العنوان الشكر نصف الإيمان (2 من 4)
الكاتب حجازي إبراهيم
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 56
السبت 12-أكتوبر-2002
شكر الله سبب للزيادة، وقهر للشيطان
شكر النعمة بالبذل منها، وهو حق الله على عباده بلا شروط
أنواعه كثيرة… وأفضلها شكر العمل
تحدثنا في العدد الماضي عن معنى الشكر، وعرفنا أنه نصف الإيمان، وأن الحق -جل وعلا- شاكر لخلقه سعيهم، كما تحدثنا عن نعمتي الإيجاد والإمداد وشكرهما، وعرفنا أن أشكر الناس أقنعهم وأرضاهم بما قسم الله، وأن المؤمنين سيكونون أشد شكرًا لله -تعالى- يوم القيامة، ونواصل حديثنا في هذا العدد فنقول:
الشكر حق لله -تعالى- على عباده أجمعين، وحاجة العبد إلى الشكر ماسة، والله -عز وجل- ليس في حاجة إلى الشكر، بل إنه غني عن عباده أجمعين، ﴿فَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّيْ غَنِّيٌ كَرِيْمٌ﴾ (سورة النمل: 40). وليس أدل على اهتمام الإسلام والقرآن بالشكر من وروده في كتاب الله -تعالى- في أكثر من (70) موضعًا، بعضها في سياق الأمر به، وبعضها في بيان جزائه، وبعضها في بيان غنى الله عنه، وبعضها في توضيح أنه صفة للأنبياء والصالحين والمؤمنين حقًا، وبعضها في بيان قلة الشاكرين لله تعالى.
ولما كانت نعم الله على الإنسان لا تحصى ولا تعد مصداقًا لقوله -تعالى-: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (سورة إبراهيم: 34)، ولقوله -عز وجل-: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة النحل: 18)، فإن الإنسان يعجز أن يقوم بشكرها، ومن ثم فإن ما يقوم به المسلم إنما هو برهان على صدق نيته في إقراره لله بنعمه، وحرصه على أن يشكر الله عليها بقدر استطاعته، وسوف نضع بين يدي القارئ في هذه السطور أهم معالم الشكر.
شكر اللسان:
إن من الواجب علينا أن نشكر الله دائمًا باللسان الذي عليه في كل صباح ومساء، أن يقر لله بالفضل، ويعترف له بافتقار الخلق جميعًا إلى عطائه وجوده، وهذا ما علمنا إياه الرسول ﷺ، في قوله: "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي، فقد أدى شكر ليلته".
شكر القلب:
ويعني أن يستشعر القلب عظيم نعم الله -تعالى- على عبده، وعلى رأسها نعمة الإسلام، فيردد في خفقاته شكر الله تعالى، ويحس أن صاحبه مهما صنع فلن يستطيع أن يؤدي شكر الله -تعالى- كما ينبغي عليه، ولذا فهو يقول: "اللهم ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك"، ويقول: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
شكر العمل:
والشكر بالعمل قليل من يفعله، وهو ما جاء في قول الله -تعالى-: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سورة سبأ: 13). وروي أن داود -عليه السلام- قال: "كيف أشكرك يا رب، والشكر نعمة منك؟" قال: "الآن قد عرفتني وشكرتني، إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة". قال: "يا رب، فأرني أخفى نعمك علي". قال: "يا داود، تنفس"، فتنفس داود فقال الله -تعالى-: "من هذه النعمة".
وعن ثابت البناني -رضي الله عنه- قال: "بلغنا أن داود -عليه السلام- جزأ الصلاة على نسائه وولده، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي، فعمتهم الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (سورة سبأ: 13)". وعن عطاء بن يسار -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس على المنبر، وقرأ هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، قال: "ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود". قيل: "وما هن يا رسول الله؟" قال: "العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وذكر الله في السر والعلانية".
شكر الجوارح:
وأما شكر الله -عز وجل- على ما أنعم به علينا من جوارح، فقد روي أن أبا حازم جاءه رجل فقال له: "ما شكر العينين؟" قال: "إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًا سترته". قال: "فما شكر الأذنين؟" قال: "إن سمعت خيرًا وعيته، وإن سمعت شرًا أخفيته". قال: "فما شكر اليدين؟" قال: "لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًا لله -عز وجل- هو فيهما". قال: "فما شكر البطن؟" قال: "أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا". قال: "فما شكر الفرج؟" قال: "كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمْنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُوْنَ﴾ (سورة المؤمنون: 6-7)، ". قال: "فما شكر الرجلين؟" قال: "إن رأيت حيًا غبطته عملت بهما عمله، وإن رأيت ميتًا مقتّه كففتها عن عمله، وأنت شاكر لله عز وجل".
فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله كمثل رجل له كساء، فأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر، والبرد، والثلج، والمطر.
الشكر من جنس النعمة:
والشكر يكون من جنس النعمة التي وهبها الله إياك، فمن رزقه الله مالًا فيكون شكره بأداء الحق المعلوم للسائل والمحروم، والإنفاق منه سرًا وعلانية بالليل والنهار، ومن زاده الله أكثر من صلة الأرحام والصدقات الزائدة على حق الزكاة، ومن شكر الله زاده: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7). عن قتادة قال في هذه الآية: "حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم يحب الشاكرين، فاشكروا الله نعمه".
ومن رزقه الله علمًا فشكره بالإنفاق منه بأن يعلم غيره، ويفقه أهله وجاره، ومن رزقه الله جاهًا، فشكره بأن يستعمله في تسيير حاجات الآخرين، وقضاء مصالحهم. ومن أفاض الله عليه إيمانًا راسخًا، ويقينًا ثابتًا، فشكره أن يفيض على الآخرين من إيمانه، وأن يسكب عليهم من يقينه، وذلك بأن يذكرهم بنعم الله وآلآئه، وأن يحيي في قلوبهم الرجاء والخوف والخشية من الله، وأن يثبت في قلوبهم أن الآجال والأرزاق بيد الله، وأن الخلق لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأن من أسماء الله الحسنى أنه المحيي المميت، الرزاق، النافع، الضار، القابض، الباسط.
وبمعنى أعم وأشمل أن يجدد لهم إيمانهم برؤيته وموعظته، وأن يقوي اليقين في أفئدتهم، وفي قوله -تعالى-: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة البقرة: 3)، يقول الإمام البيضاوي: "ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع النعم التي أتاهم الله من النعم الظاهرة والباطنة"، ويؤيده ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "إن علمًا لا يقال به ككنز لا ينفق منه"، وإليه ذهب من قال: "ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون".
ومن رزقه الله الذرية فإن شكرها يكون بأن يغرس في قلبها عقيدة التوحيد من الصغر، وأن ينشئها على طاعة الله عز وجل، وأن يحصنها ويعيذها من الشيطان كما أعاذت امرأة عمران ابنتها حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (سورة آل عمران: 36).
لا تقرن الحمد والشكر بشرط:
والمسلم حين يشكر الله ويحمده، فإنه يحسن الظن بربه، ولا يعلق الشكر والحمد بشرط، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ كان يلقى رجلًا فيقول: "يا فلان كيف أنت؟" فيقول: "بخير أحمد الله". فيقول له النبي ﷺ: "جعلك الله بخير". فلقيه النبي ﷺ ذات يوم فقال: "كيف أنت يا فلان؟" فقال: "بخير إن شكرت". قال: فسكت عنه فقال: "يا نبي الله إنك كنت تسألني فتقول: جعلك الله بخير، وإنك اليوم سكت عني". فقال له: "إني كنت أسألك فتقول بخير أحمد الله، فأقول جعلك الله بخير، وإنك اليوم قلت إن شكرت فشككت فسكت عنك".
شكر النعمة تسخيرها في الطاعة:
لا يكون شكر الله على نعمه إلا بأن نسخرها في طاعة الله ومرضاته، وبأن لا نستعين بها على معصيته. فعن الجنيد قال: "قال السري يومًا ما الشكر؟" فقلت: "الشكر عندي ألا يستعان على المعاصي بشيء من نعمه". وقال ذو النون المصري: "الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال".
ويقول الإمام أبو حامد الغزالي: "إن الناس يظنون أن الشكر أن يقول بلسانه الحمد لله الشكر لله، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عز وجل".
الإقرار لله بنعمه:
إن شعور المسلم بفضل الله ومنته بالنعم، مع يقينه التام بعجزه عن تقديم الشكر لتلك النعم، وأنه إذا شكر فإنما هو عطاء آخر يحتاج إلى الشكر، إن هذا من أعظم الشكر لله عز وجل، ولذلك قيل: الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك أن ترى شكرك بتوفيقه، ويكون ذلك التوفيق من أجل النعم عليك فتشكره على الشكر، ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى.
وعن أبي عمر الشيباني قال: "قال موسى -عليه السلام- يوم الطور: يا رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟" قال: "يا موسى الآن شكرتني". وأنشد الهادي، وهو يأكل:
أنالك رزقه لتقوم فيه بطاعته وتشكر بعض حقه
فلم تشكر النعمة، ولكن قويت على معاصيه برزقه
فغص باللقمة وخنقته العبرة.
وفي الختام نذكر بأن في الشكر قهرًا للشيطان الذي قال مخاطبًا ربه -عز وجل- في تحد ووقاحة: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَن أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سورة الأعراف: 17). ومعلوم أن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، وشكر الناس موضوع حديثنا في العدد المقبل بإذن الله.
الهوامش:
(1) السيوطي، الدر المنثور 5/430.
(۲) الدر المنثور، مرجع سابق ۱/281.
(۳) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 7/228.
(٤) تفسير البيضاوي ۱/122.
(٥) المسند ٢/241.
(٦) الدر المنثور ۱/281.
(۷) الدر المنثور 5/431.
(۸) إحياء علوم الدين 4/129.
(۹) الجامع لأحكام القرآن 10/227.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل