; الشعر الإسلامي المعاصر بين الأصالة والحداثة (1) | مجلة المجتمع

العنوان الشعر الإسلامي المعاصر بين الأصالة والحداثة (1)

الكاتب محمد هدى قاطرجي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978

مشاهدات 80

نشر في العدد 406

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-أغسطس-1978

من المؤسف أن يتربع فوق سدة النقد الأدبي في هذا العصر أناس لا يمتون بصلة إلى التراث الأدبي والحضارة الفنية عند العرب، ولعلى لا أجانب الصواب إذا زعمت أن هؤلاء لم يقرأوا التراث الأدبي، بل لا يعرفون شيئًا من ملامح الأدب العربي وأساليب التعبير فيه، لذلك فهم يجهلون البنية التى تقوم عليها الأنواع الأدبية شكلًا ومضمونًا، ومع ذلك كله يكتبون عن التقليدية في الأدب والشِعر، ويحملون خلال ذلك على ما حمله إلينا التراث الزاخر بكل طريف وجميل، ولا أدري سبب وصول هؤلاء، إلى المكانة التي مكنتهم من القول في الأدب، وأعطتهم مجالي تقييمه، بل منحتهم قوة توجيه المسار الأدبي أيضًا، ولعل ذلك راجع إلى أمور كثيرة أراني غنيًا عن ذكرها في هذا المقام، ويبقى أن إنسلاخ هؤلاء عن التراث الأدبي، يعني غياب الأصالة بكل مدلولاتها الأدبية والفنية عن كل ما يكتبونه غيابًا يجعلهم وآراءهم أشلاء تتقاذفها التيارات والمذاهب الأدبية التي لا تمت إلى بيئتنا العربية والإسلامية بأية صِلة، وبالتالي فإن أقلامهم ستخدش كل ما هو أصيل وثابت نابع من شخصيتنا الإسلامية المتميزة.

لقد حاول هؤلاء الذين يسمون أنفسهم نقادًا، أن يبدلوا ويغيروا المقاييس التي تقيم الأدب ولا سيما الشِعر، فطرحوا أولًا كل ما هو قديم من آراء ونظريات  واتجاهات، وطلعوا علينا بتقنيات وفلسفات، وحاولوا فرضها على الفكر النقدي على أنها هي مقاييس تميز جيد الشِعر من رديئه، فكان أن تقيأ الواحد منهم ذاته المحشوة بكل غريب ودخيل، ليصبح بالتالي عثرة في مسار الحركة الأدبية الأصيلة.

وإذا كنا لا ننكر دور أحمد شوقي في ازدهار الحركة الشعرية المعاصرة ونعترف بأثره الفني الكبير فيمن لحقه من الأدباء العرب والإسلاميين، فإن المتربعين على عرش التوجيه الأدبي والنقدي لا يرون في أحمد شوقي شاعرًا أبدًا، بل إنهم لا يرون في دواوينه ما يشير إلى أن ما قاله هو من الشِعر، وقصائده في نظرهم هي الضعيفة المهلهلة، وهو برأيهم نظّام وليس شاعرًا، بل إنه –على حد تعبيرهم- نظّام على الماشي، يقول هؤلاء:- «وليس من شك أننا نستطيع أن نرد الكثير من ظواهر الضعف والهلهلة وعدم التماسك في شِعر أحمد شوقي إلى ظاهرة النظم السريع التي اتصف بها، فقد كان أكثر ما ينظم شِعره وهو ماشٍ أو واقف أو جالس إلى أصحابه».

 وأنا لا أريد أن أعقد بحثي للدفاع عن فن أحمد شوقي الشعري، إلا أنني رغبت إبراز موقف هؤلاء النقاد من شاعر مبدع، له دور وباع طويلة في الحركة الشعرية المعاصرة.

إن نظرة عجلى إلى ما كتبه هؤلاء تكفي الإنسان ليقف على تعصبهم الفني وتحيزهم النقدي لكل ما هو جديد متخل عن ملامح الأدب العربي وسماته الأصيلة، فهم لا يرون الشكل الفني المقبول أولًا وأخيرًا إلا في قصيدة الشِعر الحر القائمة على التفعيلة، ذلك إن طرح الإطار العمودي القديم للقصيدة العربية شرط جوهري لكل قصيدة مقبولة عندهم، وإنني لا أقصد بهذا رفض الشكل الجديد، فشأنه عندنا شأن كل حركة أدبية جديدة، تحمل الغث وتحمل السمين، إلا أن المتربعين على سدة النقد الحديث يطرحون كل قصيدة عمودية خارج أسوار الفن والأدب، وهي تندرج عندهم في باب المنظومات فقط، ولهؤلاء آراء نقدية كثيرة جدًا، استمدوها من هنا وهناك بوعي وبدون وعي، فلقد تطفلوا بجرأة على موائد الآداب الغربية على اختلاف منازعها ومذاهبها، وعلى ما فيها من التناقضات والآراء التي قد تكون وليدة بيئاتهم الخاصة، إلا  أن العابئين جمعوا شتاتًا من الآراء المفردة المتغايرة، وشكلوا من خلالها مفهوماتهم الجديدة للأدب بشكل عام والشِعر بشكل خاص، فتارة يعجبهم سارتر ومواقفه الأدبية والنقدية، وتارة أخرى تجذب أنظارهم رمزية بودلير وبو، ومرة أخرى تعجبهم دعارة فرلين ورامبو، وأخرى تجذبهم واقعية الاشتراكيين وقد يتقمصون شخصيات هؤلاء جميعًا في موقف فني واحد، على الرغم من أن هذه المذاهب اضمحلت وزالت واندثرت ودخلت عالم التاريخ في الغرب، لقد فتن هؤلاء بكل وافد غربي لا يمت إلى حضارتنا وتراثنا العربي الإسلامي بصلة، ولعلي لا أكون بعيدًا عن الحقيقة إذا اتهمت حركة هؤلاء بأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسيرة الحركة الداعية إلى تحطيم التراث والعربية والضرب على المعالم القديمة لكل ما يندرج في فن الكتابة والأدب.

إن موقفنا من هؤلاء النقاد والأدباء، لا يعني أننا نرفض الحداثة ومعالمها التي برزت في الأدب الإسلامي بخاصة، فالجمال يوجد في الحديث كما يوجد في التقليدي القديم وليست الجمالية حكرًا لمذهب واحد أو اتجاه أو طريقة معينة، والدارس يستطيع أن يقف على كثير من النصوص الشعرية الإسلامية الطيبة التي أفادت من القديم والحديث بآن واحد، بيد أن تلونها بالحداثة والجدة في الشكل والمضمون لم يلزمها بطرح القيم الفنية التقليدية جانبًا، وهذا شأن كبار الشعراء المسلمين في وقتنا الحاضر، فالشاعر الإسلامي محمد الحسناوي أتحف مكتبة الشعر الإسلامي بديوان كامل من الشِعر الحديث، اسمه في غياب الجب- وإذا كان الديوان من الشِعر الحديث فإنه لم يتخل أبدًا عن الأصول الحضارية للفن الشعري الأصيل، وقارئ الديوان سيقف دون ريب على وجدان عربي إسلامي أصيل، ورؤية فنية قادرة على استيعاب الأداء القديم والحديث، وتناسق مع الزمن والبيئة والتاريخ والحضارة، كما سيقف على أصالة الصورة وتناسق البناء بأشكاله وألوانه وسوف يحس المتلقي سلاسة الأسلوب وعذوبة اللفظ وحلاوة الجرس، كما سوف يستشعر تناسقًا وجدانيًا من شأنه أن يوجد بين مكونات القطعة أو العقيدة، وسوف لن تخفى على الدارس لهذا الديوان المظاهر الفنية الكثيرة التي تشير إلى ارتباط الحسناوي بتراث أمته وأصالة ذلك التراث في إحساسه وتمكنه من وجدانه وأمام هذه الرؤية الموحدة بين الأصالة والحداثة، نجد للحسناوي ديوانين آخرين –عودة الغائب- وملحمة النور- حملا قصائدهما وفق الأسس العمودية للعَروض العربي، ومع ذلك فإن الدارس لم يجد فيهما الحداثة، شكلًا ومضمونًا، فكلاهما اتسم بجودة الأداء، وحسن التعبير وروعة الصورة، بحيث يقف على جمالية قديمة جديدة، جمالية تستمد قيمتها من التراث والطابع الحديث، لهذا فإننا نذهب إلى أن الجمالية عند الشعراء الإسلاميين ليست حكرًا لمذهب معين، وإنما يمكن أن تتواجد هنا وهناك على أساس متوازن بين الأصالة والحداثة.

ومن أبرز الشعراء الإسلاميين الذين جددوا في الشكل والمضمون ضمن القصيدة العمودية -عبدالله عيسى السلامة- في ديوانه -الظل والحرور- الذي صدر عن المكتبة العربية في حلب 1975، ويحتوي ديوان السلامة هذا على قصائد جميلة الشكل والمحتوى، حديثة الأداء والتركيب، طريقة الصور والخيال.. والشاعر لم يتخل عن الشكل العمودي  للقصيدة العربية في كل قصائد ديوانه، ومع ذلك فإن الدارس يقف على الفكرة الجديدة، واللحمة الطريفة، والبناء العضوي المتماسك والرمز المتناسق في الشكل والمضمون ومع المصورة والمعنى، كما يلمس الدارس امتياز الصورة الحية النابضة المتحركة الملونة، وتبرز في الديوان مسألة الوحدة بين الشكل والمضمون والأحاسيس بشكل ملفت للنظر ضمن ارتباط الشاعر الوثيق بتراث أمته الفني العريق.

وإذا وقفنا بين يدي قصيدته –مأساة نحلة- فإننا سنقف أمام السمات الجمالية للشِعر  الإسلامي المعاصر، والعقيدة هذه ليست قصة النحلة أو حكاية تلك المخلوقة الصغيرة، وإنما هي قصة كل ذي مأساة، وحكاية كل من يئن من بني البشر تحت وطأة الظلم والقهر، وتبرز في هذه القصيدة –وفي غيرها من قصائد هذا الديوان- رمزية شفافة لطيفة هي أقرب إلى الحداثة والتجديد، ويأتي بروز هذه الرمزية فلا يظن المتلقي أمام رمز ورموز بحيث يكون كل منهما منفصلًا عن الآخر

يقول الشاعر في قصيدته هذه:

يا جاني الشهدِ هل عاينتَ حِرماني

                                    وهل تحسست أفراحي وأحزاني

وهل تأملت جسمي وهو منقبض

                                   للريح، يحميه جرح متعب وان

في غدوتي ذات يوم والمنى عبث

                                   والفجر يبعث روح الكوكب الفاني

وألسن الطير لا تنفك صامتة

                                وليس في الكون لحن غير ألحاني

والريح تنفخ من حولي فترفعني

                                حينًا وتهوى بجسمي بعض أحيان

أضالعي بين فكيها معلقة

                               والعين ترقب فيها موتي الداني

كدأبها كلما زفت إلى بلد

                              ميت سحابًا، أماتتني وأحياني

فإن تلاشى عويل الريح بأذهني

                            دمع السحاب بحرب دون إيذان

ما أرحب الليل إن دب الضعيف به

                           وأطول الدرب في عين الوجى العاني

إننا نقف في هذا المقطع الشاعري الجميل على مكونات الرؤية الجمالية لدى الشاعر، فالأبيات أولًا قطعة واحدة متجانسة متناسقة لا أثر للثنائية فيها، والمقطع كله محمول بصورة واحدة متناسقة تصب في مجرى الرمز دون نتوء أو اعوجاج أو شذوذ ومجموعة الصور التي تؤلف الرمز تشف من خلال النحلة عن مأساة الشاعر بين بني قومه، وتشف أيضًا عن المعاناة التي أراد السلامة أن يصوغها شِعرًا في أبياته، وإذا كان الغموض يحول دون اكتشاف ما وراء الرمزية في البيت المفرد، فإن من شأن تكامل النسق الشعري يزيح الضبابية التي قد تلوح في بعض الأبيات.

على أن أبرز سمات الحداثة التي لا تتعارض والأصالة في هذا الديوان، ظاهرة الوحدة العضوية التي تنتظم أبيات كل قصيدة، والتي توحد بين الوجدان والأحاسيس وهي تصب في نسق متوحد من الشكل والمضمون.

إن التجديد الذي يعتبر سمة العصر لم يخرج الشاعر الإسلامي عن أصالته، ولم يمنعه من الاتكاء على تراثه، ولم يحرم عليه المحافظة على شكل القصيدة العمودية، كما أن ذلك كله لم يمنعه من أن يطبع شِعره ببصمات الحداثة المتناسقة مع وجدانه وبيئته، ولنا في العدد القادم حديث متصل إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1979

الثلاثاء 30-يونيو-1970

مع القراء- العدد 16

نشر في العدد 242

99

الثلاثاء 25-مارس-1975

تمثال الحرية