العنوان حفظة القرآن في تزايد.. وأطالب بإذاعة إسلامية عربية متخصصة
الكاتب أحمد إبراهيم
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 54
السبت 02-نوفمبر-2002
الشيخ رزق خليل حبة- شيخ عموم المقارئ المصرية ورحلة مع المصحف الشريف
القرآن تم جمعه ثلاث مرات.. وأول ما كتب المصحف لم يكن منقوطًا ولا مشكولًا
حيلة كانت سببًا لضبط المصحف
تعدد القراءات لا يؤثر على معنى النص القرآني
تاريخ المصحف الشريف وقراءاته المتعددة وفن تجويده علوم تدرس في العديد من البلدان الإسلامية التقينا بشأنها الشيخ رزق خليل حبة شيخ عموم المقارئ المصرية، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وعضو لجنة الاختبار بالإذاعة والتلفاز المصريين وعضو اللجنة العليا للمصحف بالإمارات ليسلط عليها بعض الأضواء بجانب نشأته وحياته فكان هذا الحوار:
ماذا عن النشأة وحفظك للقرآن؟
ولدت في سبتمبر من عام ۱۹۱۷م بمحافظة الغربية، وسط دلتا النيل، وعملت بالنجارة في بداية حياتي إلى أن التقيت فضيلة الشيخ أبو العينين شعيشع ، وكان قد جاء ليقرأ القرآن في بلدتي، فأعجبت بصوته الجميل، وكان ذلك حافزًا لي أن أحفظ القرآن الكريم على كبر، وأنا في الثامنة عشرة من عمري على يد أحد شيوخ القرية، وكنت حاصلاً على شهادة الابتدائية أتممت والحمد لله حفظ القرآن في ثمانية أشهر وأعدت تسميعه في ثلاثة أيام، حيث كان حبي للقرآن دافعًا لتحقيق ذلك، كما أعفيت من أداء الخدمة العسكرية، كوني حافظًا للقرآن.
كثيرون يحفظون القرآن، لكن لا يتابعون التخصص؟
كان صوتي جيدًا في قراءة القرآن فاقترح علي الأهل أن أذهب للقاهرة لأتعلم بالأزهر، وقد كان، إذ التحقت بالقسم العام بالأزهر، وهو يختص بجميع العلوم الشرعية والعربية ويمنح شهادة العالمية، وتخصصت آنذاك في قسم القراءات بكلية اللغة العربية عام ١٩٤٤م، واستمرت الدراسة ثماني سنوات، وحصلت على المركز الأول سنة ١٩٥٢م، وتم تعييني مدرسًا بمعهد القراءات وظللت أدرس فيه إلى أن أصبحت مفتشًا عامًا بالأزهر، ومنحت وسام الجمهورية من الدرجة الأولى عام ۱۹۹۰م لحفظ وتعليم القرآن الكريم وصدر قرار بتعييني شيخًا لعموم المقارئ المصرية في العام نفسه، وحتى الآن، بالإضافة إلى أنني أشرفت على العديد من تسجيلات القرآن الكريم لعدد من القراء من المصريين وغيرهم كالشيخ الحصري والمنشاوي والطبلاوي، وعبد الباسط عبد الصمد وآخرين.
هل شاركت في عمل يقدم القرآن للمسلمين وما المقصود بالمقارئ؟
لي برنامج في إذاعة القرآن الكريم المصرية بعنوان الرحمن علم القرآن يتم بثه منذ عام ،۱۹۷۲م، ويتناول شرح أحكام التلاوة وتطبيقها على بعض الآيات، ثم استعراض القراءات الواردة في الآيات، فهو برنامج تعليمي نجح نجاحًا كبيرًا، ويتم بثه إلى دول عربية وإسلامية وأوروبية، فإذاعة القرآن الكريم لها دور كبير في خدمة الإسلام، وأتمنى أن تتشارك الدول العربية مجتمعة في بث إذاعة إسلامية متخصصة لشتى دول العالم لخدمة المسلمين وتعريف غيرهم بالإسلام.
كما شاركت في الإشراف على تسجيل للقرآن الكريم باليونان قامت به دولة الإمارات مصاحب بترجمة فورية لمعانيه لغير الناطقين بالعربية، حيث قسمنا المصحف إلى ٤۰۹ مقاطع مع ترجمة معاني كل مقطع على حدة باللغة الإنجليزية، حيث كان المشروع يهدف إلى تعريف غير الناطقين بالعربية بالإسلام وفهم معاني القرآن الكريم، وقد نجح المشروع، فهو وسيلة جيدة للدعوة للإسلام أما فيما يتعلق بنظام المقارئ ففي مصر ألف مقرأة في المساجد الكبرى تنعقد مرة كل أسبوع وتضم حفظة القرآن الكريم لكي يقرأوه فيظل محفوظًا في الصدور، وهو نظام متبع في دول عربية وإسلامية عديدة على شكل جلسات بالمساجد لتلاوة القرآن.
كيف كانت كتابة المصحف الشريف؟
تاريخ المصحف علم يدرس في معاهد القراءات وترجع بدايته إلى عهد النبي ﷺ حيث جمع القرآن ثلاث مرات كانت الأولى في عهد الرسول وجمعته صدور الصحابة- رضي الله عنهم.. والثانية في عهد سيدنا أبي بكر الصديق حيث تم جمعه في صحائف من جلد وألواح من الخشب بعد مقتل العديد من حفظة القرآن من الصحابة في حروب الردة، وجمعه زيد بن ثابت كاتب الوحي من الصدور يؤيدها ما كتب في عهد الرسول في الصحائف، ويؤكدها ثلاثة من الصحابة لا يصدق على أحدهم الكذب.
أما المرة الثالثة فكانت في عهد سيدنا عثمان ابن عفان، وكتب من المصحف ست نسخ، وقيل ثماني، تم إرسالها لجهات مختلفة: الكوفة والبصرة، ومكة والمدينة، والشام، مصحف للخليفة، وقيل مصحف لليمن، وآخر للبحرين، وحمل كل مصحف صحابي يعلم به البلد التي أرسل إليها فنسبت القراءة إليه، وإلى تلك البلد وكان ذلك كناية عن تعدد اللهجات العربية وتناقل ذلك الرواة حتى أصبح ما يسمى بعلم القراءات.
ومتى بدأ التنقيط والتشكيل؟
المصحف كتب في بداية الأمر في عهد سيدنا عثمان بن عفان لا منقوطًا ولا مشكولاً ولذلك نلتزم بالرسم العثماني للمصحف ويسمى علم ضبط ورسم المصحف، وجاء الضبط والتشكيل استكمالاً لذلك، حيث اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، واختلط العرب بالأعاجم وغيرهم. فطلب الحجاج بن يوسف الثقفي من أبي الأسود الدولي أن يصنع شيئًا يحسن الناس به قراءتهم- أي ضبط هذا المصحف- فامتنع أبو الأسود رافضًا أن يصنع شيئًا لم يفعله الرسول أو الصحابة فقام الحجاج بحيلة، إذ أجلس رجلاً يقرأ القرآن في طريق أبي الأسود الذي كان كفيفًا فتعمد رجل أن يقرأ القرآن ويلحن فيه، فقرأ من سورة التوبة قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ ﴾ (التوبة:3)، وتعمد أن يخطئ فقرأ أن الله بريء من المشركين ورسوله بكسر ورسوله، وعطفها على مشركين ليغير المعنى، فوقف أبو الأسود، وقال معاذ الله أن يتبرأ من رسوله، وذهب إلى الحجاج ملبياً لما سأل، وطلب شخصًا يساعده في ضبط المصحف، ووضع النقاط على الحروف، حتى أتم هذا الأمر، ثم جاء الخليل بن أحمد- أحد أئمة النحو بعد الدؤلي- ليضع التشكيل، ودخل التطوير بعد ذلك على المصحف حتى أصبح كما نراه الآن.
وهل لذلك علاقة بعلم القراءات؟
علم القراءات كناية عن لهجات عربية، فقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، للناس كافة، وكان كلما نزل بقوم قرأ عليهم القرآن بلهجتهم ليؤلف قلوبهم ألسنة تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسيدنا جبريل- عليه السلام: (إنما بعثت إلى قوم أميين منهم الشيخ العجوز والمرأة والرجل الذي لم يقرئ كتاباً قط) فرد عليه إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، أي سبع لهجات، فأيها حرف قرأوا عليه فقد أصابوا، ولذلك فالقراءات باللهجات التي قرأ بها القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها عنه أئمة سبعة لقراءات سبع هم:
(نافع وابن كثير، وأبو عمر البصري، وعبد الله بن عامر والشامي، وعاصم، وحمزة والكسائي).
وهم من التابعين نقل كل منهم ما تلقاه وتعلمه إلى بلده، فنسبت القراءة لبلده التي ينتمي إليها، وإلى اسمه أيضًا، وهناك ثلاثة أئمة آخرين هم أبو جعفر المدني، وخلف العاشر ويعقوب الحضرمي.
نقلوا عن السبعة وزادوا عليهم، ولكن قراءاتهم الثلاث تندرج تحت السبع قراءات ولذلك قال العلماء إن ما نقل عن السبع بالتواتر هي القراءات المعروفة الصحيحة، وإن الثلاثة الذين نقلوا قراءات أخرى درجة التواتر أقل من السبعة ولذلك فقد أصبح الأئمة عشرة، ولكن القراءات سبع، ويشترط للقراءة أن تكون بلهجة عربية، وأن يكون سندها متصلاً برسول الله ﷺ، ونقلها جيل عن جيل بشرط ألا يصدق على ثلاثة ممن نقلوها التواطؤ.
وهل لكل لهجة قراءة؟
ليس لكل لهجة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة يقرأ بها القرآن فالقراءات السبع هي اللهجات التي كانت منتشرة ومعروفة، وكانت الحكمة منها التيسير على القبائل العربية، لأنك لو قرأت لقوم بغير لهجتهم، سيصعب عليهم فهمها ويتعسر التألف معهم، وهناك لهجات لم تأت لها قراءة كلغة أهل «حمير»، وأصبح القرآن الكريم يتلى بقراءة معينة حسبما نقل وتلقاه الأئمة فالمغرب العربي يقرأ برواية ورش عن نافع والسودان برواية أبي عامر البصري، وليبيا برواية قالون عن نافع والإمارات برواية حفص وهناك دول إسلامية بها أكثر من قراءة، فقد أصبحت القراءات علمًا كالفقه والنحو وغيره، وله معاهد في جميع الدول العربية والكثير من المتخصصين في تدريسه.
بعض القراء يجمع بين أكثر من رواية في القراءة الواحدة ؟
قد يكون الجمع بين أكثر من قراءة في الآية الواحدة إعجابًا بالنفس، وهناك جهات تلزم القارئ بقراءة واحدة، وأخرى تمنحه الحق في أن يقرأ بأي رواية من الروايات السبع، بشرط أن يكمل بها قراءته، فالجمع بين أكثر من رواية في قراءة آية واحدة ليس مقبولاً، فقد يحدث لبس وشك عند الناس، خاصة لمن لا يحيط بعلم القراءات، ولذلك فالأولى أن يقرأ برواية واحدة، ولكن لا مانع إذا قرأ آية برواية ثم أعادها برواية أخرى فذلك قد ينطوي على حكمة، مفادها الحفاظ على القراءات السبع واللهجات العربية من الاندثار.
هل للقراءات علاقة بالمعنى؟
تعدد القراءات لا يؤثر على معنى النص القرآني، فهي تعني مصاحف عدة في مصحف واحد، شريطة أن يكون موافقًا للرسم العثماني إذ لم يكن القرآن منقوطًا، ولا مشكولاً مما يعني أن الحرف قبل التشكيل والتنقيط يحتمل الروايات مثل كلمة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ في سورة الحجرات تجدها في رواية أخرى «فتثبتوا»، فالمعنى واحد والرسم واحد ولكن التنقيط مختلف، وهذا ليس تحريفًا في القرآن فقد حفظه الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، ولكنه صيانة للهجات العربية، كأن تجد عبارات تنطق بلهجة معينة في بلد ما، ويختلف نطقها في بلد آخر، وإن كان المعنى واحدًا، وقد تجد ذلك الأمر داخل البلد الواحد بين أقاليمه.
وماذا عن التجويد؟
التجويد يعني التحسين والإتقان وقالوا إن مراتب التجويد ثلاث الأولى الترتيل مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: 4) والثانية الحدر أو التدوير، وهي القراءة بسرعة، مع الحفاظ على أحكام التلاوة والثالثة حالة وسط بين الترتيل والتدوير في القراءة ولكل أن يقرأ حسب ما تعلم وقد كان الرسول يسرع في قراءته مخافة أن ينسى فطمأنه ربه بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى: 6). وقد تلقى الرسول ﷺ الترتيل من الوحي.
وتناقله الصحابة والتابعون حتى وصل للعلماء فاستنبطوا منه قواعد القراءة الصحيحة وسموا هذا إظهارًا أو إدغاما، وغيرهما من أحكام التلاوة التي تجعل قراءة القرآن سلسة عذبة، ومن لم يقرأ بالأحكام فهو مقصر ومن اجتهد وأصاب فله أجران وليس من يقرأ بالأحكام كمن لا يقرأ بها، وقد أصبحت أحكام التلاوة علماً يُدرس وفيه كتب متخصصة.
هل يزيد حفظة كتاب الله أم ينقصون؟
حفظة القرآن الكريم في تزايد مستمر والحمد لله في جميع الدول يظهر ذلك في المسابقات الدينية التي تقيمها العديد من البلدان الإسلامية، ويحضرها متسابقون من شتى بلاد العالم، ونرى فتيات صغيرات حافظات للقرآن الكريم، وفتيانًا لا يتعدى عمرهم الخمس سنوات يحفظون القرآن عن ظهر قلب.
في رأيك ما مواصفات قارئ القرآن؟
يكون قارئ القرآن على خلق ونموذجًا للمعاملة الحسنة مع الناس، وأن يعمل بما يقرأ حتى يقتدي برسولنا الكريم، ويكون قرآنًا يمشي على الأرض يفوز بالدنيا والآخرة، وقد سئل الرسول ﷺ من أحسن الناس صوتًا حينما يتلى القرآن فقال: من إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل