاري, نتيجة الرغبة الشديدة في الإيواء واحتمال الأعباء.
كانوا رضوان الله عليهم حصنًا منيعًا ضد الفتن والحروب وظهور البدع, روی مسلم وغيره عن أبي بردة عن أبيه, قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قلنا: لو جلسنا حتي نصلي معه العشاء قال: فجلسنا, فخرج علينا, فقال: «ما زلتم هنا؟» قلنا: يا رسول الله, صلينا معك المغرب, ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء, قال: «أحسنتم أو أصبتم», قال: فرفع رأسه إلى السماء, وكان كثيرًا ما يرفه رأسه إلى السماء, فقال: «النجوم أمنة للسماء, فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي, فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي, فإذا ذهب أصحابي آتي أمتي ما يوعدون».
كما أن هؤلاء الصحابة العظام احتلوا مكانة فريدة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعلى من شأنهم وأوصى بهم خيرًا، روى أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عُمر أن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم، فقال: «استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل ليبتدئ بالشهادة قبل أن يُسألها، فمن أراد منكم بحبحة الجنّة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يَخْلُونَ أحدكم بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن».
وسيظل القرآن الكريم يرصد مناقبهم إلى قيام الساعة، قال الحق تبارك وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكَفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً الله وَرِضْوَانًا من سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مَنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلَهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغلط فاستوى على سوقه يُعْجِبُ الزَّرَاعَ ليغيظ بهم ن نزلهم الكفار وعد الله الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات منْهُم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ (الفتح: 29). إنها صورة صادقة مؤلفة وضيئة من عدة معالم لأبرز حالات هذه الجماعة المؤمنة المختارة, حالاتها الظاهرة والمضمرة, فحالة تصور واقعهم مع الكفار ومع أنفسهم، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكَفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾, وأخرى تصور هيئتهم في عبادتهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، وثالثة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً الله﴾.
ورابعة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة﴾، وصور أخرى متتابعة تصورهم كما في الانجيل: ﴿كزرع أحرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾, وفي صورة بديعة يتبين أنهم رضوان الله عليهم أشداء على الكفار, وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم, ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعًا، رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين, فهي الشدة لله والرحمة لله, وهي الحمية للعقيدة, والسماحة للعقيدة, فليس لهم في أنفسهم شيء, ولا لأنفسهم فيهم شيء، وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم, كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها، قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله سبحانه، فالوشيجة التي تريطهم إنما هي بالله تعالى.
وإرادة التكريم واضحة, والله سبحانه وتعالى يختار من هيئاتهم وحالاتهم هيئة الركوع والسجود، وحالة العبادة: «تَرَاهُمْ رُكَعاً سجداً», ويتجلى أثر العبادة الظاهرة, في ملامحهم وسماتهم: «سيماهم في وجوههم من أثر السجود»، سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والثقافية ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف، وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله: «من أثر السجود»، فالمقصود هو أثر العبادة, واختار لفظ السجود؛ لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها, فهو أثر هذا الخشوع أثره في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحل مكانها التواضع النبيل والشفافية الصافية, والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلًا.
(*) أستاذ الحديث وعلومه