; الشعب اليمني في عدن يدفع الثمن | مجلة المجتمع

العنوان الشعب اليمني في عدن يدفع الثمن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986

مشاهدات 72

نشر في العدد 751

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 21-يناير-1986

• الصراع المحتدم في عدن هو صراع داخل الحزب الواحد وداخل الفكر الواحد

• الاتحاد السوفييتي بدأ يميل للتعامل مع الأنظمة أكثر من التعامل مع الأحزاب الشيوعية واليسارية

تطور الصراع داخل أجنحة الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إلى حد النزاع المسلح منذ يوم الأحد من الأسبوع الماضي، وصفه بيان صادر من المكتب السياسي قائلًا: «إن عناصر التكتل اليميني الانتهازي شرعت في تنفيذ خطتها الانقلابية ضد الشرعية الدستورية بمحاولة اغتيال علي ناصر محمد»، وأضاف البيان أن لجنة خاصة قامت بمحاكمة العناصر التي قادت الانقلاب وقد تم تنفيذ حكم الإعدام في الأشخاص التالية أسماؤهم: علي أحمد ناصر عنتر، نائب رئيس مجلس الوزراء حتى بداية العام الحالي، عبد الفتاح إسماعيل رئيس الجمهورية السابق، علي سالم البيض، نائب رئيس الوزراء وزير الحكم المحلي، علي هادي، رئيس لجنة الرقابة العليا بالحزب الاشتراكي اليمني. 

لكن البيان لم يوضح: كيف بدأت المحاولة الانقلابية؟ ولماذا؟ ومنذ ذلك اليوم توقفت الإذاعة الرسمية عن البث وانقطعت عدن عن العالم بسبب الصراع الدموي الذي تطور في أعقاب ذلك.

أخبار متضاربة:

وبالرغم من انقطاع الاتصالات بعدن إلا أن سيلًا من الأخبار ظلت تتناقله وسائل الإعلام العالمية والعربية حول تطور الصراع ترجع معظم مصادره إلى السفن الأجنبية التي ترسو قبالة السواحل العدنية، بالإضافة إلى بعض المصادر المطلعة أو التي لها صلة خاصة بأطراف النزاع في عدن .

وبالرغم من عدم وضوح الرؤية، وتضارب الأنباء من جهة أو عدم وضوحها من جهة أخرى بالإضافة إلى تباين مصادر الأخبار نفسها، فإنه في ضوء انقطاع الصلة الخارجية بعدن ينبغي التحفظ على جميع الأخبار والتحليلات حول الصراع في عدن.

تطور الصراع:

وإذا كانت معرفة تطور الصراع بدقة لا تزال صعبة، إلا أن صورة ما قد اتضحت مما أجمعت عليه مصادر الأخبار المختلفة. 

تقول المصادر المختلفة أن بداية الصراع الدموي حصل بسبب شجار جرى في مطار عدن بين علي سالم البيض والرئيس علي ناصر محمد، رفع فيه البيض السلاح على الرئيس، لكن الحرس منعوه بحسب رواية صحيفة الشرق الأوسط، وفي رواية وزير الصحة اليمني عبد الله باكير أن الصراع بدأ في اجتماع للمكتب السياسي عندما رفع علي عنتر مسدسه في محاولة لقتل علي ناصر محمد الذي ثبت أنه أصيب في ذراعه وبدا ذلك فيما بعد عندما ظهر علي ناصر على شاشة التلفزيون يوم الأربعاء الماضي وهذا ما يؤكد صحة هذه الرواية، خاصة وأنها نقلت عن مصادر عربية حزبية ذات علاقة وثيقة بأطراف الصراع.

ومع أن المصادر الموالية لعلي ناصر محمد تؤكد إعدام أو مقتل الأربعة إلا أن مصادر القوى المناوئة ومصادر عربية وأجنبية أخرى تشكك في صحة هذه الأنباء، وما زالت المصادر الأجنبية تتناول الخبر بحذر واضح.

معارك عنيفة:

وفيما يتعلق بالصراع فإن المصادر المختلفة تقول أن معارك عنيفة دارت ولا تزال تدور في العاصمة عدن وما حولها، وأن المعارك استخدمت فيها المدافع والدبابات والطيران، ويستفاد من مختلف الروايات أن قوات البحرية والمليشيا تقف إلى جانب الرئيس علي ناصر، فيما قوات الجيش والطيران منقسمة على نفسها، وتقول المصادر أن قوات المناوئين حشدت حشودات قبلية من الضالع والقوالع ولحج وغيرها، وأنها بصدد التوجه إلى عدن، وفي وسط هذه الأنباء تقول المصادر الموالية أن وزير الدفاع صالح مصلح قد قتل يوم الأربعاء في الهجوم على عدن، وأن القوات الموالية للرئيس آخذة في السيطرة على الوضع شيئًا فشيئًا، ويستشهدون لذلك يرسو سفينة فرنسية في ميناء عدن لترحيل الرعايا الفرنسيين وبعض الأجانب الآخرين، وكذلك مبادرة بريطانيا مساء الجمعة الماضي إلى ترحيل رعاياها، وتبقى المقاومة الرئيسية بحسب المصادر الرسمية هي القوات القبلية الموالية لعلي عنتر في منطقة لحج .

لكن مصادر عربية وأجنبية تقول بأن الوضع لا يزال غير مستقر وغير واضح، وهذا ما أكده أول بيان رسمي سوفياتي حول أحداث عدن مساء الجمعة الماضي حيث وصف الوضع بالتردي وعدم الوضوح وتأكد برغبة السوفيات بنقل رعاياهم، وفي اجتماع بين المسؤولين السوفيات وحيدر العطاس رئيس الوزراء اليمني ووزير خارجيته أكد السوفيات حرصهم على وقف إطلاق النار وتسوية المشكلات التي تفجرت بالوسائل السلمية في إطار مؤسسات الحزب والدولة في اليمن الديمقراطية.

وكانت وكالة تاس قد وصفت الانقلابيين بأنهم «عناصر الثورة المضادة» أما معلق تلفزيون موسكو الذي بث فيلمًا عن أحداث عدن فقد وصف جماعة عنتر- إسماعيل «بالمجموعة التي وقفت ضد النظام الشعبي الديمقراطي في اليمن».

وإذا كانت صورة الأحداث الدامية مازالت غير واضحة، ويتوقع لها أن تسوء في ضوء المعلومات المتوافرة، فإن ذلك لا يمنع من إلقاء الضوء على خلفيات وأسباب هذا الصراع، فهل هو صراع حزبي بين مجموعات متصارعة متباينة عسكريًّا وسياسيًّا، أم أنه صراع على السلطة، أم صراع دولي في صورة تنافس حزبي؟

خلفيات الصراع:

المواقف السياسية للقوى الإقليمية والدولية لم تتضح حتى الآن، وإن كان الإعلام العربي بشكل عام يبدو متعاطفًا مع الرئيس علي ناصر محمد، فالاتحاد السوفياتي أكثر القوى الدولية المعنية بأحداث عدن لم يعلن عن رأيه بصراحة، ولكن يفهم مما صدر عن المسؤولين من بيانات أو تصريحات أنه يريد تهدئة الوضع ووقف القتال وإبقاء سلطة الرئيس علي ناصر محمد، لكن هذا الموقف لا يزال يحتاج إلى مزيد من التجلية والوضوح .

موقف أثيوبيا ربما هو الموقف الوحيد الذي عبر بوضوح عن وقوف هيلامريام إلى جانب علي ناصر محمد يوم الجمعة الماضي. 

مراقبون أجانب في موسكو حاولوا إلقاء ضوء على طبيعة الصراع بقولهم أن الرئيس علي ناصر محمد اتبع سياسة مرنة مع الأقطار العربية المجاورة، وأنه ليس حريصًا على العلاقة مع موسكو ومعروف أن المناوئين له خاصة عبد الفتاح إسماعيل من الماركسيين العقائديين والداعين إلى التشدد في تطبيق المنهج الاشتراكي في اليمن، والتشدد في موقف الحكومة مع الدول المجاورة وبسبب هذا التشدد، اضطر عام ١٩٨٠ للتنازل عن السلطة وأمانة الحزب لعلي ناصر بضغط شديد من حليفه اليوم على عنتر.. وتشدده هذا كان دافعًا من قبل للإطاحة برفيق دربه سالم ربيع علي الصيني النزعة الذي حاول أن ينتهج سياسة مستقلة ومرنة إلى حد ما مع الدول المجاورة. 

وهذا يقودنا إلى خلفيات هذا الصراع؛ ومتى تفجر؟

يقول مراقبون مطلعون أن خلفيات الصراع داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في عدن تعود إلى الوراء بعيدًا لعام ١٩٦٩ حيث أطيح بحكومة قحطان الشعبي الذي يمثل اليمين في الجبهة القومية لصالح الجناح اليساري، ومنذ ذلك الحين احتكر اليسار الحكم في عدن ولم يبق له معارضة لا قومية ولا إسلامية، وبسبب النهج الماركسي اللينيني اتصل الصراع ليصير بين قوى اليسار نفسه، ومع تأسيس الحزب الاشتراكي على أسس الماركسية اللينينية كما أثار مؤسسه عبد الفتاح إسماعيل، فإن الصراع انتقل إلى داخل هذا الحزب.

ومع أن الصراع بدأ في وقت مبكر في أوائل السبعينيات، إلا أنه لم يظهر بشكل جلي إلا في عام ۱۹۷۸ عندما قام الطيران السوفياتي بقصف مقر سالم ربيع علي وأعدم يوم 28/ 6، وفي أول يوليو انتخب علي ناصر محمد رئيسًا للدولة بصورة مؤقتة يعاونه عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للجبهة القومية ومحمد صالح مطيع الذي قتل فيما بعد، وعلي عنتر وزير الدفاع وعبد الرزاق باذيب الشيوعي، وفي أكتوبر من نفس العام فاز الحزب الاشتراكي الذي أسسه عبد الفتاح إسماعيل وفي ديسمبر أصبح إسماعيل رئيسًا للجمهورية. 

واستمر الصراع فيما بعد بين عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد الذي انتهى كما أسلفنا لصالح علي ناصر محمد، حيث أصبح الأخير رئيسًا للدولة ولرئيس مجلس الوزراء وأمينًا عامًا للحزب، وقد توجه عبد الفتاح إسماعيل على أثرها إلى موسكو التي ظل فيها حتى أكتوبر ١٩٨٤، ويعلل بعض المراقبين قبول السوفيات بذلك حيث إن إسماعيل هو رجلهم الأقوى في اليمن، إن تلك المرحلة كانت تتطلب مرونة سياسية مع الدول المجاورة لم يكن إسماعيل يتمتع بها كعلي ناصر، ويلاحظ أنه خلال هذه الفترة قد تم إصلاح علاقة عدن بعمان واليمن الشمالي والعربية السعودية ولا تزال هذه العلاقات في تحسن .

وتجمع المعلومات أن علي ناصر محمد هو الذي كان يحرص خلال السنوات السابقة على الاتصال بعبد الفتاح إسماعيل وأنه كان له دور كبير في عودته لعدن، وإذا صحت هذه الأخبار فإن تساؤلًا يطرح نفسه وهو: لماذا يعمل علي ناصر محمد على إرجاع عبد الفتاح إسماعيل وهو خصمه السياسي؟ 

تجيب على ذلك بعض قوى المعارضة للحكم العدني بأن علي ناصر محمد لم يكن له ضلع بتنحية عبد الفتاح إسماعيل وإنما كان الضلع الأكبر لعلي عنتر، وبما أن علي عنتر رجل صدامي وأصبح يشكل خطرًا على نفوذ علي ناصر المتزايد في الأوساط الحزبية والرسمية، فإنه أراد بعودة عبد الفتاح إسماعيل إحداث توازن مع قوة ونفوذ علي عنتر، لكن هذا التحليل على بعض الوجاهة التي فيه لا يجيب من سر تحالف إسماعيل- عنتر ضد علي ناصر !!

توازن القوى:

وهنا تقول بعض المصادر اليمنية المطلعة أن موضوع توازن القوى داخل الحزب الاشتراكي في لجنته المركزية ومكتبه السياسي وكما تم في المؤتمر الثاني للحزب في أكتوبر من العام الماضي، إنما كان بتدبير سوفياتي، بل تقول هذه المصادر أن المؤتمر كان معرضًا للفشل في الانعقاد بسبب الصراع الحاد بين الأجنحة المختلفة، ولم يتيسر ذلك إلا بعد اجتماع علي ناصر محمد مع السفير الروسي في عدن حيث تلقى منه تعليمات سوفياتية بضرورة تسوية الخلافات بصورة مرضية للجميع، وهذا ما حصل بالفعل، فمع أن الانتخابات المحلية لم تكتمل، ومع أن كثيرًا من المجموعات المعارضة لم تنجح في الانتخابات المحلية كعبد الفتاح إسماعيل نفسه وبعض مؤيديه إلا أن المؤتمر انعقد وتم توسيع اللجنة المركزية والمكتب السياسي ليرضي جميع المجموعات المتصارعة. 

فقد قرر المؤتمر أن يكون أعضاء اللجنة المركزية عضوًا أساسيًّا والاحتياطيون 32عضوًا، وكان من قبل ٤٧ عضوًا أساسيًّا و«۱۱» عضوًا احتياطيًّا، كما تكون المكتب السياسي الجديد من ١٥ عضوًا وواحد مرشح .

وقد أضيف للمكتب السياسي الجديد ثلاثة أعضاء هم: عبد الفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض، وأحمد مساعد حسين، وضمت اللجنة المركزية من أنصار إسماعيل كلًا من محمود عشيش، ومحسن الثرجبي، ومن مجموعة سالمين علي صالح عباد، عبد الله البار، محمد حيدر وحسدس، وهؤلاء أسقطوا عام ١٩٨٠ من قبل علي ناصر محمد. 

وقد كانت عودة عبد الفتاح إسماعيل قوية إلى الحد الذي أزعجته، الأمر الذي جعله يعيد مجموعة سالم ربيع علي ليضمن توازنه مع قوة إسماعيل.

وبعد المؤتمر ظل الصراع محتدمًا ولكن في السر بين ست مجموعات هي :

  1. مجموعة علي ناصر محمد
  2. مجموعة عبد الفتاح إسماعيل
  3. مجموعة علي عنتر
  4. مجموعة الشيوعيين «باذيب ورفاقه»
  5. مجموعة حزب الطليعة الشعبية «يحيى أنيس ورفاقه»
  6. مجموعة سالم ربيع علي .

وبهذه التسويات يكون الصراع العاجل قد تحول ليدور بين إسماعيل ومحمد خلافًا لما كان يتوقع الأخير، ويبدو أن تحالفات قد حصلت بين إسماعيل- عنتر من جهة ضد علي ناصر محمد- مجموعة سالم ربيع علي من جهة ثانية. 

وجدير بالذكر أن رئيس الوزراء حيدر العطاس كان قد تم فرضه من قبل إسماعيل على الرئيس علي ناصر محمد الذي كان حتى إبريل ٨٥ يحتفظ بمنصب رئيس الوزراء إلى جانب الرئاسة.

الفكر الخرب:

وهكذا إذن فإن الصراع المحتدم في عدن هو صراع داخل الحزب الواحد وداخل الفكر الواحد، وإن كانت هناك عناصر قبلية أو معتدلة إن صح التعبير ترى ضرورة الانفتاح بمرونة على الدول المجاورة ودول العالم، وإذا صدقت تحليلات المعارضة اليمنية يبدو أن موقف السوفيات يؤكدها، فإن السوفيات يقصدون من وراء فرض التسويات داخل الحزب الاشتراكي منع أية مجموعة من استخدام السلاح لوضع حد للصراع خشية على التجربة العدنية، وإبقاء على النظام اشتراكيًّا مواليًّا، خاصة وأن الاتحاد السوفياتي بدأ يميل للتعامل مع الأنظمة أكثر من التعامل مع الأحزاب الشيوعية واليسارية، وتشير الدلائل إلى أن الاتحاد السوفياتي طبقًا لمعايير السياسة الدولية غير حريص على التدخل في أحداث اليمن بشكل مباشر، ولذلك حذر من التدخل الأجنبي بعدن، كما أنه حريص على إقامة علاقات متوازنة مع الدول الموالية له والدول الموالية لأمريكا خاصة وأن العملاقين يمران في اختبار نوايا نحو انفراج العلاقة بينهما، وفي هذا السياق نفهم توسط السفارة السوفياتية في عدن بين الأطراف المتنازعة وتطوع كل القوى الحليفة للقيام بهذه المهمة كجورج حبش ونايف حواتمة وقادة الأحزاب الشيوعية العربية .

والصراع الدائر في عدن على أية حال إنما يتم على حساب الشعب اليمني الجنوبي المسلم فهو المتضرر أولًا وأخيرًا من هذا الصراع، وإن كان هذا الصراع أخذ يلفت الانتباه إلى حقيقة زيف العقيدة الماركسية، وعدم جدوى الارتقاء في الحضن السوفياتي، الذي لا يقل كيدًا وضرًّا عن الحضن الأميركي.

فهل يدرك اليمنيون الأمر فيعودوا إلى فطرتهم السليمة، ويتوحدون على الإسلام فكرة وعقيدة ومنهاجًا؟ ذلك ما نرجوه ونسأل الله أن يحفظ شعب اليمن من شرور المعتدين وكيد الضالين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 68

119

الثلاثاء 13-يوليو-1971

منوعات (العدد 68)

نشر في العدد 69

156

الثلاثاء 20-يوليو-1971

لماذا التزمتم الصّمت.. هنا؟

نشر في العدد 72

123

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

جنون المخدرات يشمل الأطفال!!