; من تاريخ الشعر الإسلامي المعاصر- رابطة الوعي الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان من تاريخ الشعر الإسلامي المعاصر- رابطة الوعي الإسلامي

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الاثنين 25-ديسمبر-1978

مشاهدات 73

نشر في العدد 425

نشر في الصفحة 40

الاثنين 25-ديسمبر-1978

يحتاج الشعر الإسلامي المعاصر لكي يحقق رسالته على أكمل وجه إلى مؤسسة إسلامية متخصصة ترعاه وتوجهه، وإلى دار تقوم على إخراجه ونشره وتوزيعه، وإلى مجلة متخصصة تشجعه وتنشره، وإلى رابطة تجمع شعراءه وتنظمهم.. 

وعلى الرغم من الظروف القاسية التي تحيط بالدعوة والدعاة، فإن الشعراء الدعاة قاموا بمبادرات فردية ناجحة في سبيل بعث الشعر الإسلامي وانطلاقه، ولكن هذه المبادرات بقيت فردية وبقي تأثيرها محدودًا. 

ولعل المبادرة الوحيدة التي حاول فيها الشعراء أن ينظموا أنفسهم هي المحاولة التي قام بها شعراء من سورية والأردن، فألقوا جمعية للشعر أسموها: «رابطة الوعي الإسلامي» ونشروا تحت هذا الاسم كثيرًا من قصائدهم في مجلتين إسلاميتين هما: مجلة الشهاب السورية ومجلة الكفاح الإسلامي الأردنية، وقد كان ذلك عام 1375 هجرية، إلا أن هذه الرابطة لم تعمر طويلًا فقد توقفت بتوقف المجلتين عن الصدور عام 1376 هجرية. 

ولعل أسوأ النتائج التي ترتبت على هذا التوقف أن بعض الشعراء الذين كانوا ينشرون قصائدهم باسم الرابطة وتحت لوائها قد توقفوا عن النظم وغابوا في خضم الحياة، من هؤلاء الشعراء: أحمد الجنيدي وسفيان عارف التل وأدهم سبع العيش. 

ومن الظواهر التي تستحق التسجيل أن أعضاء الرابطة هم من الشعراء الشباب، ولم نقرأ لشاعر من الشعراء المعروفين والذين لهم باع طويل في الشعر الإسلامي من أمثال الأميري والزبيري والأعظمي شعرًا منشورًا باسم هذه الرابطة، وعلى الرغم من رئاسة الشاعر يوسف العظم لتحرير مجلة الكفاح الإسلامي إلا أن قصائده المنشورة في المجلة لم توقع باسم الرابطة ولم تُنشر تحت لوائها. 

ونلاحظ في دراستنا لقصائد شعراء الرابطة اهتمام الشعراء بالحركات الوطنية في العالم العربي الإسلامي، وهذا الاهتمام نابع بالدرجة الأولى من أصالتهم الإسلامية، ذلك لأن من تمام إسلام المسلم أن يكون وطنه الإسلامي حبة قلبه ومناط حبه، وهو متأثر بالدرجة الثانية بالجو الذي كان يحيط بالأمة آنذاك، فكانت البلاد العربية خاصة تموج بالحركات والثورات، في الجزائر والمغرب وتونس، ولم تكن فلسطين وقضيتها قد غابت عن الساحة العربية، فهي موضع اهتمام المخلصين وشغلهم الشاغل، وفي نفس الوقت موضع استغلال الكثيرين! 

وقد لمسنا تأثر الشعراء بالأجواء السائدة في نواحٍ كثيرة أهمها تأثرهم بالاصطلاحات، والتعبيرات المتفشية آنذاك، واستخدموا بعضها وقد فاتهم ما فيها من تجاوزات لا يرضاها الإسلام الذي يتحمسون له ويذودون عنه ويهتفون به، والعذر الذي يمكن أن نلتمسه لهم في هذا المجال هو أنهم شباب لم تنضج لديهم الفكرة الإسلامية نضوجًا كاملًا، ولم ترسخ في وجدانهم رسوخًا عميقًا، وقد دعاهم هذا إلى أن يخلطوا بين التعبيرات الدخيلة والأصيلة. 

مثال ذلك القصيدة التي يقول الشاعر في مطلعها: 

باسم العقيدة والجهاد ودعوة الحق المبين

باسم الأخوة والنضال وعروة الحب المتين 

باسم الضحايا الصيد والأحرار إخوان اليقين 

سيظل يلهمني نداء الشعب في تلك السجون 

فهو يقسم بالعقيدة والأخوة والنضال والضحايا، وهو بالإضافة إلى كونه قسمًا لا يتفق والحس الإسلامي، فقد خلط خلطًا عجيبًا بين العقيدة والجهاد والأخوة، وهي تعبيرات إسلامية محضة، وبين النضال والأحرار ونداء الشعب، وهي تعبيرات تسللت مع الدعوات الهدامة الزاحفة علينا من الشرق الشيوعي والغرب الصليبي، وهي تعبيرات لا ننكرها لذاتها بل لما تحويه من إيحاءات ونيات ومدلولات أريد لها أن تحل محل التعبيرات الإسلامية الأصيلة. 

ثم ينتقل الشاعر بعد هذا المقطع إلى التعبيرات الإسلامية المشرقة دون أن يشوبها ما شاب سابقتها، فيقول: 

وأكاد أسمع صوت إخواني الدعاة المسلمين

في قلب هاتيك الزنازن بين أعماق السجون 

أبدًا يدوي هادرًا بالحق: لا لن نستكين

والعزة الشماء لله العزيز، وللدعاة المؤمنين 

والنصر والفوز المبين لهم، لقوم موقنين 

ونلاحظ مثل هذا الاختلاط في قصيدة أخرى وفيها يقول ناظمها: 

من دمائي من فيضها المذخور 

                     تتعالى هواتف التحرير 

يتعالى صوت العقيدة والـ 

                    إيمان، صوت الجهاد المرير 

أشعلوها بوقدة من يقين 

                   أشعلوها بجذوة من شعور 

وهذا نفسه ما نجده في القصيدة المنشورة في مجلة الكفاح الإسلامي الأردنية في عددها الحادي عشر الصادر سنة 1376هجرية التي يقول الشاعر فيها:

يا وطن العقيدة الغائرة الأمجاد والنضال 

                                 والحب والإخاء والسلام والعطر والكروم 

متى أراك صامدًا كالطود للزوابع الشنعاء 

                          تلدك العقيدة الشماء للمجد والإخاء والسلام

وبالإضافة إلى هذا الاهتمام بالحركات الثائرة، فقد اهتم شعراء الرابطة بالدعوة ومسيرتها الخيرة نحو بناء الأمة الإسلامية من جديد، فهذا محمد منلا غزيل يحيي قافلة الإسلام الزاحفة نحو المستقبل المشرق في قصيدته «قافلة الكفاح الإسلامي» المنشورة في مجلة «الكفاح الإسلامي» الأردنية في العدد الرابع والعشرين الصادر سنة 1376 هجرية: 

لله قافلة الكفاح تسير نحو الانقلاب 

لله ركب الدعوة السمحاء وهاج الشهاب 

لله قافلة العقيدة والأخوة والشباب 

لله شعلتنا المضيئة عبر أعماق الضباب 

كما وضع الشاعر محمود محمد كلزي نشيدًا لشباب الإخوان المسلمين يفيض إخلاصا وحماسًا، وقد نشرته مجلة «الشهاب» السورية في العدد الثامن والأربعين الصادر سنة 1375 هجرية، يقول في مطلعه: 

نحن جند الله أشبال الفدا

إن دعانا الحق لبينا الندا 

وزحفنا جحفلًا يطوي المدى 

في سبيل الله لا نخشى الردى

كما نوه شعراء الرابطة بجهاد رجال الحركة الإسلامية، وأثنوا على مواقفهم الصلبة في سجون الطغاة، وسجلوا أسماء شهدائهم بحروف من نور في أشعارهم التي كانوا ينشرونها في المناسبات التي يتذكر فيها المجاهدون إخوانهم الشهداء الذين  سبقوا وفازوا. 

وقد قدمنا أبيات الأستاذ محمد منلا غزيل التي أشاد فيها بجهاد الدعاة وصمودهم أمام طغيان الناصرية، ورفضهم للذل خارج السجون مفضلين العزة داخلها. 

أما الشاعر أحمد الجنيدي فإنه يشيد بجهاد الإمام الشهيد حسن البنا في ذكرى استشهاده، فيقول في قصيدة له بعنوان: «الإمام الشهيد» نشرتها له مجلة «الكفاح الإسلامي» الأردنية في العدد السادس عشر الصادر سنة 1376 هجرية: 

في جنة الخلد، ولا يزال على جبين الراية الخضراء 

اسمك لا يزال أنشودة من لهب تعزفها الأجيال 

وامتازت أغلب قصائد شعراء الرابطة بالموسيقى العذبة والبناء السليم والاندفاع الشديد كأنها السيل المتدفق، ونحن لا يسعنا إلا أن نعجب بهذا النغم الموسيقي العذب، وبهذه الروح المتوثبة عند الشاعر حيدر محمود حيدر في قصيدته «ثائر من الأوراس» المنشورة في مجلة «الكفاح الإسلامي» في عددها السابع عشر لسنة 1376 هجرية، إذ يقول: 

أنا لن أموت وفي فمي صوت التحرر والكفاح 

فاضرب بمدفعك القلاع ودك بالسيف الصفاح 

وترقب الأحرار، إن الحر لا يخشى الجراح 

كما لا يسعنا إلا أن نعجب بهذا التوفيق في اختيار الكلمات المعبرة عن قوة الفكرة في قصيدة أدهم سبع العيش المنشورة في «الكفاح الإسلامي» في عددها الثاني والعشرين الصادر سنة 1376هجرية، فكلمات مثل: تدفق ويسطع ويسكب ويدفع ويقود ويهتف تضامنت معًا لتعبر عن قوة الاندفاع في النداء الخالد: «الله أكبر»: 

أمل تدفق في دمي ينبي بأن الليل أدبر 

والنور يسطع في فؤادي مشرقًا حلوًا معطر 

والدين يسكب شرعة القرآن في قلبي فأسكر 

والحق يدفعني إلى دنيا الكفاح إلى المعسكر 

ويقودني في موكب الأحرار للنص المؤزر 

ويظل يهتف في خلال جوانحي «الله أكبر» 

وقد غلب على شعراء الرابطة النظم بالشعر العمودي –الموزون المقفى- وإن استخدموا في بعض الأحيان التعبير عن مشاعرهم بالشعر الحديث كما في قصيدتي أحمد الجنيدي: «أغنية إلى العالم الإسلامي» و«الإمام الشهيد» وقد تقدم الاختيار منهما. 

هذه هي «رابطة الوعي الإسلامي» وهذه بعض ثمارها الخيرة، ولا شك أن شعراء الدعوة الإسلامية يشاركونني الأمنية بأن تقوم مرة أخرى رابطة تجمع الشعراء الإسلاميين، لأن فيها الخير للشعر والشعراء، وفيها الخير قبل هذا وبعده للدعوة الإسلامية التي من أجلها يقول الشعراء شعرهم وفي سبيلها يعصرون فكرهم ويبذلون جهدهم. 

وهل نستطيع أن ننتقل من الأمنية فندعو لإقامة مثل هذه الرابطة؟ فإذا ما وجدت دعوتنا من يستجيب لها، فهل نجد من ينفذها؟ 

متى أن أصبناها تكن أحسن المنى 

                           وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا 

الرابط المختصر :