العنوان الشيطان.. وأسلوبه الجديد
الكاتب د.طارق سويدان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1979
مشاهدات 108
نشر في العدد 462
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-ديسمبر-1979
ضرورة الحيطة والحذر والانتباه في عصرنا المفتون
شبابنا المسكين.. شبابنا الحائر.. تكالبت عليه الفتن من كل مكان فهو حيران لا يدري لأي جهة ينتمي.. ولأي ملجأ يفر.. فتن تمثلت في هذا الواقع المؤسف من الابتعاد عن دين الله تعالى.. وإقصاء شرع الله عن دفة القيادة... كما تمثل في تقهقر وتخلف وجهل وظلم وفساد وانحلال وذل وعبودية... كل هذا في إطار متوهج مزخرف، وصوت رخيم عذب كرست له كل أجهزة الإعلام ومناهج التربية... وتلاحقت الهزائم وتكررت النكسات وانصبت الويلات... فتعالت الصيحات.. الكل ينادي أصحاب المنهج الأسلم... أنا المنقذ من الضلال.. وسقطت أقنعة ولبس الخونة أقنعة جديدة... وسقطت لافتات وارتفعت أخرى... كل هذا ليزداد الشباب حيرة... ويبقى بعد هذا كله التقهقر والتخلف والجهل والظلم والفساد والانحلال والذل والعبودية ومعها شعور هائل بالخواء الروحي والفراغ الفكري.
ولمع نور ساطع جذب الأنظار، وجاءت ريح طيبة أحيت النفوس، وتحول الجدول الصغير إلى نهر دافق، فالتقت جموع شباب مخلص، وتجمعت أرواح مؤمنة تحت راية خالدة رفعها سيد الأولين والآخرين وتوارثها عنه دعاة مجاهدون، يرددون مع المصطفى: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
وخنس الشيطان، وأحس بالانتكاسة، وبدأ بناءه الذي بذل فيه قرونًا من الجهد والنصب يتزعزع تحت ضربات هؤلاء المجاهدين، وكلما زاد الشيطان في محاولات سحق التيار بأيدي أتباعه المتربعين على عروش الظلم والإلحاد، كلما زاد ذلك في عزيمة أولئك الشباب، وكلما سقط سید شهید برصاص عملاء الشيطان الخونة، قام مكانه سيد يدعو ويكرر مع بلال بن رباح الأذان الذي يفر منه الشيطان، وكلما فاز الشيطان في جولة في بلد لحكمة يريدها صاحب الدعوة وخالق الدعاة، ظهر الإسلام من حيث لا يحتسب أعوان الشيطان.
وجن جنون إبليس، فكل مكره وبطشة وحيله، وكل هذه الأعداد الهائلة من ذريته وجنوده وأعوانه، وكل هذه الأنظمة والمؤسسات والجمعيات والأحزاب التي تخدم دعوته، وكل هذه الأسلحة والقاذفات، وكل هذه الأجهزة والصحف والإذاعات، وكل هذه القوانين والتشريعات والأحكام التي زرعها ليسود بها الكفر والظلم والقهر، كل هذا لم يجد في إيقاف هذا المد المتزايد وهذا الإقبال العجيب على الإسلام.
وهنا لا بد من خدع جديدة وحيل مبتكرة وحرب ليست تقليدية، ولجأ الشيطان إلى الحرب الداخلية، وما أدهاها من حيلة، وما أخبثها من وسيلة استطاع الشيطان أن يقهر بعض النفوس من داخلها، فزين لها العلاج لما يشعر به الشباب المسلم وضعف ولين أمام الفتن والإغواءات، إذ هو بترك الدعوة والانصراف إلى نفس ليعالجها، فما أن خلي به الشيطان وأقصاه عن الجماعة المؤمنة حتى فتن به وقتله شر قتلة.
ولا يعنينا هدا وأمثاله فإنما هم أفراد والقضية التي نواجهها هي قضية أمة وهذا لا يقوم به أفراد وإنما تحب الأمة بجماعة من المؤمنين ثابتين على الحق، سائرين علي نهج المصطفى لا يحيدون عنه حتى يلقوا الله تعالى عليه.
وبدأت حرب الشيطان على جماعة المؤمنين، ولكن هذه الحرب من داخل الجماعة نفسها. فأخذت وساوس الشيطان، وألقي على البعض شبهاته فأرادوا استعجال الطريق ليقيموا الله تعالي فسقطوا أمام الكلية الفئة العسكرية، ثم ألقي شبهات أخرى فانصرفت فئة منهم إلى الثقافة والعمل الشرعي وابتعدوا عن طريق الجهل ورفضوا تغيير المنكر إلا بالقلب واللسان وأني للشيطان أن يتنازل عن عرش بنصائح ومواعظ ثم ألقي الربا والأحلام والتأويلات المرجوحة آخرين تحت أستار الكعبة الشريفة
وألقى شبهات أخرى فجعل البعض يحتار ويتردد ويخالف بسبب مواقف سياسية أو فكرية أو حركية، ناهيك عن أولئك الذين سقطوا صرعى الشهوة وحب الرئاسة وغرور العلم والحركة.
ولن يزال الشيطان يضاعف جهوده ويواجه المؤمنين بهذه الفتن المتكررة والشبهات المتلاحقة التي هي من علامات نهاية الزمان، ولا عاصم من هذه الفتن والشبهات إلا:
(1) الاتصال القوي بالله تعالى والإقبال عليه بالطاعات والعبادات والنوافل والاستعانة به سبحانه أن يرينا الحق فيما اختلف الناس فيه وإن يبعد عنا وساوس الشيطان وفتنه.
(2) التمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسلف المتبعين، دون التهاون في صغار السنن، فإنما تأخر نصر المسلمين في أحد المعارك لأنهم تركوا السواك.. ويلاحظ هنا أنه يجب على الشباب الإسلامي الاستزادة من هذا العلم الشرعي والتمسك بالنهج الذي عليه أهل السنة والجماعة، مع الأخذ بالأولويات فلا ينشغل الشاب بهذه الأمور والدعوة إليها دون معرفة العدو الحقيقي والخطر الأكبر، كما لا يكون في الجانب الآخر الذي يهتم بالشيوعية ودراستها وحربها مع إهماله لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل الأمر وسطًا بين ذلك بلا تفريط ولا إفراط.
(3) التمسك بالجماعة المؤمنة فهم العاصم من الشبهات، وهم المعين عند الضعف، وهم المنقذ عند الزلل، ومن فارقهم فقد انفرد في حربه مع الشيطان ونسأل الله تعالى له الثبات. وعلى الشباب المسلم ألا يترك للشيطان فجوة يدخل منها فيجعله يعظم من خطأ صغير وقعت فيه الجماعة المؤمنة، أو يفجر في اختلافه في موقف ارتأته لمصلحة الإسلام ليس فيه نص وإنما هو اجتهاد محض، أو يشتط في تأويل تأوله ورأى أنه الحق وإنما يرجع بذلك إلى أهل العلم الشرعي والحركي وهم يرشدنه إلى النور بإذن الله.
(4) وأخيرًا أن يحرص على الإقلال من الخلاف داخل صفوف الشباب المسلملا إشاعته والحديث به، فهذا ما يطمح إليه الشيطان وهو غاية مناه.
وأخيرًا فهذا هو العاصم من الحرب الخبيثة للشيطان الماكر وليس لنا سبيل إلا هي، والله المستعان على شبهته وفتنهوهو الحافظ من كل زيغ وضلال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل