; الشعرية وجذورها في النقد العربي القديم | مجلة المجتمع

العنوان الشعرية وجذورها في النقد العربي القديم

الكاتب علي الغزيوي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993

مشاهدات 278

نشر في العدد 1056

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 06-يوليو-1993


عقدة الدونية تجاه النقد الغربي

كثيرًا ما يعبر بعض أدبائنا عن إحساسهم بالدونية إزاء إنجازات الغرب، لا في مجال المادة وعالم الآلة فحسب، بل في مجال العلوم الإنسانية أيضًا ومن ذلك الأدب ونقده، وما يرتبط بهما من نظريات ومفاهيم ومناهج. والغريب في الأمر أن هذا الإحساس لديهم قد ينتج عنه اتهام لأسلافهم بالتقصير في بعض المجالات وحكم على تراث أمتهم بالنقص، ولذلك ترى فئة من المنبهرين بإنجازات الغرب ومفاهيم «الحداثة» كما يتصورونها، لا يكادون يعثرون على بعض المقولات والنظريات التي تستجيب لنوازعهم هذه حتى يعضوا عليها بالنواجذ، ويغرقوا فيها إلى درجة «الحلول» حسب المصطلح الصوفي، ويسعون إلى ترويجها بكل ما أوتوا من قوة.

 

وهم حداثة مصطلح "الشعرية"

«الشعرية» التي غدت مصطلحًا يلهج به هؤلاء ومن تبعهم في تصوراتهم، وأغلب الظن أن هذا التصور ناتج عما أشاعه بعض حملة الأقلام من الدارسين المحدثين من وهم مفاده: أن البحث في «الشعرية» والتنظير لها من نتائج الفكر الحديث أو المعاصر وحصيلة لمعطياته الأيديولوجية ونظرياته المعرفية. ومرد ذلك عندهم إلى أن ما كتب عن الشعرية العربية خاصة، من قبل دراسين أمثال الدكتور كمال أبو ديب والدكتور أدونيس، لم يظهر إلا بعد الاطلاع على «شعرية» تودوروف وجوليا كريستيفا وباختين. ومن المؤكد أن هذا الوهم ناتج عن انقطاع الصلة بين الماضي والحاضر وجهل قضايا التراث، واعتماد الوسيط في التعامل مع الأدب العربي ونقده.

 

جذور الشعرية في التراث العربي

حين ننبه على أهمية تراثنا فليس على سبيل الفخر والادعاء، ولكن لأن الواقع يؤكد غنى هذا التراث وعالميته. وتعد «الشعرية» نموذجًا حيًا؛ فمن الناحية الاصطلاحية وجدنا كلا من الفارابي وابن سينا وحازم القرطاجني يستعملون مصطلح «الشعرية» استعمالًا صريحًا في نصوصهم، وهم يضمنون هذا المصطلح مفهومًا لا يختلف كثيرًا عن مفهومه في الدراسات الحديثة مع مراعاة الفوارق الزمنية. وأما في مجال التنظير، فهناك مصادر خاضت في الشعرية مثل كتاب «عيار الشعر» لابن طباطبا العلوي، و«السحر والشعر» للسان الدين بن الخطيب، غير أن أرقى ما عرفه النقد العربي القديم هو كتاب «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» لحازم القرطاجني.

 

رؤية حازم القرطاجني لجوهر الشعر

يقدم حازم القرطاجني نموذجًا يتحدث فيه عن سذاجة من يتعاطى الأدب بناءً على تصور ضعيف، مشبهًا إياه بالأعمى الذي يلقط "الحصباء" ظنًا منه أنها "در" لمجرد تساويهما في الملمس، دون إدراك لجوهر الجوهر وشرفه. وكذلك من يظن أن الشعرية مجرد نظم لفظي وتضمين غرض ما على أي صفة، دون اعتبار لقانون أو رسم موضوع. ويظهر من نص القرطاجني أنه يميز بين العناصر الشكلية وبين العناصر الجوهرية، حيث يقرر أن المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة.

 

نحو وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر

إن الحديث عن «الشعرية» اليوم حري بحمل الدارسين على التوجه إلى التراث النقدي العربي للبحث فيه عن جذورها ومقوماتها، من أجل وصل ماضي الخطاب النقدي بحاضره بدل القطيعة التي نعاني منها. ولا ينبغي أن يفهم من هذا أنها دعوة إلى الانغلاق، وإنما هو تنبيه على أنه لا يمكن الانفتاح على الفكر العالمي إلا بعد التسلح بأصول معرفية تتيح الحفاظ على مقومات الشخصية، وبذلك نتجنب الاحتلال الثقافي ونسهم في تحقيق صفة العالمية لأدبنا ونقدنا.

 اقرأ أيضا:

الشعرية بين التراث والحداثة

الرابط المختصر :