; العبر والفوائد التربوية من «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» طبقات المالكية سحنون التنوخي | مجلة المجتمع

العنوان العبر والفوائد التربوية من «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» طبقات المالكية سحنون التنوخي

الكاتب د. يوسف السند

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2021

مشاهدات 78

نشر في العدد 2155

نشر في الصفحة 19

السبت 01-مايو-2021

مقال

أبو سعيد سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي، صليبة من العرب، أصله شامي من حمص، وقدم أبوه سعيد في جند حمص.

قال محمد ابنه: قلت: يا أبت، أنحن صليبة من تنوخ؟ فقال لي: وما تحتاج إلى ذلك؟ فلم أزل به حتى قال لي: نعم، وما يغني عنك ذلك من الله شيئاً إن لم تتقه.

و»سحنون» لقب له، واسمه عبدالسلام.

طلبه للعلم ومكانته:

أخذ سحنون العلم بالقيروان عن مشايخها: أبي خارجة، وبهلول، وعلي بن زياد، وابن أبي حسام، وابن غانم، وابن أشرس، وابن أبي كريمة..

قال محمد بن أحمد بن تميم: كان سحنون ثقة، حافظاً للعلم، فقيه البدن، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة، وكان لا يقبل من السلاطين شيئاً، وربما وصل أصحابه بثلاثين ديناراً أو نحوها، ومناقبه كثيرة.

قال أبو بكر المالكي: وكان مع هذا رقيق القلب، عزير الدمعة، ظاهر الخشوع، متواضعاً، قليل التصنع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر، شديداً على أهل البدع، لا يخاف في الله لومة لائم، انتشرت إمامته في المشرق والمغرب، وسلم له الإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه.

ومناقبه كثيرة، قد ألف فيها أبو العرب التميمي كتاباً مفرداً.

قال عيسى بن مسكين: سحنون راهب هذه الأمة، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون.

وقال بعضهم: دخلت على الملوك وكلمتهم، فما رأيت أحداً أهيب في قلبي من سحنون.

قال الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب، وعلى قوله المعول به، وصنف المدونة، وعليها يعتمد أهل القيروان، وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك، وعنه انتشر علم مالك في المغرب.

قال أبو علي البصري: سحنون فقيه أهل زمانه، وشيخ عصره، وعالم وقته.

وقال ابن حارث: سحنون إمام الناس في علم مالك، وكان فاضلاً، عدلاً مباركاً، أظهر السُّنة، وأخمد البدعة، وثقف رسوم القضاء بعقله وعلمه.

ذكر ولايته القضاء وسيرته:

ولي سحنون قضاء أفريقية سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة، فلم يزل قاضياً إلى أن مات.

قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ولِّ هذه الأمة خيرها وأعدلها؛ فكان هو الذي ولي بعده.

ولما أراد محمد بن الأغلب أن يولي سحنون، جمع الفقهاء للمشورة، فأشار سحنون بسليمان بن عمران، وأشار سليمان بسحنون، وأشار غيرهما بسليمان.

قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون، تلقاه الناس، فرأيته راكباً على دابة، ما عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، فسار حتى على ابنته خديجة، وكانت من خيار النساء، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين، فعلم الناس قبوله للقضاء.

قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان في قضائه كله، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب.

قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يلِ قضاء أفريقية مثله.

قال سعيد بن إسحاق: كل من ولي قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون.

ذكر بقايا فضائل سحنون:

قال ابن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بورك لسحنون في أصحابه، إنهم في كل بلد أئمة.

وحكى ابن اللباد أن سحنون قال لابنه محمد: يا بني، سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة، وسلم على عدوك، وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس.

قال حبيب: كان سحنون يتمثل بهذه الأبيات:

كل شيء قد أراه نكراً

غير ركز الرمح في ظل الفرس

وقيام في حناديس الدجى

حارساً للقوم في أقصى الحرس

وكان سحنون يقول: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه العلم(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- إجابة الوالد على سؤال ولده وتزويد الولد بالموعظة والفائدة مع الإجابة.

- احترام العلماء وتوقيرهم أصل وواجب.

- العلماء المبرزون طلبوا العلم منذ شبابهم وبداية فهمهم ومعرفتهم للحياة.

- الناس يتأثرون بصمت العالم كما يستفيدون من علمه.

- أصحاب العالم وجلساؤه يرثون خلقه وسمته وجميل صفاته كما يرثون علمه وفقهه.

- العالم يحيي الأمة بعلمه وغرسه وتربيته للناس.

- الأمة تحتاج للعالم الرباني الذي يجمعها ويؤلف بين أفرادها ويوجه أجيالها.

- خوف العلماء الصادقين ورهبتهم من القضاء.

- العالم الرباني غزير الدمعة عند سماعه القرآن أو العلم لأنه يخشى الله تعالى.

- شوق العلماء للجهاد والحراسة في سبيل الله تعالى وقيام الليل لدليل على إخلاصهم وصدقهم مع الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين. 

الهامش

(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف: القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، المتوفى سنة 544هـ، الجزء الرابع، تحقيق: عبدالقادر الصّحراوي.

الرابط المختصر :