العنوان الشهاب الذي هوى
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1998
مشاهدات 81
نشر في العدد 1305
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 23-يونيو-1998
في رحاب الله يا بحر العلوم والمعاني والحكم، في رحاب الله يا غواص الجواهر واللآلئ والدرر، في رحاب الله يا علم التفسير وملك التأويل، وفارس البيان، وملهم الخواطر الخفية، والعبارات الجلية، في رحاب الله أيها اللقن المعلم الفطن المفهم، البحر الزخار، المتفرس الحساس، موضح الآيات المحكمة. ومضيء الروايات المبهمة، ذو الكلام الموزون واللسان المخزون، والراوية الخبير الواعي البصير، الإمام اللبيب ذو اللسان الخطيب، صاحب المعارف والبيان، والحكم والأشعار .
في رحاب الله أيها العالم الرباني، العابد المتفاني، صاحب الخلق العظيم، والأدب الجم الرصين. تبكيك مجالس العلم وكتب التأويل، ودروس المساجد، ودور العبادة فقد كنت لها عامرًا وعليها مقبلًا، كم صعدت منها نفحات القدس، وأنوار الكتاب العزيز، وكم زخرت بالرواد الركع السجود يبكيك عشاق أحاديثك العذبة وروحانيتك الغامرة، ولفظك الساحر، وخطراتك الذكية، تفتقدك الملائكة التي كانت تحف مجلسك، وتكتب روادك، وتصعد جهدك وعرقك في سبيل دينك تبكيك الحنيفية المحاربة التي كنت سندًا، والملة المطاردة التي كنت لها مؤيدًا ونصيرًا، يبكيك العلم الذي يحارب والأزهر الذي يغتال، وكنت من الشهود على عظمته، ومن الحجج على سموه ورفعته، يبكيك المخلصون في العالم العاشقون لدينهم المتلهفون لنصرته، وقد لمسوك فواح العلم غياث المستضعفين المهملين، وعطاء المحرومين الجاهلين.
تبكيك شبكات الأثير العربية التي استنارت بدروسك وأحاديثك بعد أن ملت الهزر والفجور وإدمان المحرمات والسيئات والكبائر، يبكيك العلماء أخًا ومحبًا وناصرًا وداعية لا يشق له غبار، ومظهرًا للإيمان وكابتًا للباطل، قويًا في إحقاق الحق بالحجج والبراهين ومدحرًا للملحدين الضالين ما جادله زنديق إلا أجهز الشيخ عليه، ولا تطاول فاسق ببدعة إلا قرعه بصاعقة من صواعق العلم، أو بقذيفة من مدافع الشريعة، رحمك الله رحمة واسعة أيها الشيخ الجليل، ففقدك خسارة للإسلام والعلم والدعوة وللمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقد كنت شهابًا في سمائهم وقمرًا في ليلهم وشمسًا في نهارهم، وضياء للعلم والحقيقة.
انظروا كيف تحمد الأنوار *** انظروا كيف تسقط الأقمار
انظروا هكذا تزول الرواسي *** هكذا في الثرى تغيض البحار
نعم لقد كان الشيخ رحمه الله شيئًا كبيرًا في أدبه وعلمه وحياته ومنهجه عرفته - رحمه الله قبل أن يعرفه جمهوره، وخالطني وخالطته قبل أن تطير شهرته وخبرت نفسه وفكره، وسبرت غوره وتوجهه كان - رحمه الله - محبًا للحركة الإسلامية الأم، ولكنه رأى من الضغوط والإرهاب ما جعله يختط طريقًا مكملًا، وسبيلًا معضدًا. وهو القيادة بالتربية والتثبيت، ومواجهة التشكيك والإلحاد والتغريب بالحجة والمنطق، واستنطاق ايات الذكر الحكيم واستخراج ما فيها من دلالات مبهرة ومعجزات ماهرة، وإشارات ساحرة، تفتح آفاق الخاصة والعامة، وتحرك قلوب السادة والجماهير، في عصر قهرت فيه كلمة الحق وساد فيه العدوان والبغي، وكعمت الأفواه وقطعت الألسن، ولما نوقش - رحمه الله - في ذلك قال: دعوني وما أحسنه. وكلنا على الطريق، وكان بريد - رحمه الله - إنقاذ ما يمكن إنقاذه في عصر توجهت أقلام كثير من المرتزقة إلى خدمة المشروع الثقافي الغربي، وساعدهم على هذا القوى الخارجية والداخلية على حد سواء، ولكنه - رحمه الله - مع كل هذا قد نجح نجاحًا ملحوظًا في ربط المسلم بدينه وإظهاره الإسلام كبديل عن تلك الأفكار الشاردة، وأشهد أنه قد استطاع بمنهجه هذا ربط الجماهير به وبدروسه وخواطره ربطًا فريدًا، واستطاع فتح الإعلام المتغرب الذي يريد تهميش الهوية الإسلامية فتحًا مبينًا أمام دروسه في تفسير القرآن الكريم، ففتحت أمامه الإذاعات والتلفازات بضغط الجماهير، وخوف السلطات من مصادرة تفسير القرآن الكريم الذي يغزو به الشيخ جميع القلوب، ولقد كان الشيخ مبهرًا حقًا في ذلك، وما استطاع أحد أن يقوم بالدور الذي قام به، عوضنا الله عنه خيرًا، ورحم الله الشيخ الجليل رحمة واسعة، واسكنه فسيح جنانه....آمين آمين .
د. توفيق الواعي