; الشيشان: إحباط محاولة لاغتيال الرئيس دوداييف بتخطيط روسي أذربيجاني | مجلة المجتمع

العنوان الشيشان: إحباط محاولة لاغتيال الرئيس دوداييف بتخطيط روسي أذربيجاني

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 121

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 21-فبراير-1995

·       وقف إطلاق النار بين الجانبين.. والانتقال إلى حرب الشوارع والجبال

بتحليل نتائج القتال الدائر في الشيشان بين الغزاة الروس والمجاهدين الشيشان، فإن نتائج الحرب خلال شهرين والتي بدأت في 11 ديسمبر الماضي، تشير إلى فشل القوات الروسية في تحقيق أهدافها، ولم تتمكن من السيطرة على العاصمة جروزني بشكل كامل رغم قرار المجاهدين الشيشان بالانسحاب من المدينة يوم 11 فبراير الجاري في إطار تغيير التكتيكات القتالية، إذ إن القوات الروسية هي الأخرى قررت الانسحاب وإسناد مهمة الدفاع عن المدينة المدمرة إلى قوات الأمن الداخلي، وذلك في محاولة من قبل وزارة الدفاع الروسية للهروب من الميدان محملة المسؤولية لقوات الأمن، خاصة بعدما بدأ المقاتلون الشيشان القيام بعمليات عسكرية وفق أسلوب «اضرب واهرب».

ولم تنجح أيضًا القوات الروسية إلا في السيطرة على جزء من العاصمة جروزني ونوروسكي وناداتراشني فقط من المقاطعات الإدارية الإحدى عشر في الشيشان، وهو الأمر الذي جعل موسكو ترضخ لنداء العقل بتوقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار بين الجانبين يوم 13 فبراير الجاري، والتي توصل إليها الجنرال الروسي أنا طولي كوكليكون وممثل المجاهدين الشيشان أصلان مشهدوف، وذلك في المباحثات التي تمت بينهما في مدينة أورديواكي روفسكايا الأنجوشية، إذ تقرر بعد مفاوضات دامت 3 ساعات وقف إطلاق النار في الحال وتبادل الأسرى، وإن كانت قد خرقت بعد عدة ساعات من توقيعها وهو أمر عادي في جميع الاتفاقيات.

كما أن المفاوضات يوم الأربعاء الماضي 15 فبراير تناولت تفاصيل عملية انسحاب القوات الروسية، وهو ما يعد نقطة في صالح الجانب الشيشاني الذي يقود المفاوضات باقتدار ومهارة فائقة رغم وجود بعض الملاحظات على الاتفاقية الموقعة بين الجانبين، إذ إن قائد الوحدات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية الروسية هو الذي وقع الاتفاقية، فهل ستلتزم قوات الجيش بها أم سترفض الخضوع لها؟ بزعم أن تلك الاتفاقية خاصة بقوات الأمن الداخلي رغم أن الاتفاق ينص على وقف إطلاق النار، وحدد الأسلحة الثقيلة التي في حوزة قوات وزارة الدفاع بالطبع والتي لم تنجح في إقامة الاستحكامات اللازمة في المناطق التي احتلتها.

تأتي تلك التطورات في الوقت الذي أعلن فيه مولودي أودوجوف - وزير الإعلام، والمتحدث الرسمي باسم الرئيس الشيشاني - يوم 13/2/1995م، أنه تم إحباط محاولة لاغتيال الرئيس جوهر دوداييف بتخطيط مشترك من قبل الخدمة السرية في الاستخبارات الروسية والأذربيجانية كانت ستنفذ يوم 12 فبراير الجاري أثناء وجود الرئيس الشيشاني في منطقة جودرماس لإجراء اتصالات ومشاورات مع القيادات المحلية حول الموقف في الشيشان، وتم اعتقال مجموعة من مواطني أذربيجان وداغستان كانوا يرصدون تحركات الرئيس دوداييف بناء على تعليمات من عملاء الاستخبارات الروسية والأذربيجانية وفق اعترافاتهم، مما يعني أن دوداييف يعتبر هدفًا أوليًا للتدخل الروسي في الشيشان، ولذلك صدر قرار من المدعي العام الروسي باعتقاله ومحاكمته، وبالتالي فإن بقاء دوداييف طليقًا أيًا كانت نتائج الصراع الدائر، يعتبر نصرًا شيشانيًا بل يؤكد قدرة الشيشان الاستخباراتية، إذ إن الرئيس دوداييف مازال يتخذ مقرًا سريًا في العاصمة علاوة على مقره في مدينة أرجون التي تبعد 20 كيلو مترًا عن العاصمة.

هذا بالإضافة إلى هروب أكثر من 3000 جندي روسي حتى الآن من القوات المشاركة في القتال في الشيشان - طبقًا لأقوال سيرجي سروكين زعيم الحركة المضادة للتدخل العسكري في الشيشان، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى محاكمتهم عسكريًا، وفي حالة إدانتهم سيقضي بحبسهم لمدة 7 سنوات، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه التحقيقات ضد القادة الروس المعارضين للحرب، وهو ما حدا بماريا دوبروفوروسكايا - عضو لجنة الدفاع بمجلس الدوما - إلى القول بأنه «يجب علينا عمل كل ما نستطيع من أجل منع محاكمة العسكريين بسبب أخطاء السياسيين»، كما تواصلت ردود الفعل على الصعيد نفسه في مدينة هيرفسك في سيبيريا، إذ قررت الأسر في تلك المدينة عدم إرسال أبنائهم إلى الجيش إذا لم يتم وقف الحرب في الشيشان حتى يوم 5 مارس المقبل.

وهذا يعني انهيار الروح المعنوية والقتالية في الجيش الروسي مع احتمالات زيادتها، ولذلك فإن فلاديسلاف أشالوف -قائد القوات الروسية- التي تدخلت في أذربيجان عام 1990م، وصف عملية التدخل العسكري بأنها كانت فاشلة إذ تمت بناء على تخطيط هجومي خاطئ في توقيت خطأ، علاوة على أن القوات المشاركة ليست لها أية خبرة قتالية.

ولا يمكن بالطبع اعتبار 25 ألف مدني ضحايا للقصف الروسي للشيشان نصرًا، خاصة في ضوء المعلومات التي تشير إلى أن كل مقاتل شيشاني يستشهد يقتل مقابله 10 من العسكريين الروس، كما أن عدم إعلان موسكو حتى الآن عن أسرى من المقاتلين الشيشان يعني أنهم إما يقاتلون حتى الموت -وهذا هو الأرجح- أو أن القوات الروسية تقتل الأسرى في الميدان.

وفي النهاية فإن صورة ميدان القتال تؤكد أن روسيا العظمى لم تنجح في مواجهة شعب الشيشان المسلح بالإيمان الذي لم ترعبه هيبتها كدولة نووية، إذ أكد المجاهدون الشيشان للعالم أجمع أنهم ليسوا حفنة مجرمين أو عصابات مافيا كما ادعت موسكو، ولكنهم مقاتلون أشداء يدافعون عن هويتهم الدينية والقومية.

وتشير المصادر الشيشانية إلى أن الانتقال إلى العمليات الفدائية بعد نقل قواعد قواتها إلى الجبال يستهدف إجبار روسيا على خوض حربين في وقت واحد، الأولى: حرب شوارع في المدن الشيشانية، والثانية: حرب عصابات، وهذا سيؤدي إلى استدعاء روسيا إلى المزيد من قواتها والتي بلغ عددها حتى الآن 200 ألف عسكري، مما سيؤثر على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، ونسف الميزانية الروسية، إذ إن موسكو تنفق حوالي 6 ملايين دولار يوميًا في حرب الشيشان، وكلما طال أمد الحرب ستكون الكلفة أكثر، ولذلك قال الخبير الاقتصادي إيجور جايدار الذي دشن الإصلاحات الاقتصادية الروسية: «يكفينا أسبوعان أو 3 أسابيع من مثل هذا الإنفاق، وعندها سننسى الميزانية». وعمومًا فإن المبلغ المتوقع للصرف على الحرب سيكون أكثر من 10 مليارات دولار، وهو يمثل كارثة اقتصادية.

ولذلك فإن المنتصر الأول والأخير هي الشيشان.

الرابط المختصر :