; السودان: إعادة ترتيب شاملة للأجهـزة التنفيذية | مجلة المجتمع

العنوان السودان: إعادة ترتيب شاملة للأجهـزة التنفيذية

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 55

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 25-يناير-2000

• معايير جديدة لاختيار الوزراء والولاة تقضي على النعرات القبلية وبعيدًا عن الموازنات والمجاملات

مع التوقيت الجديد للسودان الذي بدأ منذ يوم السبت 9 شوال الموافق 16 يناير الجاري بتقديم الزمن ساعة، تعيش العاصمة السودانية وسط تكهنات تدور كلها حول تشكيل الأجهزة التنفيذية بعد أن قبلت استقالة الوزراء والولاة، وطلب إليهم الاستمرار في عملهم حتى إعلان التشكيل الجديد.

كانت إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي «الحكومة» أحد بنود مشروع المعالجة الشاملة للجنة توحيد الصف ورأب الصدع التي يرأسها الدكتور عبد الرحيم علي مدير جامعة إفريقيا العالمية، وهناك تساؤل عن كيفية اختيار لجنة المصالحة رموز السلطة في التكوين المرتقب للجهاز التنفيذي والإداري لثورة الإنقاذ حتى يستقيم الطريق ويسير المشروع على سواء الصراط.

يطالب البعض باستعمال علم الجرح والتعديل في اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب. والجدير بالذكر أن هذه هي المرة الأولى التي ستتولى لجنة المعالجة الشاملة في اختيار الوزراء والولاة، أو تكلف اللجنة بلورة المواصفات التي يختار على أساسها الوالي والوزير وتتضمن هذه المواصفات الإيمان والتقوى، ثم العلم بالواقع، والكفاءة والأمانة والقوة، بعيدًا عن القبلية والجهوية والموازنات والمجاملات والقرابة أو الصداقة التي أثارت النعرات القبلية وألحقت بالبلاد أضرارًا لا بد أن تزال.

وقد هدفت لجنة مشروع المعالجة الشاملة إلى تحقيق أربعة أمور أساسية وهي أولًا: المحافظة على العقيدة التي بدونها لا تقوم حياة إسلامية صحيحة، وثانيًا: على الدولة الإسلامية التي قامت كأمل للمسلمين في الأرض، وثالثًا: بعد على الحركة الإسلامية التي وصلت للسلطة بعد مجاهدات وابتلاءات، ورابعًا: على رموز الحركة وقواعدها من التفتت والتشتت، وهذا يعني أن بقاء الأمة أهم من الأشخاص ووحدة الصف أهم من أي اعتبار.

لا حكومة قومية

وتؤكد المعلومات الوثيقة التي تحصلت عليها «المجتمع» أنه ليست هناك نية لحكومة قومية تشترك فيها أحزاب المعارضة أو أحزاب التوالي في الوقت الحاضر، وذلك لأن المؤتمر الوطني «الحزب الحاكم» لا يتحمس لها الآن على الأقل، كما أن القوى المعارضة للإنقاذ لا تريد الاستعجال والاشتراك في حكومة قومية قبل انعقاد المؤتمر الجامع الذي يرجى منه وضع حلول لمشكلات الحكم في السودان، ولكن مسؤولين نافذين في سلطة الإنقاذ، يؤكدون أن الحكومة الجديدة المرتقبة ستسير على نهج الوفاق الوطني والمصالحة رغم أنه من المؤكد أنها لن تضم شخصيات حزبية معروفة، كما تؤكد تحريات «المجتمع» عدم وجود نية للتخلص من الشخصيات القريبة واللصيقة بالدكتور حسن الترابي أمين عام المؤتمر.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل سيأتي التشكيل الجديد للأجهزة التنفيذية بشكل منسجم تختفي فيه كل السلبيات التي أدت إلى المثالب والخلل والقصور؟

لقد شكا الكثيرون من الترهل الذي أصاب الجهاز التنفيذي ومن الازدواجية التي عرقلت مسيرة الإنقاذ، إن المعلومات المؤكدة لدينا تقول إن اللجنة المكلفة بإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي للدولة أوصت بتقليص عدد الوزراء إلى ستة عشر وزيرًا، بدلًا من ستة وعشرين في الهيكل السابق، وذلك بدمج بعض الوزارات التي أنشئت للترضية مع بعضها وذلك لتقليص الظل الإداري وتقوية الحكومة المركزية، كما أوصت اللجنة بتقوية جهاز الخدمة المدنية وذلك بتعزيز دور وكيل الوزارة مما سيؤدي تلقائيًا إلى الاستغناء عن كثير من وزراء الدولة، وبذلك تكون الحكومة المركزية قوية مما سيؤدي إلى تقوية النظام الفيدرالي الحالي.

أما بالنسبة للولاة فالمتوقع أن يكون الاختيار على أساس قومي وربما من رجال الجيش المتقاعدين وتضييق حدود الاعتبارات القبلية إلى أبعد حد لتلافي التوترات القبلية التي شهدتها بعض الولايات.

مصير الهيئة القيادية

بعض القياديين في النظام الحاكم والمؤتمر الوطني يرى أن يتقدم أعضاء الهيئة القيادية باستقالاتهم أسوة بأعضاء الجهاز التنفيذي وفق ما نصت عليه بنود المعالجة الشاملة.

لقد بادر السيد عبد الرحيم حمدي عضو لهيئة القيادية العليا بالانتخاب ورئيس القطاع الاقتصادي في الأمانة العامة للمؤتمر، بتقديم استقالته من عضوية الهيئة القيادية، ويرى السيد حمدي - وهو وزير مالية سابق في حكومة الإنقاذ - أن تبادر الهيئة القيادية التي يرأسها الأمين العام د. الترابي بحل نفسها التزامًا بقرارات هيئة الشورى، وإثباتًا لحسن النية، وتمسكًا بالالتزام التنظيمي، كما حدث في الجهاز التنفيذي حتى تفسح المجال للجنة المعالجة الشاملة لإنفاذ توصيات هيئة الشورى وفق توصيات الحل الشامل.

ويقول السيد حمدي في خطاب استقالته المرفوع للسيد الأمين العام: إن الهيئة القيادية قد فقدت مشروعيتها التنظيمية والسياسية بالإصرار على الاستمرار ضد الرغبة الواضحة لمجلس الشورى وأنها أضحت عنصرًا معاكسًا لمجهودات الإصلاح المستمرة.

لقد أحدثت استقالة السيد عبد الرحيم حمدي دويًا في الشارع السياسي وصفته بعض المصادر بالاستقالة الشجاعة، وأن حمدي من الرجال القلائل الذين يقولون للدكتور حسن الترابي لا.

من جهة أخرى، استنكرت القوى السياسية الجنوبية محاولة استقطاب الجنوبيين في الصراع القائم الذي يعتقدون أنه صراع يخص فصيل الحركة الإسلامية في المؤتمر الوطني، وأكدوا أن من حشدوا من النازحين في التجمع الذي انعقد بالمؤتمر الوطني وخاطبه د. الترابي ثالث أيام العيد، لا يمثلون أهل الجنوب ذوي الإرادة السياسية، وأنهم من جانبهم سوفيتحركون لتسيير مسيرة مليونية لمناصرة الرئيس البشير، وتقديم مذكرة له بإلغاء حق تقرير المصير، والمضي قدمًا نحو الوحدة الوطنية.

إن الاستقطاب الحاد الحادث وسط الجنوبيين له خطورته البالغة على مستقبل الحياة السياسية في السودان، ولا سيما أن فئة أخرى جنوبية تنشط هذه الأيام في الداخل والخارج لحشد التأييد الإقليمي والدولي لحق تقرير المصير للجنوبيين، وتسعى هذه الفئة لتضمين حق تقرير المصير في المبادرة المصرية - الليبية الخالية من مثل هذا البند، إذ إن مصر تقف بصلابة مع وحدة الأراضي السودانية وتخشى انفصال جنوب السودان الذي سيهدد الأمن القومي المصري ومصادر مياه النيل، وفي الجانب الآخر، تقف الكنائس المسيحية بقيادة البارونة كوكس خلف المطالبين بالانفصال، وإقامة دولة مسيحية معادية للشمال في الجنوب، ظنًا منهم أن الجنوب ذو أغلبية مسيحية على الرغم من هذا الظن خاطئ، فالمسلمون في الجنوب أغلبية واضحة ولكن أجهزة الإعلام الكنسية تصور الجنوب وكأنها مقاطعة مسيحية.

كل هذا يحدث في الداخل مع الانفراج الهائل الذي حدث في علاقات السودان بدول الجوار خاصة، حيث رممت العلاقات بشكل جيد مع مصر وأوغندا وإريتريا وإثيوبيا، وتم فك العزلة مع دول العالم الأخرى، فهل يحدث التصالح المنشود مع الداخل؟

تحسن مطر في العلاقات السودانية - الإريترية

في ثاني بادرة لتحسن العلاقات بين الخرطوم وأسمرا، اختتم هايلي ولد تنساي وزير الخارجية الإريتري، زيارة للخرطوم، ضمن وفد كبير، حاملًا رسالة إلى الرئيس السوداني من نظيره الإريتري أسياس أفورقي.

وأشاد الرئيس السوداني بالتطور المطرد في العلاقات السودانية - الإريترية نحو خير الشعبين، مؤكدًا عقب لقائه بالوفد الإريتري رغبة البلدين في تجاوز خلافاتهما، والانفراج التام في علاقاتهما توطئة لعودتها إلى سابق عهدها.

من جانبه، أكد وزير خارجية إريتريا أن زيارته للخرطوم ولقاءاته بالمسؤولين تأتي في إطار مسعى البلدين لتطوير العلاقات التي وصفها بأنها تاريخية واستراتيجية، ولمزيد من تنشيط حركة التفاهم والتواصل المشترك بينهما، وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بينهما، مضيفًا أن زيارته تهدف إلى استئناف العمل الدبلوماسي الإريتري بالخرطوم، والافتتاح الرسمي لمبنى السفارة.

وفي المقابل، صرح د. مصطفى إسماعيل وزير الخارجية السوداني، بأن عددًا من اللجان ستجتمع لمتابعة تنفيذ اتفاق البشير- أفورقي في الدوحة وطرابلس، موضحًا: «ليس لدينا سقف لتطوير العلاقة، ونسعى لحسم جميع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية في أقرب وقت ممكن»، معربًا عن ترحيب السودان باستئناف النشاط الدبلوماسي الإريتري بالخرطوم.

وقال: إن هذه الخطوة التي سبقتها خطوة مماثلة من السودان ستسهل من حركة الاتصالات بين البلدين، مشددًا على استعداد السودان لتقديم كل التسهيلات للإخوة الإريتريين.

وأوضح عصام عوض القائم بالأعمال السوداني في إريتريا، أن المباحثات جارية لترفيع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى درجة سفير خلال الأشهر القليلة المقبلة.

على صعيد آخر، أعلنت الحركة الشعبية لتحرير السودان - بقيادة جون جارانج - موافقتها على إطلاق جميع الأسرى السودانيين الموجودين عندها في السجون دون قيد أو شرط.

صرح بذلك غازي سليمان المحامي رئيس المجموعة السودانية لحقوق الإنسان الذي عاد إلى الخرطوم لتوه بعد جولة خارجية أجرى خلالها مباحثات مهمة مع مسؤول الحركة في العاصمة الإريترية، موضحًا أن اتفاقية بهذا الشأن قد تم التوقيع عليها في ختام المباحثات في هذا الصدد.

الخرطوم - حاتم حسن مبروك

الرابط المختصر :