العنوان الشاعر المسلم.. بين مقارعة الطاغوت وتحرير الأرض المحتلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1979
مشاهدات 60
نشر في العدد 428
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 16-يناير-1979
الشاعر الإسلامي يختلف عن شعراء الاتجاهات الأخرى بمشاعره وأحاسيسه ومواقفه من الأحداث وتفاعله بالمحيط البشري الاجتماعي والسياسي الذي يعايشه الإنسان في هذا العصر، أمته هي حياته وحياته في أمته، وإذا تفرعت مدارس الأدب والشعر في هذا العصر، فإن الشاعر المسلم تميز بالتزامه بقضايا أمته، فعندما عزلت المدارس الأوربية التي تسربت إلى دنيا العربية الأدب والشعر عن الواقع، فنادت بتجريده عن القيم الاجتماعية والاتجاهات الحياتية الأخرى، أصر الأديب المسلم بعامة على لصوقه الأدبي بأحداث أمته، بحيث يأخذ هذا اللصوق شكلًا عقديًا نابعًا من الالتزام الديني الذي يتناسب وتعاليم الإسلام، ومن هنا لم يكن نتاجه الأدبي ذاتيًا أو فرديًا شأن كثير من المذاهب الأدبية السائدة، وإذا كان هناك من نادي بالتزام ما، فإن الشعراء الإسلاميين يملكون رصيدًا تاريخيًا كبيرًا من الاتجاهات الشعرية الملتزمة، فمنذ أيام الدعوة الأولى والشاعر المسلم ينافح عن معتقده الذي يعيش من أجله، فهو يعتقد أن الالتزام بقضايا الأمة واجب ديني تركه جريمة لا تغتفر، وعليه أن يحمل عبء مجتمعه دونما تردد أو فتور، ولعل الأستاذ محمد الحسناوي عبر عن هذا المفهوم الملتزم منذ نعومة أظفاره الشعرية حيث قال:
أنا مجرم كالآخرين إذا تملكني الفتور ** أنا حامل عبء الجميع فكيف أتركه يغور.
ومن أجل هذا نرى الشاعر المسلم يرتدي لباس الجندي ويحمل سلاحه ويترنم بألحان رصاصه، وهو يود لو حشا رشاشه أو مدفعه بخزائن النيران المختزنة في صدره على حد تعبير الأستاذ محمد أحمد الصديق الذي يقول في قصيدته أنشودة الفداء:
لا شيء يطربني ويشجي مسمعي ** کأزیز رشاشي وصولة مدفعي
من غرفتي أحشو القذيفة من لظى ** روحي أعبئ نارها من أضلعي
إذًا هناك مهمة في هذه الحياة تضع الشاعر المسلم أمام مسؤوليته وهناك التزام أمامه عليه أن يؤديه وإذا كان المستعمر حاول أن يحول بين الشاعر المسلم ومهمته، فإن طواغيت هذه الأمة حلوا مكان
الاستعمار في الحيلولة بين الشاعر المسلم ومراميه، لذا، فإن الشعر الإسلامي المعاصر اتجه اتجاهًا جديدًا بعد خروج المستعمرين من الأرض الإسلامية، فقد انتهت مهمة الشاعر في تحرير البلاد من الأجنبي واتجه لمقارعة الباطل ودحض زيفه متمثلًا بالحاكم الجائر أينما كان، ذلك الذي ملأ الأرض بزيفه، وانحرف بأمته فأضاع الرعية في غياهب الاظلام السوداء، وفي قصيدة مدرسة الرعب، يعرض الأستاذ نجيب الكيلاني بهذا الحاكم قائلًا:
وراع زائف الأحلام في زيف من القيم ** أضاع قطيعه الحيران عبر متاهة الظلم
ولعل الشعر الإسلامي جنح مقارعة الحاكم الظالم نحو الرمز، فالحاكم ذو صولة وعدة وعتاد، وبما أن التعبير الشعري في هذا المقام يصدر من خلال العلاقة السيئة بين الشاعر المحكوم والحاكم الذي هو الطاغوت الظالم، فإن الشاعر المسلم اتكأ على الرمز في كثير من قصائده خشية القبض الحديدية التي تعود الطاغوت أن يبطش بها، والطاغوت لفظة دأب الشعراء الإسلاميون على استخدامها استخدامًا رمزيًا يشيرون بها إلى الحاكم الذي انحرف بمنهجه عن الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وهذا محمد مثلًا غزيل يخاطب أمته ويحذرها من شر هذا الطاغوت فيقول:
إن العدو هو الطاغوت فانعتقي ** من كيد إبليس إن المكر آياه
إنه يرى في هذا المستبد صورة شيطانية، فهو الطاغوت، وهو إبليس، وهو المكر أيضًا، ومـن أجل هذا، يرى الدارس أن مقارعة الطواغيت والبغاة الظالمين أخذت الحيز الأكبر في ديوان الشعر الإسلامي المعاصر، فهو العقبة الكؤود أمام مسيرة الدعوة وحركتها وهو الذي يكرس كل ما في وسعه لضرب أي تحرك يريد أن يعيد إلى هذه الأمة وجهها الأصيل، ولو كان هذا التحرك هو الإسلام نفسه، وإذا كانت هذه هي صفات الطاغوت، فإن الشاعر المسلم لم ير بدًا من مقارعته ومنع كيده وإهانته للمستضعفين، وقد وجد الأستاذ نجيب الكيلاني صورة نيرون الظالم في شخصية الحاكم العابس، الأمر الذي دعاه الى تسمية هؤلاء باسم نيرون كما في قوله:
كل نيرون يغني طربًا ** ويكيل العسف للمستضعفين
ولما كان الشاعر المسلم يحمل هذه المشاعر في تحديه لطواغيت هذه الأمة والظالمين من حكامها، فإن الطاغوت لم ير بدًا من إسكات هذا الصوت، ووجد أن السجن هو خير عقاب ينزله بالشاعر المسلم بيد أن طواغيت السجون إلى فاعلية هذه الطريقة، ذلك أن تصور العقيدة الإسلامية المتمثلة في الشاعر المسلم تختلف مع رجال الباطل وتصوراتهم، فالسجن والتعذيب والقهر تكريس تتجلى فيه صلابة الشخصية الإسلامية الثابتة، لتصيح بأعلى صوتها من وراء القضبان الحديدية السوداء:
حي على الجهاد، وهذا التكريس المتين الذي خلفته الرؤية الإيمانية في شخصية الشاعر المسلم، إنما هو فلسفة خاصة في فهم المسلم للسجن والسجان، بحيث يصير السجن وهو مصنع الثورة على الطاغوت وهو المنطلق الذي ينطلق منه الشاعر المسلم بعد تحطيم جدرانه وكسر تضبانه على رأس النخاس وفي مقطع صفارة الإنذار من ديوان الأستاذ محمد الحسناوي يستطيع الدارس أن يسمع ذلك من صرخة مسجونة:
من جبنا ** من حقدنا
من ألف ألف مخلب في كفنا ** سننقب الجدران
سنملأ الأسواق ** ونفجأ النخاس والقرصان
وإذا كانت مقارعة الطاغوت الظالم هي القضية الأولى التي تستحوذ على القسط الأكبر من الشعر الإسلامي المعاصر، فـإن المسألة اليهودية والسرطان الذي جثم على صدر أمتنا منذ ثلاثين سنة هي القضية الأساسية الثانية التي استحوذت على الحيز الآخر من الشعر الإسلامي المعاصر فمنذ أن زحف اليهود صوب الأرض العربية راح الشاعر المسالم يبحث المشكلة ويكشف اللعبة التي تهيئ الأمم الكبرى لها متعاونة في ذلك مع الحكام الخونة الذين غدروا بأهليهم وأبناء أمتهم، وقد صور الأستاذ عبد الرحمن بارود هذا الواقع بقوله:
زحفوا يقطرون سمًا زعافًا ** وحفيد الحاخام فيهم أمير
ورقيق شروه من كل لون ** ومن ابن السوداء منهم كثير
ومع ابن السوداء يرميك رام ** غدر من بنيك فظ كفور
لقد كشف الأستاذ بارود في هذه الأبيات لعبة العمالة التي قام بها من يحسبون على هذه الأمة، أولئك
الذين مهدوا الطريق أمام الهجرة اليهودية، حيث قاموا بالالتفاف على الانتفاضات الشعبية الرافضة للزحف اليهودي، حيث سقطت-فيما بعد- القدس في يد المحتل النذل، الذي عاد ينبش الأحفار في البقعة الطاهرة، يقول الأستاذ نجيب الكيلاني:
سقطت عذراء التاريخ الأعظم ** في قبضة مومسي
مقبرة صلاح الدين ** ينبشها ذئب أجرب
وشواهد أيام الحرية ** داستها قدم غجرية
والصخرة في قلب المسجد ** يتسلقها بغايا
وهذه صورة صادقة للحقد اليهودي الذي أجاد الشاعر المسلم تصويره، ذلك الذي لا يستطيع، أن يعبر عن نفسه إلا في سلوكيات دنيئة مبعثها موت الضمير الأخلاقي في عروقه. وإذا كان موقف اليهود من المقدسات الإسلامية موقفًا شائنًا، فإن الشاعر المسلم لم يسكت على ذلك، وإنما أنكر على حكام هذه الأمة أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام المسجد الأقصى، بينما يهتك اليهود حرمته، يقول الأستاذ مأمون جرار معرضًا بالحاكمين المتخاذلين:
والمسجد الأقصى به انتهكوا ** حرمات ربي دونما رهب
أسمع أنين المسجد الأقصى ** ناحت مآذنه والله على العرب
تركوه للأعداء محتقرًا ** لم يفقدوه بخالص القلب
وهنا يستعد الشاعر المسلم لأداء مهمته في تحرير الأرض المحتلة تحت راية الإسلام، ذلك أن العقيدة الإسلامية تحتم عليه ذلك، يقول أحد الإخوة الشعراء:
أيها العار لا تزرنا فإنا ** من رجال الإسلام قوم أباة
خشية الله في القلوب، ولكنا ** أمام الأعداء صلب قساة
وإذا كانت العقيدة حقًا ** في دمانا فلن تلين القناة
وفلسطين دارنا وعلينا ** إن ترد الديار مهما استماتوا
ويقف الشاعر المسلم أمام أحداث الأمة، ويستعرض مواقف المتخاذلين، فييأس لمواقفهم، ويتألم من المصاب الذي جعله يرى القدس شاحبة جريحة تنادي من يرد إليها الروح والشفاء بدواء ناجع شاف، وهنا يعرض الشاعر محمد أحمد مصطفى بأولئك الذين لم يروا سبيلًا لتحرير الأرض المحتلة إلا بالقول والخطب والمخادعة، مبينًا لهم أن الخبر اليقين بالسيف والنار:
والقدس نادتكم فداووا جرحها ** بالنار لا بالقول والأشعار
بالسيف نرجعها ربوع جدودنا ** فالسيف يحمل صادق الأخبار